الشاعر نظامي كنجوي

أول شارع صادفني عندما زرت مدينة باكو هو شارع نظامي؛ الوجهة الأولى لكل المطاعم والمقاهي وأماكن التسوق. كأي اسم له دلالة قادني الفضول لسبب التسمية خاصةً مع وجود تمثال مسمى بنفس الاسم في نهاية الشارع. وعندما بحثت أكثر عن اسم نظامي وجدت أنه شاعر ورمز أدبي في أذربيجان وهو الشاعر نظامي كنجوي مؤسس للشعر الفلسفي في تاريخ الأدب الأذربيجاني. وهو من أدخل فن الخمسة الشعرية إلى الأدب الفارسي. وُلد جمال الدين أبو محمد إلياس بن يوسف نظامي في مدينة كنجه بأذربيجان عام 1141م، وترعرع في كنف بيئة غنية بالثقافة والعلم، فامتزجت في وجدانه اللغة الأدبية والفلسفية، فخرج شعره ينبض بالحياة والفلسفة معًا. تتبعت رحلته الأدبية التي توّجها بعمله الخالد «خمسة نظامي»، تلك المنظومة التي تضم خمس روائع شعرية: «مخزن الأسرار» الذي يحمل تأملات عميقة، و»خسرو وشيرين» التي تروي قصة حب ملكي أخّاذ، و»ليلى والمجنون» التي أعاد فيها صياغة الحكاية العربية، و»هفت بيكر» (الأجرام السبعة) بتنوعها الرمزي، وأخيرًا «إسكندرنامه» التي تصور سيرة الإسكندر الأكبر بطلًا حكيمًا يبحث عن المعرفة والعدل. أخذني التاريخ إلى ملامح عصر نظامي، ذلك القرن الثاني عشر ميلاديًا الذي شهد ازدهار الحواضر الإسلامية في القوقاز، وجد نظامي فضاءً رحبًا لصقل موهبته، متأثرًا بروائع الأدب الفارسي الكلاسيكي، ومتفاعلًا مع تراث الحكمة الشرقية القديمة. هكذا نشأت قريحته الشعرية بين أروقة المعرفة، لتصبح لاحقًا مرجعًا يستلهم منه شعراء كثر عبر القرون، أمثال جامي وأمير خسرو دهلوي، اللذين ساروا على خطاه في نظم الخماسيات الشعرية. تمثلت قدرة الشاعر نظامي على مزج الحكمة الفلسفية بالخيال الشعري، فقصائده تحمل طبقات من المعاني، تبدأ بالسرد القصصي البسيط وتنتهي برموز عميقة تستدعي التأمل الطويل. أسلوبه يتميز بالدقة في اختيار الألفاظ، والبراعة في نسج الصور البلاغية، والقدرة على تصوير المشاعر الإنسانية بصدق. يصور الشاعر نظامي في الأبيات التالية مناجاة شيرين في عمله الأدبي (خسرو شيرين) قائلا: لم تَعُدْ شيرين حيرى لاولا تشكو الضجرْ عندما لاح صباحٌ قلب شيرينَ استقرْ سجدتْ لله شكراً وجهُها الحلو تَعَفَّرْ بغبار الارض لمّا مسَّها الوجهُ المُنضَّرْ يبقى إرثه الأدبي جسرًا حضاريًا يربط بين الثقافات، إذ يحتفي به الأذربيجانيون بوصفه رمزًا أدبيًا خالدًا، وفي كل قراءة جديدة لأبياته، أكتشف طبقة أخرى من العمق، فأزداد يقينًا بأن الشاعر نظامي كنجوي يستحق مكانته بين أعمدة الشعر العالمي، وفي دواوينه رفقة دائمة تثري كل قارئ يبحث عن الجمال والحكمة معًا.