حين كان الصوت علامة.

أغمض عينيّ وأطرق لوحة المفاتيح، فتعود إليّ أصوات ومواقف كانت تحيط بنا: طقطقة المكينة التي كانت بجوار بيت عمي، والسير الذي التف حول أحد شباب الحارة، لكنه خرج منه بسلام. وأتذكر صرّار الليل، حشرة صغيرة تنشط ليلًا، لم أشاهدها يومئذ، لكنني قرأت وصفها، وهي تكثر في المناطق الزراعية لكثرة الرطوبة. أما النجر، وهو إناء معدني يُصنع غالبًا من النحاس، وتُدق فيه حبوب القهوة والهيل بيد النجر، فلم تكن وظيفته محصورة في طحن القهوة؛ فقد كان له رنين يبدد السكون قبل طلوع الشمس وبعد صلاة المغرب، وكان صوته عنوانًا لاجتماع كبار الحارة، يشربون القهوة ويسولفون مع بعضهم. في الوقت الذي لم تكن فيه سيارات كثيرة، وكانت الكهرباء محصورة في مواطير ومكائن لا تلبث أن تتوقف، كان للنجر حضوره. وتخيل معي المشهد حين يُدق أكثر من نجر في الحي، فيمنحك شعورًا بأن الحياة تدب في المكان، ويبقى صوته متسيدًا فضاء الحارة. وقد تغنّى به الشعراء، من بينهم مجول بن دهيم، يقول في مستهل قصيدة طويلة: يا نجر ياللي للمولع ولاعة يا جاذب الطرقي على هجعة الناس علاقتنا بالأصوات اختلفت مع ما عاشه الإنسان من تطور ورفاه جعله يبحث عن المكيفات الحديثة التي لا تُحدث صوتًا. وبات انعدام الصوت مع كثرة العوازل عنوانًا للراحة. تلك الأصوات توقظ ذكريات تكاد تتلاشى، حين نسمع نباح الكلاب حول المزارع، وضُباح الثعلب أو أبي الحصين كما في دارجتنا (١). أما الديك فربما كان شريك صوت النجر في إيقاظ المكان قبل شروق الشمس. تشعر أن أصوات الطبيعة كانت تمثل علامات لسكان تلك الأحياء بثوبها القديم، يستدلون بها على الصباح ودخول الليل. وكانوا يضعون على المكينة إناءً معدنيًا ليكون اهتزازها أوضح؛ فإذا تغيّر صوت الإناء تنبّهوا إلى مشكلة في المكينة، وهرعوا إليها حتى لا تتلف. وكان توقف صوت المكينة يؤذن بانتهاء تدفق المياه في الأحواض والحقول. كل ذلك إضافة إلى أصوات الطيور بأنواعها والحيوانات الضالة، وهبوب الرياح، ولم يكن يحجب أصواتها شيء؛ لأن البيوت في معظمها شعبية لا تتجاوز الطابق الواحد، فيما تحيط المزارع بالمكان. خفت حضور تلك الأصوات في حياتنا، وبرزت أصوات أخرى، حتى على مستوى الكتابة؛ كنا نستخدم مرسامًا، ولا أدري إن كان للورق صوت يشبه ما أسمعه الآن، حين أطرق لوحة المفاتيح وأرفع أناملي عنها فجأة. الهوامش: (١) معجم المعاني، مادة “ضُباح”: يرد فيها الضُّباح ضمن الأسماء التي تطلق على صوت الثعلب.