الجريمة والعقاب وعلم النفس.

لفت انتباهي مقطع للدكتور صالح آل الشبخ وزير الشئون الإسلامية السابق يتحدث فيه عن الأدب الروسي وعمالقته تولستوي ودوستويفسكي وتشيكوف وغيرهم، وأن أعمالهم ورواياتهم تدور حول الإصلاح والنقد الاجتماعي بغية كشف العيوب والعلل الاجتماعية والسياسية في تلك الحقبة، وأدهشني حقيقة عمق ثقافة هذا الرجل وسعة أفقه الفكري. وودت أن أشرككم في لمحات عن رواية (الجريمة والعقاب) من ناحية تأثيرها في الأدب والفكر العالمي. يقول رائد مدرسة التحليل النفسي سيجموند فرويد بأنه تعلم من دوستويفسكي ووضع نظريات نفسية بعد قراءته لأعمال هذا الروائي ومنها (الجريمة والعقاب). ذلك أن دوستويفسكي كأنما يقوم بتشريح نفسية القاتل (راسكولنيكوف) وعقليته، قبل وأثناء ومابعد ارتكاب الجريمة، ولذلك اعتبرت هذه الرواية بقوة التصوير والوصف والحوارات مابين شخوصها، نموذج دراسي ( study case ) في علم الجريمة والدراسات الاجتماعية وعلم النفس الجنائي والفلسفة الاجتماعية. وهي إلى جانب هذا التأثير والحضور، رصد اجتماعي للمجتمع الروسي في القرن التاسع عشر وتحولاته الاجتماعية في ظل سعي الحكومة القيصرية لنقل المجتمع الروسي إلى مصاف المجتمعات الغربية، وماصاحب ذلك من طبقية ومصاعب اقتصادية وسياسية أثرت على المجتمع الروسي، وهذه كانت عناصر حاضرة في (الجريمة والعقاب) بل وفي غالبية أعمال هذا الروائي الكبير. ومع الثورة الرقمية ومنصات الإعلام الاجتماعي، ودخول الأدب وكل مايتصل بالكتاب والمفكرين والروائيين كمكون رئيسي للإعلام الرقمي والاجتماعي، كان من البديهي تصدر دوستويفسكي وتولستوي وغيرهم من الروائيين والمفكرين إما بأقوالهم الشهيرة وكلماتهم أو بعرض أعمالهم وماكتب عنها عبر العالم ومنذ عهدهم. وبالطبع فقد حولت أعمال دوستويفسكي إلى أفلام سينمائية وتلفزيونية ومسرحية ماتزال تعرض في روسيا وأوروبا إلى اليوم، ذلك أن الأعمال الأدبية بكافة أشكالها تكتسب مكانتها وشهرتها نظير تأثيرها الفكري والاجتماعي في مجتمعاتها وباقي المجتمعات البشرية، لأنها تتناول قيماً ومبادئ إنسانية نادت بها الرسالات السماوية. ولقد وقفت على بعض النصوص النقدية التي تتناول أسلوب دوستويفسكي في الكتابة وأنه يسهب في الوصف والحوارات مابين شخوص رواياته. وقد لاحظت ذلك في (الجريمة والعقاب) في النسخة الأصلية المترجمة إلى الإنجليزية مع أنه يوجد نسخ مختصرة وبطبعات متعددة، ولعل مرد ذلك طبيعة دوستويفسكي بأنه انطوائي إلى حد ما وقليل الكلام ومايكتبه إنما هو تفكير مكتوب. ثم أن رواياته تنشر على حلقات مسلسلة في الصحف ثم تصدر بعد ذلك رواية مطبوعة. بقي أن أسدي لكم نصيحة وهي ألا تشاهدوا عملاً سينماىياً قبل قراءة الرواية التي استلهم منها ودمتم برعاية الرحمن.