ولد الأديب والناقد المصري علي شلش عام1935م، وبينما هو يدرس في كلية التجارة، مات والده تاركًا خمسةَ أبناء وخمسَ بنات في مراحل التعليم المختلفة؛ وكان (علي شلش) أكبرهم. فاضطر إلى ترك الجامعة والعمل في الصحافة؛ ليعول الأسرة التي أصبح مسؤولاً عنها، وانغمسَ في العمل الصحفي والثقافي منذ منتصف الخمسينيات، متنكرًا لذاته، في سبيل الوفاء بمتطلبات الأسرة. ولم تكن طريقه ممهدة، فقد عانى التهميش وعدم تَيَسُّرِ سُبُل النَّشر لعدم انتمائه لتيارٍ ولا شِلَّة، ومع ذلك فقد حافظ على استقلاليته واحترامه لمبادئه برغم ضغط المسؤولية التي ترهقه بمطالب العيش الكريم. وإلى جانب الصحافة كتب الشعر، ثم تركه إلى القصة، والرواية، واشتغلَ بالبحث والمقالة الأدبية والنقدية، ثم اتجه بجهوده خالصةً نحو النقد والبحث والترجمة، فنشر في الدوريات الثقافية، وشارك في البرنامج الثقافي في إذاعة القاهرة. ومارس النقد السينمائي، وعُني بالحوار مع أهم المثقفين والأدباء الأجانب، وبحث في نشأة النقد الروائي. وهو رائد تعريف العرب بالأدب الأفريقي. كما تناول علي شلش بالبحث الدعوة الماسونية في مصر، وبحث في المعارك الأدبية في المجلات المصرية. كانت حياة علي شلش حافلةً بالإنتاج الأدبي والنقدي، والتاريخي؛ والملحوظ أنه كان يقصد إلى الموضوعات التي تندر فيها المصادر والمراجع؛ فهو يبحث في الحقائق الـمَنْسِيَّة، فيلفتُ الأنظارَ إلى ما تجاهلَه الباحثون، وما فاتَ الراصدين قبله، وفي عام1961م نشر روايته الأولى: (ثمن الحرية). في عام1967م تعرض للاعتقال بتهمةٍ سياسية حُكم ببراءته منها بعد سجن عامين وثلاثة أشهر، وقد كانت تجربة مريرة؛ مرت به وهو يعاركُ ظروفًا أُسَرِيَّةً بالغةَ التعاسة، فلم يكن أمامه إلا مواصلة العمل حتى وهو في المعتقل ليَسُدَّ حاجةَ أسرته، فكان يترجم لبعضِ جهات النشر، ومما ترجم في فترة سجنه كتاب (سبعة أدباء من أفريقيا، تأليف: جيرلاد مور). وقد واجه أزمة السجن بالصبر، والتحدي، متسلِّحًا بإيمانٍ قوي، فلم ينحنِ برغم الظروف القاسية، ولا عند فصلِهِ التَّعَسُّفِي من عمله، بل واجه كُلَّ تلك الظروف في ثبات وصبر، وحينَ صدرَ الحكمُ ببراءته خرج من السجن، وكان تعبيرُه الوحيدُ الصمتَ الحزين، في وقار ونبل، وانغماس في العمل؛ فكرَّس حياته للبحث والكتابة والصحافة، فلما انتهى من تعليم إخوته وأخواته تعليمًا عاليًا، وتوظف الإخوة وتزوجت الأخوات التفتَ إلى نفسه؛ فأكملَ تعليمه في كلية الآداب بجامعة القاهرة، وحصل على الليسانس في الإعلام، ثم الماجستير بدراسته عن (النقد السينمائي في الصحافة المصرية)، ثم نالَ درجة الدكتوراة بإطروحته عن: (المجلات الأدبية في مصر)، وخلال هذه الفترة وما بعدها تدفَّقت كتاباته التي تؤكدُ أنه لم يَعْدِلْ عن موقعه كواحدٍ من المحايدين الشرفاء. في روايته الثانية: (عزف منفرد)، سجَّلَ جزءًا من سيرته الذاتية، وطرفًا من الحياة العامة، وجَوِّ المعتقل، كما كتبَ في المعتقل مجموعتين قصصيتين. كتب علي شلش في عديد المجلات العربية والأجنبية، كما حَاضَرَ في معهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة، وكذا حَاضَرَ في جامعة (أيوا) الأمريكية، وحصل منها على الزمالة الفخرية في الأدب، عام1976م، وهو إلى ذلك عضوٌ مؤسسٌ في اتحاد كتاب مصر، كما أسهم في تأسيس (اتحاد النقاد السينمائيين العرب) عام1972م. في عام 1979م قرَّر الإقامة في لندن؛ وتفرَّغ للبحث والكتابة، والمشاركة في المؤتمرات والندوات والبرامج، وتقديمِ تعليقاتٍ على الشعر العربي في القسم الثقافي في هيئة الإذاعة البريطانية، وظلَّ برغم اغترابه مخلصًا لعربيته، فلم يرتدِ ثوبًا غير ثوبه، ولم يكتب بلسان غير لسانه. كان علي شلش أديبًا حقيقيًّا، وناقدًا ذواقة، ومثالًا لغزارة الفكر، ومثاليةِ الخُلُق، ووفرةِ العطاء. وكان في غربته سفيرًا للأدب العربي في الجامعات والإذاعات الأجنبية. فلم يكن معزولاً عن الثقافة العربية وهمومها؛ فأهدى المكتبة العربية خمسين كتابًا. امتدَّتْ إقامته في لندن أربع عشرة سنة من عام (1979م) حتى وفاته عام (1993م)؛ مكتفيًا بالكتابة والنشر موردًا أساسيًّا للحياة؛ وذلك أنه يرى الوظيفة قيدًا، ولا يُحبِّذ انتسابَ المثقفِ لأي مؤسسة. فالحرية أساسٌ في تركيبة علي شلش الشخصية؛ عاشَ حُرًّا؛ لم تمتد يده لشخصٍ أو جهة، ولم يبع قلمه لحزبٍ أو تيار، فعاش نظيفَ اليد، نزيه المواقف، عفَّ اللسان. وقد أصدر خلال إقامته في لندن عددًا من أهم مؤلفاته منها: (في عالم الشعر)، و(دليل المجلات الأدبية في مصر)، و(من مقعد الناقد)، و(النقد السينمائي في الصحافة المصرية)، و(مختارات من الأدب الأفريقي)، و(نجيب محفوظ.. الطريق والصدى)، و(اتجاهات الأدب ومعاركه)، و(نشأة النقد الروائي في الأدب العربي الحديث)، و(طه حسين مطلوب حيًّا وميتًا)، وغيرها. وهذه الأعمال دالة على مقدرته الفائقة على التقصي، والإحاطة، والصبر على صعوبات البحث العلمي، ولهذا فقد وصِفَ نَقْدُ علي شلش بالنقد الثقافي لشموليته وكُلِّيَّتِه وتوازنِ عناصرِه وإيمانِه العميق بوحدة الثقافة الإنسانية التي تأتي نتيجةً لامتزاج ثقافات الشعوب جميعًا؛ واتَّسَمَتْ أعمالُه بوقارٍ ورزانةٍ فلا تجد فيها صراخًا ولا تهليلًا، بل فِكْرًا حُرًّا لا يخرج على الثوابت والمقدسات، في شرفِ نفسٍ، وسمو خُلُقٍ. وهو مهتمٌ بالنقد في كل أعماله، لأنه يؤمن بأن الإبداعَ يُـمَثِّلُ وجهًا واحدًا للعملة، وأن الوجه الآخر هو النقد، كما قال في حوار أجرته معه مجلة البيان الكويتية. وقد برزت جهوده في مجالات معرفية وثقافية وأدبية منها: دراسة وترجمة الأدب الأفريقي، والكشف عن أدباء الظل، والتعريف بالآداب الغربية، وأبرز إسهاماتها العقلانية، والتنقيب عن الأعمال المجهولة لرَادَةِ الفكر العربي، والدراسات النقدية؛ وِفْقَ نظرته للنقد التي يلخَّصُها بقوله: «النقدُ في أساسه عملٌ خلَّاق كأي عملٍ أدبيٍ آخر، وضرورته تأتي كضرورة أي عملٍ أدبيٍ خلاقٍ آخر». وعلي شلش موسوعيُّ الثقافة، لا شيء يشغله سوى البحث والكتابة والتأليف، بالإضافة إلى محاضراتٍ كان يقدمها لطلابه في جامعة لندن؛ في الإعلام، وفي النقد الأدبي. وهو يتحرى الدقة، ويتقصى الموضوعية، ويختار الموضوعات التي تحتاج إلى توثيق؛ مثل تحقيقه للأعمال المجهولة لكلٍ من: (الإمام محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني، ومصطفى لطفي المنفلوطي). اتسمتْ تجربة علي شلش بسماتٍ مميزة منها: الغزارة، والجودة، وتغطية أعماله لمساحاتٍ واسعةٍ من تاريخ الثقافة الإنسانية، وتَعدُّد اهتماماته الفكرية، والثقافية، والنقدية، وتنوع وغنى تجربته، وعمق رؤاه المعبرة عن عصره وواقعه. وقد كان علي شلش مَحَلَّ حفاوةِ المؤسساتِ الثقافية السعودية، فدُعي إلى مهرجان الجنادرية بالرياض، وألقى محاضرة في نادي جدة الأدبي، عن الرواية العربية، وأصدر نادي جدة الأدبي كتابَه: (علامات استفهام)، وأصدرت دار الفيصل الثقافية بالرياض كتابَه: (الأدب المقارن بين التجربة الأمريكية والعربية)، وكُرِّمَ في إثنينية عبد المقصود خوجة.وفي عام 1993م دُعي إلى (مهرجان الشعر العربي)، المقام في القاهرة؛ وحضر مشاركًا بورقة عن (أصداء الشعر العربي في انكلترا)، وفي ثالث أيام المؤتمر السبت 23أكتوبر1993م، صَعَدَ ليرتاح قليلًا في غرفته بالفندق الذي أقيم فيه المهرجان، وحين تأخَّرَ على أصدقائه ومنتظريه في بهو الفندق اتصلوا به فلم يُجب، فصعدوا إليه فوجدوه مستلقيًا على سريره وقد صعدت روحه إلى بارئها. مات علي شلش على هذا النحو الذي وصفه الروائي خيري شلبي فقال: «كان موتُه مُتَّسقًا تمام الاتساق مع شخصيته؛ فقد كان رجلاً غايةً في الأناقة والأبهة فجاء موته هو الآخر في غاية الشياكة والأناقة، والأبهة؛ مِيِتَةٌ أنيقةٌ كصاحبها، جميلةٌ كنفسِ صاحبها، فيها فخامةٌ وأُبَّهَةٌ وكبرياءٌ عظيم؛ لم يتعرض لمرض، ولم تُمتهن إنسانيته في انتظار علاج، ولم يطلب شيئًا من أحد، بل مات مستكفيًا راضيًا قرير العين». رحل علي شلش بعد ثمانٍ وخمسين سنة مزدحمةٍ بالعمل والكفاح، والإنتاج والمسؤوليات، والـمِحَنِ رَحَلَ علي شلش الراهبُ في محرابِ الكلمة، القارئُ والكاتبُ، والناقدُ، والمبدعُ؛ وسيظلُّ اسمُه بين أسماء النقاد العرب رمزًا للنقاء، والصدق، والجدية، ونموذجًا للمثقف العربي الأصيل، الأنيق في أسلوب كتابته، وأسلوب حياته، ومظهره وسلوكه، العاكف على البحث والدرس، والتنقيب عن المعرفة، بعيدًا عن الأضواء المبهرة، والضجيج الزائف؛ بهذه الخصال النبيلة، والقيم الأصيلة دَوَّنَ علي شلش اسمه في سِجِلِّ الخالدين؛ برغم ظلم الظروف التي أثقلت كاهله بالمسؤولية عن أسرته مبكرًا، وظلم الاعتقال، وظلم الاغتراب، وفجاءة الرحيل.