تتصاعد مخاوف كثير من الأسر مع اتساع حضور الأجهزة الذكية في حياة أطفالها، بعدما أصبحت الشاشات تستحوذ على جانب كبير من أوقاتهم، وتنافس اللعب والتفاعل الأسري والأنشطة اليومية في تشكيل عالمهم. وبين ما تتيحه التقنية من فرص للتعلم والمعرفة، وما يرافقها من تحديات تمس النمو النفسي والمعرفي والاجتماعي، تتزايد المؤشرات والدراسات التي تربط الاستخدام المفرط للشاشات بجملة من الآثار السلوكية والصحية، من بينها اضطرابات النوم، وضعف التركيز، وتراجع التفاعل الاجتماعي، إضافة إلى تأثيرها في النمو اللغوي والانفعالي للطفل. وفي ظل هذا الواقع، تواجه الأسر تحديًا متزايدًا يتمثل في تحقيق التوازن بين الإفادة من الإمكانات التي توفرها التقنية، والحد من آثارها السلبية، بما يحفظ للطفل نموه الطبيعي، ويعزز صحته النفسية والاجتماعية. وفي هذا التحقيق، تستطلع «اليمامة» آراء مختصين في الصحة النفسية والتربية والسلوك، إلى جانب تجارب أسر تعيش هذا التحدي، لرصد أبرز انعكاسات الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية على الأطفال، والوقوف على حلول عملية تسهم في ترشيد استخدامها، وصولًا إلى معادلة تحقق التوازن بين الاستفادة من التقنية وصون الطفولة تأثيرات تهدد الطفل. من واقع تجربة، كشف الإخصائي النفسي جلال القرشي أن الخبرات السريرية والدراسات الحديثة أكدت على وجود ارتباط بين استخدام الأجهزة الرقمية بإفراط في الطفولة وبين مجموعة من التأثيرات طويلة المدى، وأبرزها ضعف مهارات التواصل الاجتماعي، وعدم القدرة على التركيز والانتباه وزيادة القابلية للقلق والانفعالية، ونوبات الغضب، واضطرابات النوم التي تعد من أكثر المشكلات شيوعًا بين الأطفال الذين يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات. وقال» من الملاحظات السريرية التي أصبحت تتكرر في السنوات الأخيرة، ونشاهدها بكثرة في العيادات النفسية للأطفال، أن بعض الأطفال يبدون أعراضًا تشبه اضطراب فرط الحركة، وتشتت الانتباه، مثل: ضعف التركيز والتململ وصعوبة إكمال المهام، بينما يكون السبب الحقيقي في بعض الحالات هو التعرض المفرط للمحتوى الرقمي السريع، والمكثف الذي يجعل الطفل يعتاد على مستويات عالية من التحفيز الفوري، ويجد صعوبة في التفاعل مع الأنشطة اليومية». وعن الحالات التي عاصرها، يذكر القرشي «حالة لطفل في المرحلة الصف السادس الابتدائي كان يقضي ما يزيد على ثماني ساعات يوميًا بين الألعاب الإلكترونية، ومشاهدة المقاطع القصيرة، حضر للعيادة بسبب ضعف التركيز، وتراجع المستوى الدراسي، ونوبات غضب شديدة تنتابه عند سحب الجهاز منه، وبعد تنظيم وقت الشاشة تدريجيًا، وتحويل جزء من وقته إلى أنشطة رياضية واجتماعية، تحسن نومه وانخفضت نوبات الغضب بشكل ملحوظ، وبدأ أداؤه الدراسي بالتحسن، وهذه الحالة وغيرها تؤكد أن المشكلة ليست في التقنية نفسها وإنما في غياب التوازن». ورأى القرشي أن الحل الأمثل لا يكمن في المنع الكامل «وإنما في الاستخدام الواعي والمنظم ووضع حدود زمنية مناسبة للعمر، وتوفير بدائل حقيقية وجذابة للطفل مع حرص الوالدين على أن يكونوا قدوة في علاقتهم اليومية مع الأجهزة والتقنية، فالأجهزة الذكية ليست مجرد وسيلة ترفيه للأطفال، بل أصبحت جزءًا من حياتهم اليومية، ولذلك فإن السؤال الأهم لم يعد هل يستخدم الطفل الأجهزة، بل: كم من الوقت يقضيه معها، وكيف يستخدمها، وما الذي يخسره مقابل هذا الوقت المستنزف مع الأجهزة؟. وأوضح « في العيادات النفسية لم نعد نسأل فقط عن النوم، والدراسة، والعلاقات الاجتماعية، بل أصبح من الضروري أن نسأل: كم ساعة يقضي الطفل أمام الشاشة يوميًا؟ ومفتاحًا لفهم العديد من المشكلات السلوكية والانفعالية التي نلاحظها على الاطفال، كل ساعة إضافية يقضيها الطفل أمام الشاشة لا تعني فقط ساعة استخدام، بل قد تعني ساعة أقل من النوم، أو اللعب الحركي، أو الحوار الأسري، أو التفاعل الاجتماعي، وهي أنشطة لا يمكن للتقنية أن تعوض أثرها الكامل في نمو الطفل النفسي والعاطفي». وتأسّف القرشي على كثير من الآباء والأمهات ممن يترددون في الذهاب للعيادات النفسية للأطفال عند ظهور علامات أو سلوكيات سلبية على أطفالهم، ووصمة عار الذهاب للطبيب النفسي، أو الخوف من استخدام الأدوية النفسية «مع العلم أن معظم السلوكيات السلبية يمكن علاجها من خلال برامج وجلسات سلوكية وتأهيلية متخصصة وبدون تدخل دوائي، مع العلم أن سؤالًا متكررا يُطرح ممن يعانون من تعلق أطفالهم بالشاشات والالعاب المرفقة بها: هل أصبح طفلي مدمنًا، ومتعلقا بالشاشات! وأفاد «من ناحية علميه وتصنيفية تشخيصية لا يوجد ما يسمى إدمان التعلق بالشاشات، لكن هناك اعترافًا باضطرابات مرتبطة بالاستخدام القهري لبعض الأنشطة الرقمية اضطراب العاب الانترنت، وأبرزها: فقدان السيطرة على مدة الاستخدام رغم المحاولات المتكررة للتقليل، وانشغال ذهني مستمر بالألعاب أو الجهاز المستخدم، إهمال الدراسة أو الأنشطة الرياضية والاجتماعية، و السهر واضطراب النوم بسبب الاستخدام الليلي المستمر، ونوبات غضب وانفعالات شديدة عند منع الجهاز أو تقييد استخدامه». وبيّن القرشي» التفسير العصبي لذلك أن كثيرًا من التطبيقات والألعاب ومنصات المقاطع القصيرة صُممت لتوفير مكافآت سريعة ومتكررة للدماغ، مما يحفز دوائر المكافأة العصبية المرتبطة بالدوبامين، فعندما يتعرض الطفل لساعات طويلة ومتكررة من هذا النمط التحفيزي قد يصبح أكثر تعلقًا بهذه الأنشطة وأكثر صعوبة في الاستمتاع بالأنشطة الطبيعية الأقل إثارة مثل القراءة أو الدراسة أو التفاعل الاجتماعي». وزاد «إضافة أن كثيرًا من الأطفال لا يأتون للعيادة بسبب الإفراط في استخدام الشاشات بشكل مباشر، بل بسبب أعراض أخرى، أهمها: تراجع التحصيل الدراسي، ضعف التركيز، اضطرابات النوم، العصبية الزائدة، العزلة الاجتماعية، الخلافات المستمرة مع الوالدين، وعند الفحص والتدقيق المتعمق نجد الاستخدام المفرط للشاشات يمثل عاملًا رئيسيًا في المشكلة. الـ»تاءات» الخمس لرعاية ابنائنا. من جهته اقترح المستشار التعليمي والتربوي الدكتور سليمان المعلم تاءات خمس لرعاية ابنائنا في زمن الرقمنة، ممثلة في: تحصين، وتأطير، وتوجيه، وتفريغ، وتقدير «خاصة وأبناؤنا نبتة غضة طرية، ليّنة التركيب، سهلة التكوين، فإذا اشتدت النبتة وقسا عودها استحال تقويمها». وشدد المعلم على تحصين الطفل من الداخل «إذ لا تكفي تطبيقات الرقابة وحدها ما لم يكن الطفل محصّنًا بمنظومة قيمية راسخة تجعله رقيبًا على نفسه، والتحصين يبدأ بغرس الهوية الإسلامية، وتعزيز الانتماء الأسري، وتقوية الصلة بالله، فالطفل الذي يعرف من هو ولماذا خُلق لا تستطيع خوارزميات العالم الرقمي أن تُعيد تشكيله بسهولة». أما التأطير، فحدده المعلم في إقرار ميثاق أسري لأطر الاستخدام الرقمي، ويكمن في متى وكم وأين وماذا «فلا منع مطلق، ولا انفتاح بلا حدود، والتأطير يُعلّم الطفل أن الحرّية مسؤولية، وأن من الواجب شكر النعم وصونها لتدوم، وفي ظل توجيه قائم، فلا نكتف بالمنع لكل جديد فكل ممنوع مرغوب، بل الأولى تدريبهم على مهارة الاختيار والتمييز بين الغث والسمين، فما ينفعني في ديني ودنياي أولى مما يُضيّع وقتي ويشوش عقلي». وأفاد «إن الفراغ والشباب والجِدة مفسدة للمرء أي مفسدة؛ وأصدق من ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام:ﷺ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ، وهنا يأتي دور التفريغ الإيجابي والذي يعني ملء حياة الطفل بالرياضة، والقراءة، والمشاركة المجتمعية، حتى يلجأ إلى التقنية باختيارٍ واعٍ لا باضطرارٍ نابعٍ من الفراغ والملل». وأثنى المعلم على مكافأة الأبناء على اختيارهم للرشيد وانتقائهم للأفضل «فحين يُوقف الابن الجهاز بنفسه وقت الصلاة، أو يُفضّل الجلوس مع عائلته لينافسهم في تعلم مهارة رقمية، أو ينقل لهم خبرة تقنية، فتلك اللحظة الذهبية للآباء لبناء السلوك بالتعزيز والتقدير حتى تُرسّخ الاختيارات الجيدة وتُحوّلها إلى عادات دائمة» موصيًّا على وجوب تحصينهم بالعقيدة الإسلامية والآداب الفاضلة ، وتأطير عالمهم الرقمي بالضوابط، وتوجيههم لانتقاء النافع، وتفريغ طاقاتهم واستثمار فراغهم ، مع تقديرٍ لاختياراتهم الرشيدة» مؤكدًا على ضرورة معرفة عالم الطفل الافتراضي، ومجتمعهم الرقمي ضرورة من ضرورات هذا الزمان، وحمايتهم من هذا الموج الهادر من المنصات والحسابات التي أصبحت ترسم شخصياتهم وتحدد سلوكياتهم واهتماماتهم، مع العناية بمعرفة من يرافقون ويجالسون «فالمرء على دين خليله والصاحب ساحب، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته. الأجهزة لا تدخل ضمن تلبيات الطفل. من جهتها دعت المعالجة النفسية والمدربة في الوعي الذاتي عائشة كهرمان الى منح الطفل حبًا واهتمامًا وقبولاً ووقتًا وتواصلاً حقيقيًا، وتلبية احتياجه للاهتمام والرعاية والملاحظة والتواصل البصري الذي يعد أول احتياج نفسي للطفل من حين ولادته لعمر السابعة، قبل أن يُمنح جهازًا، والاعتماد عليه في اشباعه عاطفيًا. وتابعت «لم تعد الأجهزة رفاهية للأطفال، بل أصبحت ضرورة، والخطورة تكمن في التواجد المبالغ معها، مما ينعكس على تواجد الطفل في البيئات التي يحتاجها لينمو نفسيًا بطريقة سوية، اضافة إلى تأثيرها على الدماغ، وإحداث خلل في السيالات العصبية، مع اضطراب المزاج بفعل اعتياده واستمتاعه على تمرير الاصبع للحصول على ما يريد، ووقتما يريد، وهذا يتنافى مع معطيات الحياة وما بها من تحديات، وعليه سينشأ الطفل بمعزل تام عن الحياة الحقيقة، وهنا يكمن الكثير من الخطر. الأسرة بين المقصلة والسندان. واعترف رب الأسرة جزا العصيمي بسطوة التطور التقني، وأنها فرضت نفسها أمرًا واقعًا خاصة على الطفل، بل أصبحت الأجهزة مطلبًا علميًا وثقافيًا مكونًا لشخصية الفرد، مما أوقع الأسرة بين المقصلة والسندان -على حد قوله- في اتخاذ قرار اتجاهه «فلن نستطيع حجب الطفل نهائيًا عنه، ولا عن مواكبة عالمه الحالي وما يحمله من وسائل تواصل، وتطبيقات، وثورات معلوماتية، طالت جميع الأعمار، وبين ثقافة ما يسمى بالتقنين في الاستعمال، ومنع الإفراط، واختيار ما يناسب عمر الطفل وقدراته وطرق التداخل النفسي والتربوي بشكل موازي مع تلك الأجهزة وتأثيراتها، وبما يضمن الحفاظ على فلذات الاكباد». وذكر العصيمي «رغم أننا نلمس السلبيات التي تطغى على الإيجابيات من خلال تغير نمط السلوك لدى الطفل، وأعراض التوتر والقلق والميل الى الوحدة، وانفعاله اتجاه ابسط محاولة لإبعاده مؤقتًا، فيتغير مزاجه ويصبح أكثر حدة وتذمر، لدرجة تصل إلى ممانعتهم للخروج مع الأسرة ليبقوا قريبًا من النت والشاحن، وإن خرجوا تجدهم منكبين على الأجهزة، بعيدين عن تفاصيل الذهاب والعودة، وأعظم من هذا نجد أنها بين أيديهم حتى على مائدة الطعام احياناً». وصرّح العصيمي « وحيث إنّا نختلف كأولياء امور في سياستنا في تقنين انشغال ابنائنا بالأجهزة التي بين أيديهم حسب ثقافتنا وعلمنا وطريقة تربيتنا لهم، إلا أننا نشترك في هم واحد هو أن تلك الأجهزة اختطفت الطفل من بيئته الطبيعية الحاضنة لمواهبه الاخرى، وتدرج نمو قدراته وامكاناته الطبيعية، واختطفته من وسطه الاجتماعي كاللعب مع أقرانه، أو ممارسة الرياضة، أو الشعور به كفرد في أسره يتعايش معها بشكل طبيعي، وليس بالتعامل مع أسرته من خلف الشاشة، ونبحث عن الحل». وإن كان من حلول يراها، أفاد العصيمي «يجب ان لا تكون الأسرة بمفردها في مواجهة النواتج السلبية لتلك الأجهزة وتطبيقاتها، رغم ان المسؤولية الأعظم عليها بل يجب على المدرسة والمختصين النفسيين والتربويين والإعلام بكافة قنواته، والمؤثرين أن يكون لهم دور في بث الوعي لدى الأسرة في كيفية التعامل الأمثل مع تلك الأجهزة، وابراز سلبياتها وإيجابياتها، والطريق الأمثل الذي يخلق التوازن بين الفائدة والضرر، حتى تكون الأسرة والمجتمع في قارب واحد الهدف منه نجاة الطفل من الانغماس المفرط وما يترتب عليه من اضرار يعاني منها الطفل والأسرة والمجتمع لا سمح الله». سلوك الطفل نتاج سلوك والديه. بدورها ترى الباحثة وصانعة محتوى الطفولة المبكرة وفاء الطجل أن الوقاية والعلاج لا يكونان بالمنع القاطع أو الصراع اليومي «بل بالفهم وخلق التوازن، وعادة الطفل لا يترك شيئًا أحبه إلا إذا وجد ما هو أعمق منه إشباعًا وأكثر دفئًا، لاسيما والدراسات تؤكد أن سلوك الوالدين هو العامل الأقوى في تشكيل سلوك الطفل، فحين يراك طفلك انك حاضر معه، لا غارق في هاتفك، فأنت ترسل رسالة صامتة أقوى من ألف توجيه، وبدلًا من أن تجعل الشاشة العدو، اجعل الحياة الواقعية أكثر جاذبية، شاركه اللعب، الحديث، التجربة، الخطأ، والضحك». وأكملت «ضع نظامًا واضحًا لاستخدام الشاشات، واجعله مفهومًا ومتفقًا عليه، لا مفروضًا بشكل فج، والطفل يحتاج إلى حدود، لكنه يحتاج أكثر إلى تفسيرها والشعور بعدالتها، واحرص أن تكون هذه القواعد ثابتة، لأن التذبذب يفتح باب التفاوض المستمر، اضافة راقب دون أن تخنق، وكن قريبًا دون أن تكون متسلطًا». وأوصت الطجل الوالدين بتوفير مساحة حديث لطفلهم عما يشاهده أو يمر به دون خوف من عقاب مباشر» فالأمان النفسي هو خط الدفاع الأول ضد مخاطر العالم الرقمي، وازرع في طفلك الرقابة الذاتية، لا الرقابة الخارجية فقط، وعلّمه لماذا نستخدم التقنية، ومتى نتوقف، وكيف نختار، فهدفك ليس أن تُبعده عن الشاشة اليوم، بل أن تُمكّنه من التعامل معها بوعي غدًا». وشددت الطجل على ضرورة ملء يوم الطفل بأنشطة حقيقية من رياضة وهوايات أو قراءة أو زيارات، أو مسؤوليات صغيرة « فالفراغ هو البيئة المثالية لنمو التعلّق المرضي بالشاشات، وكلما كان يوم الطفل غنيًا، قلّت حاجته للهروب، فالمنع المفاجئ قد يزيد التعلق ولا يعالجه». وعبر دراسة حديثة كشفت عن ظاهرة عميقة تمسّ بنية الطفل النفسية والعصبية والاجتماعية، أوضحت الطجل أن تعلّق الأطفال بالشاشات ليس مجرد سلوك عابر يمكن تجاهله أو اعتباره جزءًا طبيعيًا من تطور العصر « فالأمر ليس متعلقًا بوقت يُقضى أمام جهاز، بل بعلاقة تتشكّل بين الطفل والعالم الرقمي، قد تعيد تشكيل اهتماماته، وانفعالاته، وطريقة فهمه للحياة» مبينةً إن الخطر لا يكمن فقط في المحتوى، بل في البديل الذي تقدّمه الشاشة «فهي قد تحل محل الأسرة، والصديق، والكتاب، والتجربة، وحتى الشعور بالإنجاز الحقيقي، وعندما يحدث هذا الإحلال، يبدأ الطفل بخسارة أجزاء دقيقة من نموه لا تُعوّض بسهولة». وأشارت الطجل إلى أثر تصميم التطبيقات والألعاب الرقمية، على الطفل وبما يسمى المكافأة، وحصول الطفل على جرعات متكررة من الدوبامين مع كل تفاعل سريع أو إنجاز لحظي « فتجعل الدماغ يعتاد على المتعة الفورية، فيضعف تحمّله للأنشطة التي تحتاج إلى صبر وتدرّج، كالتعلّم أو القراءة أو حتى اللعب الواقعي، ومع الوقت، لا يعود الطفل ينجذب لما هو طبيعي، بل يبحث عمّا هو أسرع وأكثر إثارة». وقالت:» لعل الأخطر مما كشفت عنه الدراسات النفسية الحديثة أن تعلّق الطفل بالشاشة لا يكون دائمًا بدافع الترفيه، بل قد يكون هروبًا غير واعٍ من مشاعر داخلية؛ من ملل لا يجد له بديلًا، أو قلق لا يعرف كيف يعبّر عنه، أو فراغ عاطفي يملأه بعالم افتراضي يبدو أكثر استجابة له من واقعه. وهنا تتحول الشاشة من أداة إلى ملاذ، ومن وسيلة إلى احتياج». وزادت «وبينت دراسات متعددة أن الإفراط في استخدام الشاشات يرتبط باضطرابات في النوم بسبب تأثير الضوء الأزرق على هرمون الميلاتونين، مما ينعكس بدوره على تركيز الطفل ومزاجه وسلوكه اليومي، ويظهر أيضًا ضعف في المهارات الاجتماعية، حيث تقل فرص التفاعل الحقيقي، فيضعف إدراك الطفل لمشاعر الآخرين وقدرته على التواصل الإنساني السليم». الأسرة أمام تحد كبير أما المستشار التربوي علي الغامدي فبيّن أن الأسرة تؤدي دورَا مهما في خلق بيئة صحية داخل المنزل من خلال توجيه الأبناء ومشاركتهم في وضع قواعد واضحة ومحددة لأوقات استخدام الأجهزة الذكية وتوعيتهم بالآثار السلبية للإفراط في استخدامها، وتساعد الطفل في اختيار المحتوى والألعاب المناسبة لعمره بعيدا عن ألعاب العنف الخطيرة على هذه الفئة العمرية. وقال:» إن تقديم الدعم النفسي للأطفال والمراهقين الذين قد يعانون أضراراً نفسية نتيجة لاستخدام الأجهزة الذكية ضرورة قصوى، ويجب على الأسرة طلب المساعدة في الحال من المختصين في الصحة النفسية إذا لزم الأمر» منبهًا أن الأسرة أمام تحد كبير لحماية الطفل من تلك المجتمعات الرقمية الحديثة، والتطبيقات والألعاب الإلكترونية مما تضع الأسرة أمام مسؤوليات كبيرة في هذه المرحلة الأولى من حياة الطفل فما يقدمانه من الحرص والمتابعة هو أشبه بدور حارس البوابة الأمين والدرع المتين لحماية الأبناء من خطر هذا الواقع الافتراضي الجديد». وحفز الغامدي على تشجيع الطفل على ممارسة هوايات محببة جديدة كالرسم، والتلوين، والتشكيل مثل استخدام الصلصال، واللعب بالرمل، وتركيب المكعبات وقراءة القصص القصيرة وكتابتها والمشاركة في الأنشطة الرياضية في قضاء وقت ممتع بعيدا عن تعلقهم بتلك الأجهزة الذكية، مؤكدًا على جدوى وجود الرقابة المستمرة والصارمة من قبل الوالدين. وأضاف « كذلك البرامج الوقائية التي تقدمها المدارس والمجتمعات التعليمية ووسائل الإعلام التي تسهم في برامجها المؤثرة والمعتمدة، بشكل فعال على نظرية الغرس الثقافي، حيث تبث من خلالها برامج تعليمية تربوية موجهة للطفل وأسرته تسهم بشكل كبير في حمايته من خطر تلك الأجهزة الذكية، فعامل الوقت وضبطه وفق المراحل العمرية للإنسان يحد بشكل كبير من تلك الأضرار». وزاد «فمن الواجب على الآباء تقنين ساعات استخدام الأطفال لتلك الأجهزة الذكية بأن لا تتجاوز ساعة واحدة يوميا للأطفال الذين هم دون سن الخامسة، وألا تتجاوز ساعتين يوميا لمن هم في عمر الخامسة حتى الثامنة عشر، مع الأخذ بالأسباب وجود فواصل منتظمة في أثناء اللعب لتجنب إجهاد العينين وخطر الجلوس لفترات طويلة مع تلك الأجهزة، اضافة إلى اختيار المحتوى المناسب لعمر الطفل ومنع استخدام تلك الأجهزة الذكية قبل النوم وأثناء الطعام». انتقال اللغة من التفاعل إلى الاستقبال وأوضحت حنين الخياري، محللة سلوك ومدربة وعي والدي، ان ما يحدث داخل دماغ الطفل وسلوكه حين اتخاذ الشاشة واستخدام الأجهزة الإلكترونية بدون ضوابط وبديًلا عن التجربة الحقيقية، هو انتقال اللغة من تفاعل حي إلى استقبال فقط «فلكي تتطور لغة الطفل بشكل صحيح وسليم، يحتاج أن يسمع ويرى، ثم يُصحح له لغويًا، وهو تسلسل أساسي لنمو المفردات وتكوين الجمل وتنمية مهارات الحوار، بينما مع الأجهزة فالطفل يقتصر الأمر على الاستقبال فقط» مبينة ان حصيلة الطفل اللغوية قد تنمو وتزيد لكنها تكون في وضع لا يستطيع توظيفها بشكل صحيح داخل الجملة حيث أن الأجهزة لا تمنح الطفل فرصة للتكلم». وقالت» أما من ناحية التركيز، فالطفل يتعرض بشكل سريع ومتواصل من خلال الأجهزة لمحفزات سمعية وبصرية بالإضافة للمكافآت الفورية مما يجعل الدماغ سريع التشتت، ويصعب عليه إكمال المهام، ويقاوم أي نشاط هادئ وبطيء، اضافة انها تخلق لدى الطفل تجاهل مشاعره أو اسكاتها، وبسبب الانتقال السريع من محفز لأخر ومن فكرة لأخرى، وبالتالي لا يتعلم الطفل الانضباط العصبي والعاطفي الصحيح، إضافة لضعف الكثير من المهارات الاجتماعية مثل انتظار الدور التفاعل الصحيح وقت الحوار والتعامل السليم مع الأخرين». وقالت: «الأجهزة الالكترونية أصبحت لغة العصر، ومن واجب الأهالي تقديمها بطريقة صحيحة ضمن ضوابط تساعد الأبناء على اكتساب مهارات مهمة وضرورية بدون الوقوع في تحديات، وتحضر أول خطوة لهذه الضوابط أن تكون واضحة، واتفاق مسبق عليها مع الأبناء، فيما يخص المحتوى المعروض، وطريقة الاستخدام ان كانت للتعليم أو للترفيه، والوقت المصروف في التعرض لهذه الشاشات، وأهم نقطة سلوكية هي التربية بالقدوة، فليس من المنطق وضع ضوابط اذا ما كان الوالدين انفسهم يقضوا ساعات طويلة على الاجهزة. الأجهزة ليست اختيارا ويكمن العلاج لدى الإخصائي الاجتماعي أحمد النجار في التوازن بتحديد وقت يومي واضح، اختيار محتوى هادف، مشاركة الطفل المشاهدة، ومنع الأجهزة قبل النوم، وتقديم بدائل جذابة من لعب وقراءة ونشاط حركي، تطبيقًا للقاعدة الذهبية تنظيم لا منع، ومرافقة لا إهمال، وألا يصبح الجهاز بديلًا عن التجربة الحياتية، عندما يطغى على اللعب الحر، والنوم، والتفاعل الأسري، ويُستخدم لتهدئة الطفل بدل تعليمه تنظيم مشاعره، فالاعتماد عليه كبديل يضعف الارتباط العاطفي، ويقلل من مهارات الحوار والانضباط الذاتي، ويُنشئ طفلاً سريع الملل، يعتمد على التحفيز السريع بدل الجهد والصبر. ويضيف النجار» ويصل تأثيرها إلى الحد من الحصيلة اللغوية، وضعف التركيز نتيجة المحتوى السريع، مما ينعكس على السلوك الاجتماعي بزيادة العزلة أو الاندفاع وصعوبة قراءة مشاعر الآخرين، فمسؤولية الأسرة تبدأ بالقدوة قبل الرقابة؛ التقصير يظهر حين تُترك الأجهزة بلا حدود واضحة، أو تُستخدم كحل فوري لكل بكاء أو ملل، دون توجيه أو مشاركة».