حسن عبدالحي قزاز (1-2)

من الرياضة إلى الاحتراف الصحفي

بعد الانتهاء من لقاء مع الكاتب المعروف عبدالله عمر خياط في منزله في جدة عام 1991 م، سألني- رحمه الله-: هل قابلت الأستاذ حسن قزاز؟ فأجبته: لم أقابله حتى الآن، ولكن اعتزم الالتقاء به قريباً. فقال: لا.. لا بد أن تقابله، وستجد الكثير من الفائدة في مقابلته. واتصل به أمامي، فحدد لي قزاز موعدا في الساعة العاشرة من اليوم بعد التالي.. في مكتبه التابع لمصنع الطوب الذي يملكه، بالقرب من ميناء جدة الإسلامي. وحسناً فعل الأستاذ خياط، الذي كان يعمل مع قزاز بين عامي 1380 و1384 هـ (1960-1964 م) محرراً ثم صحفياً ميدانياً يعد التقارير الصحفية المصورة لصحيفة “البلاد” التي كان قزاز صاحباً لامتيازها ورئيساً لتحريرها خلال فترات متقطعة، بالشراكة مع الشركة العربية للطبع والنشر، ثم أصبح- أي خياط- أول مدير لمكتب “البلاد” في الرياض بعد افتتاحه عام 1381 هـ، وثاني رئيس تحرير لصحيفة “عكاظ” بعد إعادة إصدارها من “مؤسسة عكاظ الصحفية” في 11 جمادى الثانية 1384 هـ، الموافق 17 أكتوبر 1964 م لمدة ست سنوات-، خلفاً لمحمود عارف- أول رئيس تحرير لها- والذي دامت رئاسته لتحريرها عاماً وثمانية أيام. ولمحمد عمر توفيق- مدير مكتب “البلاد” في مكة المكرمة بين عامي 1379 و1381 هـ- والذي أصبح وزيراً للحج والأوقاف والمواصلات مدة 14 عاماً- ثم لحسن قزاز الفضل في احتراف عبدالله خياط العمل الصحفي الميداني والمهني. ويقول خياط إنه كان يعمل كاتباً في شرطة مكة ويتعاون مع “البلاد” التي اجتذبه للعمل فيها الكاتب محمد عمر توفيق- الذي كان أحد أعمدة صحيفة “البلاد السعودية بين عامي 1365 و1375 هـ. وروى لي خياط أنه اكتشف سرقة كبرى في مستودع إحدى الشركات في جدة عام 1380 هـ وأجرى تحقيقاً استقصائياً عنها، ثم استشار عدداً ممن كان يعمل معه في جريدة “البلاد” في مسألة الإقدام على نشره، فحذروه من تبعات نشر التحقيق. فكان أن لجأ كحل أخير إلى رئيس التحرير حسن قزاز ليستشيره في أمر النشر. سُرَ قزاز بالتحقيق وأجاز نشره وقرر له مكافأة تعادل المكافأة الشهرية التي كان خياط يتقاضاها من الجريدة، وقدرها 400 ريال آنذاك. اللقاء مع قزاز زرت حسن قزاز في الموعد المحدد في مكتبه التابع لمصنع الطوب الأحمر، فقام من مقعد مكتبه هاشَّا باشَّا وجلس أمامي. وبعد سؤالي عن سير دراستي بدأ حديثه عن رسالة الصحافة وأخلاقيات المهنة... وبعد الانصات إلى ما كان يقوله بدأت أشعر بنوع من التَبَرُم؛ فوجدتني أقول له: هل من الممكن يا أستاذ حسن أن نتحدث عن مهنة الصحافة وأخلاقياتها لاحقا...؟ فتوقف برهة ثم ضحك، وقال: هيَّا.. هات ما عندك. سألته عن سبب اتجاهه للصحافة وهو الذي جرب العمل في التجارة، وذكرت له أنني سبق أن اطلعت في أحد أعداد صحيفة “البلاد السعودية” الصادر عام 1370 هـ- 1951 م- على إعلان ورد فيه أنه موزع لمنتجات شركة “جنرال الكتريك” في مكة المكرمة. فأجاب، هذا صحيح، بل وكان لدي محل في مكة بعد الحرب العالمية الثانية لبيع منتجات شركة باتا للأحذية بضع سنوات؛ لكن لم يحالفني الحظ في مجال التجارة، وحتى بعد تركي لرئاسة صحيفة “البلاد” التي كنت أحد صاحبي امتيازها ورئيس تحريرها افتتحت شركة للمقاولات ولم يحالفني الحظ، والآن الحمد لله الأمور ماشية في مصنع عرفات، وأنا الآن أبني بالطوب، ولا زلت مستمراً في البناء بالكلمة الهادفة. وقبل أن أطرح سؤالي الثاني واصل حديثه قائلاً: أما عن اتجاهي للصحافة فيعود الفضل فيه (بعد الله) إلى صديقي الكبير الأستاذ عبدالله عريف، رئيس تحرير “البلاد السعودية”، وكلانا من أبناء مكة المكرمة، فقد كان يعرف شغفي بكرة القدم وشجعني على الكتابة عن المباريات التي كانت تجرى فيها وأحياناً في جدة. وهكذا انطلقت في تلك الصحيفة عام 1372 أو 1373 هـ، ثم خصص لها عريف صفحة كاملة كل أسبوع كنت أجمع أخبارها وأحررها بالكامل، وأُعَرِّف في كل صفحة منها بأحد اللاعبين البارزين أو المواهب الواعدة... وبالإضافة إلى الرياضة كنت أكتب عن مواضيع اجتماعية حياتية تتعلق باحتياجات المواطنين..، ولدي ملف عنها يمكنك الاطلاع عليه. سألته بعد ذلك: كنتم تكتبون أنت وزملائك والمتعاونين معك في “عرفات” ثم “البلاد” وتنتقدون وتبدون الملاحظات حول أداء الجهات الحكومية ومؤسسات الدولة- البلديات، المطار، الميناء، الجمارك الخطوط السعودية، التعليم... وبعض الأنظمة الحكومية، فهل كان لتلك الكتابات نتيجة...؟ وهنا شعرت وكما لو أنه انتفض، وقال: كيف!! ونهض إلى دولاب أمام مكتبه وأخرج منه ثلاثة ملفات معاملات ضخمة ووضعها بيننا على الطاولة، وأخذ واحداً منها وفتحه، وقال لي: هيَّا شوف.. في هذا العدد كتبنا عن... وهذا ما تم بشأنه، ثم استعرض عدداً من المقالات وما لقيته من تجاوب وما نتج بسببها من إصلاحات، بالإضافة إلى مرفقات تتعلق بردود الأمانة العامة لمجلس الوزراء وكبار المسؤولين ومتوسطيهم والوزارات والمصالح الحكومية على ما كان ينشر في الصحيفتين. وهنا رن هاتف مكتبه فاستأذن في التغيب للحظات، وقال لي: يمكنك تصفح هذه الملفات ريثما أعود؛ وعاد بعد قرابة نصف ساعة لنستأنف حوارنا الذي دام أكثر من ثلاث ساعات، كانت من بين أجمل الأوقات التي حاورت فيها شخصية من الشخصيات التي التقيت بها ذلك العام. وتخلل الحوار حديثه عن المنافسة بينه وبين صاحبي صحيفة “الأضواء” الأسبوعية عبدالفتاح أبو مدين ومحمد سعيد باعشن، التي سبقت صحيفته “عرفات” في الصدور بستة أشهر، إذ صدر عددها الأول في 6 ذي القعدة 1376 هـ، الموافق 4 يونيو 1957 م- وهي أول صحيفة تصدر في جدة، بينما صدرت “عرفات” في 2 جمادى الثانية 1377 هـ، الموافق 23 ديسمبر 1957 م. وقال قزاز بأنه وصاحبي “الأضواء” كانا يحاولان معرفة ما سيتضمنه العدد القادم في صحيفة كل منهم، ليتمكن من معرفة إذا ما كان العدد سيتضمن سبقاً صحفياً أو خبراً مثيراً أو مقالاً سيثير جدلاً في المجتمع... إذ كانت “عرفات” تصدر يوم الاثنين بينما كانت “الأضواء” تصدر يوم الثلاثاء، وكلتاهما تصدران بالحجم- القطع النصفي- نفسه. وكانت وسيلتهم في ذلك التودد إلى العاملين في مطابع الأصفهاني، التي كانت تطبع فيها كلتا الصحيفتين، وتربط صاحبها محمد حسين الأصفهاني علاقة صداقة بهم جميعاً. وعند الانصراف قدم لي قزاز- رحمه الله- نسخة من كتابه “مشواري مع الكلمة”، الواقع في جزئين والذي صدر جزءه الأول عام 1403 هـ (1983 م)، والثاني في العام الذي يليه. بداية مع الرياضة لحسن قزاز اهتمام كبير برياضة كرة القدم يعود إلى خمسينيات القرن الهجرية الماضي- الثلاثينيات الميلادية- وقد كتب عن ذلك مقالاً عام 1380 هـ- 1960 م- بعنوان “قصة كرة القدم في المملكة العربية السعودية”، تضمن تفاصيل ثرية عن فرق أحياء مكة- حَوَارِيْها جمع حَارَة- ولاعبيها ومبارياتها والمشجعين والشخصيات العامة التي كانت تتبنى الفرق من الأهالي وما كان ينتج عن بعض المباريات من أعمال شغب وأحياناً مشاجرات بين بعض حارات مكة. غير أن إسهامه بالكتابة عن تلك المباريات في الصحافة المحلية بدأ قبل ذلك بسبعة أعوام، حينما بدأت صحيفة البلاد السعودية” تنشر له تغطيات لمباريات في مكة وجدة ابتداءً من العدد 1496، الصادر في 10 رجب 1373 هـ، الموافق 15 مارس 1954 م؛ يوقعها خلال العام الأول بحرفي “ح ق”، وإذا تضمن العدد نفسه موضوعاً آخر له عن الرياضة فيوقعه باسم ثانٍ وهو “رياضي؛ ولاحقاً- عام 1955 م- أصبح يوقع تعليقاته الرياضية باسم “أبو عبدالوهاب”. وابتداءً من رجب 1374 هـ، مارس 1955 بدأت الصحيفة في وضع شعار للمواضيع الرياضية التي يحررها قزاز، وينضم إليه عبدالغني قستي أحياناً، إذا اقتضى الأمر تغطية مباراتي كرة قدم تُجريان في يوم واحد في مكة المكرمة وجدة. وعدا تغطية تفاصيل المباريات كان قزاز يكتب أحياناً عن وضع كرة القدم والوعي الرياضي في المملكة، مثل ما ورد في مقاله “يلومونني في هوايتي لكرة القدم”، في العدد 1792، في 13 رجب 1374 هـ، الموافق 7 مارس 1955 م، و”الإدارة الفاشلة في الفرق الرياضية”، في العدد 1922، في 29 ذو الحجة 1374 هـ، الموافق 18 أغسطس 1955 م. بدأت “البلاد السعودية” بتشجيع من رئيس تحريرها عبدالله عريف في تخصيص صفحة كاملة للرياضة، يحررها حسن قزاز- ابتداءً من العدد 1931، في 10 محرم 1375 هـ، الموافق 29 أغسطس 1955 م، وأصبحت هذه الصفحة تصدر ابتداءً من الأسبوع التالي كل يوم أحد، بترويسة وإخراج متميزين. وقد يعود الاهتمام بهذه الصفحة المتخصصة إلى حماس عبدالله عريف- رئيس تحرير “البلاد السعودية” للرياضة التي كتب عن وضعها في المملكة عدداً من الافتتاحيات في الصحيفة. وعريف أصبح بعد استحداث الصفحة الرياضية في صحيفته بعشر سنوات رئيساً لنادي الوحدة في مكة المكرمة، في عام 1385 هـ، حينما كان أميناً لمكة المكرمة (العاصمة المقدسة)، وهو منصب عين فيه عام 1379 هـ، واستمر فيه حتى وفاته- رحمه الله- عام 1397 هـ. وبعد إقالة عريف من رئاسة الصحيفة في ربيع الثاني 1375 هـ، نوفمبر 1955 م، استمر حسن قزاز في الإشراف على الصفحة الرياضية وتحريرها حتى يوم الأحد 19 شعبان 1375 هـ، الموافق 1 أبريل 1956 م، أي لمدة سبعة أشهر. صدور “عرفات” صدرت صحيفة “عرفات” الأسبوعية- كما ورد سابقاً- في مدينة جدة في 2 جمادى الثانية 1377 هـ، الموافق 23 ديسمبر 1957 م، بحجم التابلويد- القطع النصفي- في 12 صفحة في المتوسط، واستمرت في الصدور حتى العدد 53، الصادر في 9 رجب 1378 هـ، الموافق 19 يناير 1959 م، أي قرابة ثلاثة عشر شهراً. وللتسلح بترسانة محترمة من الكتاب المتمرسين والواعدين من ذوي التجربة و التخصص، وليبني مصداقية للصحيفة لدى الحكومة والقراء، اتفق قزاز مع مجموعة من الشخصيات ليكونوا أعضاء في أسرة تحرير الصحيفة، وهم: 1- عبدالعزيز الرفاعي، وكان منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من الكتاب البارزين في الصحافة المحلية، وله زاوية دامت سنوات طويلة في “البلاد السعودية”، وكان وقت صدور الصحيفة من كبار موظفي الأمانة العامة لمجلس الوزراء، كما كان أول مدير عام لمؤسسة اليمامة الصحفية عند تأسيسها عام 1384 هـ، بالإضافة إلى عمله في مجلس الوزراء. وقد كان اسهامه في “عرفات” ثرياً من خلال كتابة زاوية بعنوان “يوميات قصيرة” تشغل في بعض الأعداد كامل الصفحة الأخيرة. 2- أحمد صلاح جمجوم، وكان حينها المدير العام لشركة الاسمنت العربية وأصبح في العام الثاني لصدور الصحيفة وزيراً عضواً في مجلس الوزراء عام 1378 هـ، ونشرت عرفات نص المرسوم الملكي بتعيينه وزيراً في العدد 49. ثم عين-لاحقاً- وزيراً للتجارة ثم رئيساً لشركة الخطوط السعودية ومديراً عاما لمؤسسة المدينة الصحفية عام 1384 هـ مدة أقل من العام الواحد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن شركة الاسمنت هذه كانت معلناً دائماً في الصحيفة. 3- أحمد زكي يماني- وزير البترول الأسبق ولسنوات طويلة. وهو خريج كلية الحقوق بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) عام 1952 م، وعين سكرتيراً لمستشار وزارة المالية للشئون الاقتصادية- حسبما ذكرت “البلاد السعودية” في 21 سبتمبر 1952 م- ثم ابتعث إلى أمريكا حيث حصل على دبلوم في القانون من جامعة نيو يورك ثم الماجستير في القانون الدولي من جامعة هارفرد عام 1955 م؛ وكان يعمل حين صدور الصحيفة مستشاراً قانونياً بمصلحة الزكاة والدخل بوزارة المالية والاقتصاد الوطني، حسبما ذكرت “عرفات” في العدد الثاني، في 9/6/1377 هـ، الموافق 30/12/1957 م، في تعريف له نشر مع أول مقال له في الصحيفة، بعنوان: “أحكام المحاكم.. مرآة الشعوب”. كتب يماني العديد من المقالات منها مجموعة بعنوان “نُظُمٌ ينقصها التنفيذ”. 4- محمد سعيد العوضي، درس في مدارس الفلاح وواصل دراستة الثانوية والجامعية في الجامعة الأمريكية في بيروت، وحصل على شهادة الدكتوراه من تلك الجامعة خلال تعاونه مع الصحيفة. وفي الوقت نفسه كانت “الأضواء”- الصحيفة المنافسة- تنشر له مقالات عن مشاكل الأقليات والقضايا العمالية. عمل فيما بعد في مجال المحاماة وتوفي في شهر صفر 1427 هـ، مارس 2006 م. 5- محمد عبدالقادر علاقي. درس الابتدائية والمتوسطة في جيزان والثانوية في جدة. وكان وقت بدء تعاونه مع الصحيفة قد حصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة القاهرة ويعمل مديراً للمدرسة النموذجية الثانوية في جدة؛ وانتخب رئيساً لتحرير صحيفة “المدينة” في شهر ذي الحجة 1384 هـ- مارس 1965 م- وبقي رئيساً لتحريرها مدة عام ثم انتقل لوزارة الخارجية حيث عمل في سفارات المملكة في سويسرا وغينيا وباريس- وكان من ضمن الدبلوماسيين الستة الذي أخذتهم منظمة أبي نضال الإرهابية رهائن وأفرج عنهم بعد وقت وجيز خلال هجومها على سفارة المملكة في سبتمبر 1973 م-، ثم عمل سفيرا للمملكة لدى كوريا الجنوبية بعد افتتاح المملكة سفارة لها في سيئول في العام التالي ثم سفيراً للمملكة لدى اليمن الجنوبي حتى يونيو 1978 م، تاريخ انقلاب عبدالفتاح إسماعيل على رفيقه سالم ربيع علي واستيلائه على الحكم. 6- وإضافة إلى هؤلاء ذكرت “عرفات” في العدد الأول أن شكيب الأموي من ضمن أعضاء أسرة التحرير. وكان حين صدور الصحيفة موظفاً في مكتب الشئون العامة لشركة أرامكو في جدة ورئيساً لتحرير مجلة “قافلة الزيت” منذ رمضان 1374 هـ، الموافق لشهر مايو 1955 م. وهو كاتب سعودي من أصل فلسطيني كان مراسلاً لوزارة الدفاع خلال مرافقته الجيش السعودي المشارك في حرب فلسطين عام 1948 م، وقد نشرت له صحيفة “البلاد السعودية” عام 1948 عدة مقالات عن سير الحرب وبعد انتهائها ذكرت فيها أنه “رافق الحملة السعودية في فلسطين”. ثم قدم إلى المملكة في العام التالي وعمل في وزارة الدفاع مع الأمير منصور ثم الأمير مشعل- رحمهما الله- ثم انتقل للعمل في أرامكو عام 1952 م. ويبدو أن علاقة قزاز مع شكيب الأموي قد أثرت على تناول “عرفات” لأخبار شركة أرامكو وجعلتها تتعامل معها بشكل محايد، بعكس صحيفة “الأضواء” التي كانت تشن حملة متواصلة آنذاك ضد هذه الشركة. وفي العدد 47، الصادر في 27/5/1378 هـ، الموافق 8/12/1958 م، انضم إلى أسرة تحرير “عرفات” كل من عبدالوهاب إبراهيم آشي- عميد الصحفيين السعوديين- إن جاز التعبير- وأول رئيس تحرير لصحيفة “صوت الحجاز” التي صدرت عام 1351 هـ- 1932 م-، وعزيز ضياء الكاتب والصحفي المعروف. أما عن مهام أسرة التحرير، فقد كتب قزاز عنها في العدد الثاني: “فالأستاذ الرفاعي مثلاً التزم كتابة باب (يوميات قصيرة).. كما التزم كل من الأستاذ محمد العلاقي والأستاذ محمد سعيد العوضي تحضير أبوابهما الأخرى العديدة. فالأول قد التزم (مجتمع الطلبة) و(ماذا في الحقيبة؟) وتحضير المواد الإخبارية الخارجية الأسبوعية.. والثاني التزم الباب العلمي وبعض مواضيع مهمة سيعرفها القراء فيما بعد.. وقد أختار لبابه عنوان (في آفاق المعرفة الإنسانية).. وفي الاجتماع الثاني حدد الأستاذ محمد صلاح جمجوم باباً ثابتاً نصف شهري اسمه (اقتصادياتنا) كما قرر الأستاذ أحمد زكي يماني الالتزام بالمواضيع القانونية وقضايا المجتمع”. والواقع أن كل هؤلاء قد التزموا بما وعدوا به، وانضم إليهم ابتداءً من العدد السابع صالح باوزير، وكان موظفاً في وزارة المعارف وأصبح ثاني مندوب دائم للمملكة لدى اليونسكو عام 1978 م. قزاز يعاتب الأمير فيصل بن عبدالعزيز!! منذ صدور صحيفته، حاول حسن قزاز الحصول على حديث صحفي من الأمير فيصل بن عبدالعزيز- ولي العهد رئيس الوزراء- وكان يتولى حقيبتي وزارة الخارجية والمالية أيضاً خلال الأزمة المالية التي مرت بها المملكة بين عامي 1377 و1379 هـ- ولكن دون جدوى. واختار قزاز مناسبة عودة الأمير فيصل من رحلة علاجية لينشر في صدر العدد 33، في 17 صفر 1378 هـ، الموافق 1 سبتمبر 1958 م، نداءً بعنوان “إنه مجرد عتاب يا صاحب السمو”، ذكر فيه أنه حاول مراراً- مثلما حاول صحفيون سعوديون آخرون- الحصول على حيث صحفي منه، ولكن دون جدوى. ثم قال: “... هل ترضى أن ننقل ما تقوله للصحفيين- في الخارج- على صفحات صحفنا، بعد أن يقرأه كل الناس- حتى في بلادنا-.. هل ترضى أن تحرمنا مما يتمتع به الآخرون- طبعاً من الصحف والصحفيين.. إننا إذ نعاتبك معاتبة أبناء أبرار لك نعرف سلفاً أنك بارٌ بنا. ونطالبك بحق لنا، نأمل بل ونتمنى أن تفي به.. لأننا أحق وأولى به من الغير خاصة وأن الشعب يطالبنا بإبراز ما يرجوه ويرنو إليه. وبعد: فإن في يقيننا أنك تعطي الحق من نفسك.. كما تحب أن تأخذه. وفي الانتظار تفضلوا بقبول أسمى إخلاص وتمنيات. ابنك المطيع...”. وبالفعل، فتح قزاز الباب لنفسه ولعدد من زملائه الصحفيين- فيما بعد- في الحصول على أحاديث صحفية مع الأمير فيصل. بل ومهد ذلك إلى دعوة الأمير فيصل لرؤساء تحرير الصحف المحلية للقاء بهم ومناقشة ما يرغبون في طرحه من أسئلة؛ في الطائف في المرة الأولى مساء الخميس 9 ربيع الثاني 1378 هـ، الموافق 23 أكتوبر 1958 م، ثم في الرياض بعد مناقشة مجلس الوزراء ميزانية عام 1379/1380 هـ. وحظي قزاز لوحده بمقابلة صحفية مطولة مع الأمير فيصل، نشر نصها في العدد 51، في 24/6/1378 هـ، الموافق 5/1/1959 م، شملت إجابات على أسئلة محددة ومباشرة وصريحة عن أمور البلاد المالية والسياسة الاقتصادية والتعليم وأرامكو والسياسة الخارجية ... وتمت المقابلة التي أجراها قزاز مع الأمير فيصل على مدى يومين، تخللها أوقات توقف تطلبتها مهام سموه الرسمية. ولحسن الحظ أن ذكاء حسن قزاز جعله ينشر تفاصيل عن الكيفية التي أجريت خلالها المقابلة، ومنها هذه الفقرات: “... وعندما رجوت سموه الكريم يوم الثلاثاء الفائت 11/6/1378 هـ في مسكنه الأنيق المتواضع بالرياض بأن يدلي لعرفات بحديث صحفي خاص أبدى موافقته الكريمة على اعطائي فرصة غير محددة الزمن للقيام بالحديث الصحفي المطلوب. وفي اليوم الثاني صباح يوم الأربعاء ذهبت إلى مقر مجلس الوزراء.. وهناك علمت أن سموه الكريم يرأس جلسة لمجلس الوزراء.. وأنه لا يفرغ منها إلا عند الظهر...حيث يؤدي الصلاة في المسجد الملحق بالمجلس... ثم يستأنف نشاطه عصراً في مكتبه الخاص بديوان مجلس الوزراء في قصر الحمراء. وكان عليّ أن أكون هناك قبل موعد قدومه بربع ساعة على الأقل. وقد كان.. فتقدمت إلى سموه في بهو الديوان لأسلم عليه.. فلما لمحني التفت إلى من بجواره وقال: هؤلاء الصحفيين لا يمكن أن نهرب منهم. ثم سألني لماذا لم أحضر صباحاً.. فأخبرته بأن انعقاد مجلس الوزراء كان سبباً في أني لم أتمكن من المثول بين يديكم. ومشيت خلفه حتى دخلنا إلى المكتب الخاص...” وبعد أن يصف طريقة الأمير فيصل في استعراض المعاملات في مكتبه بحضور وزير الصحة رشاد فرعون...، يتابع: “... ثم أشار لي بالاقتراب من مكتبه فأحسست بالرهبة، ولكنها تلاشت عندما أمرني بإحضار أحد الكراسي للجلوس في مواجهته. وبدأت أخرج أوراقي وأوراق أخرى بيضاء. وحضر الحديث- المقابلة الصحفية- سمو الأمير سلطان وزير المواصلات والشيخ عبدالله بالخير...”. كان قزاز يتوقع ان يجيب الأمير فيصل على أسئلته بشكل سريع، بسبب مشاغله، ولكنه- أي الأمير فيصل- كان يتمهل في الإجابة؛ الأمر الذي أتاح لقزاز فرصة التفكير في التعقيب على الإجابات. ولذلك فهو يقول: “وجدت جواً رائعاً لتقبل كل ما أبديه من ملاحظات على كل جواب تلقيته لأسئلتي، الأمر الذي جعلني أشعر بالراحة الذهنية في النتائج التي سأحصل عليها. وفرغت من القاء الثمانية الأسئلة الأولى وتلقيت الرد عليها.. في إسهاب ووضوح”. وخلال اللقاء دخل في مكتب الأمير فيصل بعض العلماء والمشايخ بموعد مسبق، ويتابع قزاز: “فرأيت من اللياقة أن أنسحب في الغرفة المجاورة... ولكن حان وقت صلاة المغرب. فتفضل سموه الكريم عند ذهابه للصلاة أن يبلغني تأجيل إتمام الحديث إلى اليوم التالي. وحضرت يوم الخميس ولكن انشغال سموه الكريم باجتماعات خطيرة سريعة لم يمكنني من إتمام الحديث المنتظر. وانتظرت حتى يوم السبت وكذلك يوم الأحد حيث التقيت بسموه عند وصوله وسألني: متى سنتم الحديث؟ قلت: عندما تسنح فرصة مناسبة لسموكم.. فإنني لا أود أن أزعجكم بالنسبة لمشاغلكم.. فابتسم في رقة وقال: إذا أردت أن تنتظر حتى تجد فراغاً عندي فإنك ستنتظر طويلاً، ثم أردف: ولكن تعال غداً إن شاء الله... وبَرَّ بوعده- حفظه الله- واستدعيت للمثول بين يدي سمو الأمير فيصل.. واستأذنت سموه الكريم في إعادة قراءة الأسئلة الأولى والإجابات التي تفضل بها فأذن لي بذلك وكنت أقصد من هذا تهيئة الجو المريح لاستمرار الحديث الرائع. وابتدأت بعد ذلك في إلقاء الأسئلة الأخرى وكنت استمع الى الرد أولاً ثم أعود فأكتبه.. ثم أقرأه عليه مرة أخرى.. وفرغت من الحديث.. ثم أخذ يحدثني عن واجباتنا الصحفية مستقبلاً وشعرت بحصافة عجيبة يتمتع بها سموه... وبعد: فإن هذا الحديث الذي ظفرت به عرفات لأول مرة في تاريخ الصحافة المحلية يلقي كثيراً من النور على كثير من الأمور التي يتحدث عنها الرأي العام... وإني أترك للقراء أن يعيشوا في فرصة فريدة مع حضرة صاحب السمو الملكي فيصل ولي العهد المعظم ورئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية ووزير المالية والاقتصاد الوطني، مع هذا الرجل الفولاذي العجيب”. بقيت قصة توقف صحيفة “عرفات” بعد صدور عددين أعقبا العدد الذي نشرت فيه المقابلة- أو السبق الصحفي الكبير- مع الأمير فيصل، ودمجها في رجب 1378 هـ- يناير 1959 م- مع صحيفة “البلاد السعودية” في صحيفة جديدة أطلق عليها اسم “البلاد”، كان حسن قزاز شريكاً في امتياز صدورها وأول رئيس لتحريرها، وأدع الحديث عنها للعدد التالي.