هذا الكتاب أكثر من سيرة ذاتية؛ فقد اختار الكاتب طه بن أحمد ياسين الخياري مما مر به من أحداث ما كان له في نفسه أثر، وعلى هذا النحو روى سيرة مجتمع، وعرض كتابه على بعض معاصريه من أقرانه ليستعين بملاحظاتهم. وهو يفسر ما قصده بالزمن الجميل - رغم ما مر به من صعوبات - بأنه القناعة والرضا، وهما ما يفتقر إليه كثير من أهل هذا الزمان، ولعل كثيراً من الناس يظنون أن ما مضى من العمر كان جميلاً لأن غموضه قد انجلى، بينما يبقى المستقبل مجهولاً يثير في النفس بعضاً من الحذر. ولد صاحبنا في المدينة المنورة عام 1371هـ، وهو أصغر إخوته الذكور السبعة. كان والده وجده من علماء المدينة المنورة؛ إذ كان جده شيخ القراء بالمسجد النبوي، بينما كان والده نائب شيخ القراء، إضافة إلى أنه كان شاعراً وأديباً وفلكياً، ومجالسه يؤمها علماء من أرجاء العالم الإسلامي كافة. وقد تطور مجلس القراءات الذي يقيمه الوالد في بيته ليصبح أول مدرسة لتحفيظ القرآن في تاريخ وزارة المعارف السعودية، ولا تزال موجودة باسم مدرسة أبيّ بن كعب. يقع البيت في حارة “الشونة”، وهو بيت من ثلاثة طوابق، وسطه مفتوح إلى سطح البيت للتهوية كما هو طراز بيوت تلك الفترة، ويقع في زقاق اسمه “عانقني”، والاسم مشتق من ضيق الزقاق حيث لا يمكن لشخصين أن يمرا معاً. ورغم ذلك فإن باب مدرسة دار الشفاء يفتح في زقاق عانقني، كما أنه ممر لبيوت كثيرة تسكنها عائلات من أرجاء العالم الإسلامي كافة. وهنا يجد القارئ تعريفات بكل من يذكر اسمه من سكان الحي وغيرهم. ومن الحارة إلى المجتمع المدني، يذكر الكاتب أن المدينة كانت تحتوي 124 مكتبة موقوفة على المدارس والأربطة والتكايا والزوايا، وقد جمعت في مكتبة عامة فيما بعد. يقول الكاتب إنه لا يعتقد أن علماء الحرم ورجال التربية والتعليم حظوا من الاحترام والتقدير الإجمالي في التاريخ بعد جيل الصحابة والتابعين بما حظوا به في القرن الرابع عشر الهجري، ويذكر عدداً كبيراً منهم مع التعريف بهم، فإذا بنا أمام عدد كبير من مشاهير العلماء. وروي أن الشيخ ابن باز رحمه الله حضر مرةً حفل تخريج طلبة مدرسة العلوم الشرعية، وافتتح الحفل بآيات من القرآن قرأها طالب وفق تلاوة ورش (وهي تلاوة مشهورة في المغرب)، فتحفظ الشيخ على ذلك وكان مديراً للجامعة الإسلامية، ولكن العلماء الحاضرين عرضوا فهمهم للقراءات السبع للقرآن الكريم ومبرراتها، فوعد الشيخ بأن يدرس ما ذكره العلماء، وعندما اقتنع به أسس “كلية القرآن الكريم والدراسات الإسلامية”. يروي الكاتب أحداثاً مثيرة عن حارتهم التي غادروها بعد حادثة حريق بسبب موقد الكيروسين توفيت والدتهم على إثرها؛ فما استطاع الباقون من الأسرة البقاء في البيت بعدها، لأنه يؤجج فيهم الذكريات الحزينة، ثم حدث حريق كبير في سوق القماش المجاور للحارة، فاحترق السوق واحترقت الحارة وأصبحت قاعاً صفصفاً. والحديث عن الحرائق جعل الكاتب ينشئ فصلاً عن تاريخ الكهرباء في السعودية، ذكر فيه أن المسجد النبوي كان يضاء بالكهرباء منذ عام 1907م بمولد طاقة يعمل بالفحم وآخر يعمل بالكيروسين، وأما الحرم المكي فقد جرت إضاءته بالكهرباء عام 1918م. ثم عرض الكاتب تاريخ دخول الهاتف وتطوراته، ثم الإذاعة والتلفزيون والإنترنت، وكذلك مدارس البنات وجامعة الرياض، وكلها موضوعات شيقة. يفصل الكاتب كثيراً عن ذكريات طفولته في البيت والمدرسة، وطرق العقاب التي تتضمن الضرب بأشكاله المختلفة، ورغم حماسة الكاتب لها فإنني لا أتفق مع كثير مما يراه منها أسلوباً حسناً في التربية مثل الفلكة والصفع على الوجه. كما يروي حكاية عن القضاء تدل على سعة حيلة القاضي، والحكاية تخص ناظر التكية المصرية الذي كان يستدين من تجار المدينة لتأمين حاجة العائلات الفقيرة حين تتأخر الأموال القادمة من مصر، وحدث أن تأخرت الأموال طويلاً، فاضطر الناظر للسفر ليحضرها بنفسه، وضمنه والد الكاتب لدى تجار المدينة. تأخر الناظر فاشتكى التجار للشرطة التي استدعت الضامن، فعلم القاضي ووجه الضامن للقول إنما دين التجار على التكية، والتكية تمثل دولة خارجية، ولذا فعلى المحكمة أن تطلب من الخارجية السعودية مخاطبة الخارجية المصرية بهذا الشأن، وهكذا تحول الدين إلى قضية بين الدولتين. ولا شك هنا أن القارئ قد استحسن هذه الحيلة، ولكن: أما كان للعدالة أن تضيع وتضر بالتجار لو تعثرت المباحثات بين الدولتين وتأخر مال التجار أو لم يعد إليهم؟ هل كانت المسألة عادلة؟ ثانياً: لو أن القاضي لم يكن على معرفة بالضامن وقيمته في المجتمع، هل كان هذا المخرج ممكناً؟ إن للعدالة وجوهاً عديدة. تيتم الكاتب صغيراً في سن العاشرة، فكفل العائلة الأخ الأكبر رغم ضيق ذات اليد، وقد فضل إخوته على زوجته وبناته، وحرص على شغل أوقاتهم بما يفيد من رياضة ونزهة، وعلمهم مهنته في الحفر على الخشب، فتحول البيت إلى ورشة تنتج لوحات فنية محفوراً عليها آيات من القرآن، وساعد ذلك على تحسين دخلهم. وعندما أصبح الأخ الأكبر أميناً للمكتبة العامة ساعده إخوته في جمع محتويات المكتبات الوقفية في المدينة وفهرستها وإصلاح كتبها وضمها إلى كتب المكتبة العامة. كما عمل الكاتب في تحضير مواد العطارة لأحد جيرانهم من التجار، وعمل بائعاً في مكتبة يملكها أخوه؛ وكل هذه التجارب تكسب الإنسان فقهاً في الحياة. وفي المدرسة الثانوية لم ينجح في السنة الأولى ورفض المحاولة مرة أخرى، خاصة وقد وجد فرصة للالتحاق بـ “البرنامج الإعدادي للنقل الجوي”، وعليه فقد انتقل إلى مدينة جدة. الدراسة في الخطوط السعودية تجمع بين الدراسة الكلاسيكية والرحلات إلى الأماكن التي لها علاقة بالعمل مثل أرامكو والخطوط الجوية البريطانية، وقد حافظ على التفوق رغم أنه أصيب بكسر في عظم الساق، عولج مرتين لدى مجبرين شعبيين، ولذا فقد لزم الفراش فترة طويلة، ثم اضطر لاستعمال العكاز، ولكنه اجتاز الدراسة بنجاح وابتعث إلى أمريكا. وهنا يروي القصة الحزينة لزميله علي الذي تزوج وسافر في اليوم التالي لزواجه إلى أمريكا، وكان يقضي الليل في كتابة الرسائل الغرامية لزوجته وسماع أم كلثوم، ثم قتل في مشادة على أيدي أفراد إحدى العصابات. في الإجازة الأولى التي عاد طه فيها إلى السعودية كلف بزيارة المطارات الداخلية كافة وحصر المعدات الأرضية وحالتها، فقدم تقريراً وافياً. وفي السنة الثانية للابتعاث سكن مع أسرة أمريكية اصطحبته في زيارة للكنيسة، وعندها لاحظ القس عدم ارتياحه للأجواء، فدعي لتقديم عرض عن الإسلام، وفي تقديمه رفض فكرة أن يقتل المسيح ليفدي البشر المذنبين، وتساءل معترضاً: كيف يقوم أحد المذنبين بفاحشة حقيرة كالزنا بحليلة جاره، ثم يجد أحداً ذا خلق كريم يفتديه ويتحمل عنه ذنوبه؟! كان كلامه مؤثراً. ويوم عاد لزيارة أمريكا بعد سنوات من انتهاء بعثته ذهب لزيارة هذه العائلة فبالغت في إكرامه، وتبين له أن الزوجة والكاتب كانا يعرفان بخيانة الزوج؛ إذ هددت الزوجة بالخيانة الزوجية مقابل خيانة زوجها، فراقبها الزوج ظنّاً أنها تخونه مع هذا الطالب السعودي، وتبينت براءة طه، خاصة بعد المثل الذي ضربه في الدفاع عن الإسلام في الكنيسة، وانتهت الحكاية على خير. يروي حكايته مع أحد أساتذة مادة القانون الأمريكي؛ فقد كان أستاذاً صعباً، وفي إحدى حلقات النقاش سأل الأستاذ طلبته: “إذا كنت طبيب ولادة وحدث ما يجعلك تقرر إما أن تعيش الأم ويموت الجنين أو أن يعيش الجنين وتموت الأم؟”، وكان رأي الطلبة جميعهم التضحية بالأم، بينما رأى صاحبنا التضحية بالجنين لصالح الأم، واستمرت المناظرة، وكان صاحبنا الوحيد الذي حصل على درجة (A). وفي الجامعة لعب في فريق كرة القدم، ومارس لعبة كرة القدم الأمريكية، كما استضافته إذاعة “صوت أمريكا” في لقاء أسهب فيه في انتقاد التفكك الأسري في أمريكا، فلم تذع المقابلة، وتخرج في الجامعة بتفوق. عاد إلى جدة ليعمل بالخطوط السعودية، وشارك في تطوير كوادرها حتى استغنت عن الشركة الأمريكية الداعمة (TWA)، كما رفع بعض الملاحظات عن نظام التأمينات الاجتماعية، فاستدعي بعدها ليشرح وجهة نظره في مجلس الخبراء التابع لمجلس الوزراء، كذلك رفع عبر جريدة “عكاظ” للملك فيصل شكوى من عدم حصول موظفي الخطوط السعوديين على سكن أسوة بالموظفين الذين يوظفون من الخارج، فتعدل النظام ليتيح للقادمين من خارج جدة المزايا الإسكانية نفسها للموظفين المتعاقدين من خارج المملكة، ثم استقال بعد صراع مكتوم مع فكر الحرس القديم. انتقل بعدها ليكون أحد القياديين في إحدى الشركات الرائدة، تعرف من خلالها إلى قياديين من فنلندا والدنمارك والسويد، وكان مرضياً عنه جداً من أصحاب الشركة، إلا أنه استقال عندما وجد أنه أعطى كل ما لديه، وعمل بعدها لفترة قصيرة مع أحد أصدقائه لكنه لم يستمر اعتراضاً على طريقة تعامل صديقه مع الموظفين. ثم كانت النقلة الكبرى بأن عمل شريكاً بجهده مع صاحب رأس مال لإنشاء شركة “أركوم” للحاسب الآلي، وهذه النقلات بتفاصيلها المكتوبة تفيد كثيراً مَنْ يطمح إلى النجاح في عالم الأعمال. ومن خلال شركة “أركوم” تمكن من تطوير العمل في وكالة الأنباء السعودية، وعلى إثر ذلك قررت وزارة الإعلام إسناد تحويلها لتصبح وزارة إلكترونية إلى “أركوم”، وبعدها قامت الشركة بعمل التجهيزات الإلكترونية كافة للإشراف على الانتخابات البلدية، وكانت مهمةً ضخمةً نجحت فيها الشركة بعد مجهود خارق من جهازها الفني. أدى ذلك إلى إصابته بانزلاق غضروفي في الفقرات القطنية، أصاب أكثر من فقرة في الوقت نفسه، فراجع أكثر من مستشفى منها المستشفى التخصصي، وقيل له إنه يحتاج إلى عملية لا يمكن إلا لاثنين أو ثلاثة في العالم إجراؤها، وهم خارج البلاد، ولكن جراحاً في مستشفى الشميسي استعد لإجراء العملية، وقال إنها لن تكون صعبة وإنه قد أجرى عشراتٍ مثلها لضحايا الحوادث، وقد كان، وأنجزت العملية على أكمل وجه، ولكن صاحبنا اضطر إلى عدم ممارسة العمل حوالي ستة أشهر استثمر خلالها وقته في القراءات الفقهية والدينية. بعدها يأخذنا الكاتب معه في رحلاته السياحية، بدءاً من سواحل البحر الأحمر في منطقتي ضباء ومقنا الواقعتين شمال غرب السعودية، يتحدث عن إمكانياتها السياحية الهائلة وآفاق الاستثمار فيها، وننتقل بعدها إلى مصر حيث الأقصر ومعبد أبو سمبل ثم أسوان، ثم إلى سيناء ودير سانت كاترين، ويتوسع في الحديث عن بناء الأهرامات، وعن جسد الفرعون الذي غرق بعد ملاحقته موسى عليه السلام وبني إسرائيل؛ إذ احتار العلماء في تفسير بقاء جسده، وقد جرى فحص المومياء في باريس بإيعاز من الرئيس ميتران، وأكد ذلك حفظ الجسد بإرادة إلهية كما ذكر في القرآن الكريم: «فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية». ثم يصحبنا في رحلته إلى صلالة في سلطنة عُمان، ونستغرب معه أنه رغم أن سواحل مضيق هرمز تتبع عُمان، ولكن إن أردت دخول عُمان عن طريق المضيق فيجب أن تمر في الذهاب والعودة بدولة الإمارات، ويعلق بأن هذه من الفخاخ التي تركها البريطانيون خلفهم. كذلك نزور معه المعارض العالمية السنوية لتقنية الإنترنت في دبي وهانوفر في ألمانيا، ومعرض لاس فيغاس في أمريكا، ومعرض تايبيه في تايوان. كما يخصص فصلاً طويلاً لعرض بعض الأحداث المهمة التي أثّرت في جيله، مثل نكسة عام 1967م، ثم حرب أكتوبر 1973م، وحرب الخليج الأولى والثانية وأضرارها التي دفعت شعوب الخليج والشعوب العربية ثمناً كبيراً لها، ثم ضرب مركز التجارة العالمي الذي تلته حرب أمريكية على أفغانستان ثم على العراق، ويتبنى التحليل الذي يقول إن ما سمّي بـ “غزوة مانهاتن” كان من تدبير الموساد الإسرائيلي، كما يقدم تفسيراً لما حصل من اتهام للجمعيات الخيرية في السعودية بدورها المزعوم في دعم الإرهاب فيقول: إن مجلس الكنائس الذي فشل في جهوده لتنصير قارة إفريقيا وجد أن أحد أسباب فشله كان بسبب نشاط الجمعيات الخيرية السعودية في إفريقيا. كتاب سيرة لطيف، كما أنه تثقيف سياحي وإنساني.