مؤلمٌ أن أحاول الكتابة عن أمي، فأجد أن شعور الفقد أكبر من الكلمات، وأن القلم، مهما أوتي من قدرة، يعجز عن حمل ما في القلب. منذ رحيلها وأنا كلما أمسكت القلم لأكتب، بدأ شريط حياتي معها يمر أمامي؛ صورة هنا، وموقف هناك، وصوت يناديني: «يا وليدي»… ثم يسقط القلم من يدي، وأغوص في دوامة من حزن لا نهاية لها. هل أبدأ من رحلاتها العلاجية التي رافقتها فيها خطوة بخطوة؟ أم أعود إلى طفولتي، إلى الأيام التي كانت فيها تختصر لي الدنيا كلها؟ كل الذكريات قابلة للكتابة، وكل محطة من حياتها معي تستحق أن أتوقف عندها طويلاً، لكن أين الفكر الذي يستطيع أن يرتبها؟ وأين القلب الذي يستطيع أن يرويها دون أن ينكسر؟ فلا تلوموا ضعفي إن جاءت هذه الكلمات مبعثرة، ولا تلوموا دمعةً سبقت جملة، أو ذكرى قطعت عليّ حديثي. هذه ليست قصة مرتبة كما تُكتب القصص، وإنما ذكريات تتوافد على فكري منذ أن رحلت أمي، أحاول جمعها، وكلما جمعتها عجزت عن ترتيبها؛ لأنني لا أكتب عن شخصية عابرة في حياتي، بل أكتب عن امرأة كانت جزءاً من حياتي… وربما كانت حياتي كلها. حافظت عليّ صغيراً، حتى عن أبسط الأشياء، وربتني كما كانت تريد أن تراني؛ كانت تتمنى أن أكون الأفضل، لكنها حين كبرت، ورأت أن الحياة لا تمنح الإنسان كل ما يريد، رضيت بما كتب الله لنا، وعلمتني أن القناعة ليست استسلاماً، وإنما إيمان بما قسم الله. لم تكن تتخذ معي في صغري أسلوب الضرب بالعصا أو بغيرها، ومع ذلك كنت أحياناً أتمنى لو أنها ضربتني؛ لا لأنها كانت تقسو عليّ، بل لأنني كنت أرى في شدتها آنذاك خوف الأم التي تريد أن تصنع من ابنها رجلاً، وما أقسى الكلمات التي ترميها علي، ولا أستطيع معها إلا أن أغرق في التفكير في المستقبل على العكس من العصا التي تغرقني بالدموع ثم النوم. وحين التحقت بالصف الرابع الابتدائي، حرصت على أن أحافظ على الصلاة، فكلفت شقيقتيَّ منيرة ونوارة بمتابعتي، فلم تتركا جهداً حتى رأيت نفسي محافظاً عليها، صادقاً مع نفسي قبل أن أكون صادقاً معهما. في كل صباحٍ يمرّ، لم أكن أستيقظ إلا على رائحة الخبز الذي كانت تُعدّه لنا بيديها، بعد أن تؤدي صلاة الفجر. كانت رائحة الخبز تتسلّل إلى غرفتنا بهدوء، فتوقظ فينا شيئًا من الدفء قبل أن توقظ أجسادنا من النوم. كانت الشمس تشرق على رائحة إفطارها، فنلتف حوله كما تلتف العصافير حول رزقها، نتشارك معها ومع العصافير حصتنا من الطعام، دون أن ندرك يومها أن تلك اللحظات الصغيرة كانت تصنع أجمل ذكريات العمر. لم نكن نعرف أن للخبز رائحةً تشبه الأمان، وأن لصوت الأواني في الصباح موسيقى، وحكايةً ستبقى عالقة في الذاكرة إلى الأبد. واليوم، كلما مرّ صباحٌ ولم تأتِ رائحة خبزها، أدركت أن بعض الصباحات لا تُشرق بالشمس وحدها… بل بأشخاصٍ كانوا هم شمس حياتنا. وأمي كانت شمس كل صباح. كبرت وكبرت معي آمالها وأحلامها، كانت تحكي لي القصص الشعبية، وتزجي إليّ بعض الأشعار، ثم تأخذني لما تيسر من قصص وقصائد والدي ومغامراته في الحياة، وتفتح لي نوافذ على عالم لم أكن أعرفه. وكانت توصيني بكلمات لا تزال تسكنني حتى اليوم: «يا وليدي، مالي غيرك، إن تسنعت رفعت راسي، وإن ما تسنعت قيل: ليتها ما ولدت». لم تكن تلك الكلمات مجرد وصية أم لابنها، كانت حملاً وضعته على كتفي، ورايةً أرادت مني ألا أسقطها. وكلما انتقلت من مرحلة دراسية إلى أخرى، أعادت عليّ قصة قديمة لم تنسها هي، ولم أنسها أنا. كانت تقول لي إنّها نذرت نذراً وأنا صغير، فإذا التحقت بوظيفة، فإن راتبي الأول ستوزعه على الأقارب جميعاً. كبرت، وتغيرت الأيام، وبقيت هي تحمل تلك الأمنية الصغيرة في قلبها، حتى حققتها مع أول راتب أستلمه. وفي إحدى محطات الحياة، اخترت أن تصنع لي مستقبلي، فأخبرتها أن تختار هي زوجتي، واختارت لي الزوجة الصالحة الناصحة، وكأنها لم تكن تريد لي زوجة فحسب، بل كانت تريد أن تضع إلى جواري إنسانة تحملني حين تثقل بي الحياة. ثم جاء ذلك اليوم الذي مرض فيه والدي، واضطررنا إلى تنويمه في المستشفى. كان يومًا ثقيلاً علينا جميعًا، لكن والدتي كانت أكثرنا حرصًا عليه، وكأن مرضه أيقظ في قلبها خوفًا لا تهدّئه الكلمات، فلم تكن ترضى أن يرافقه أحد غيري، وكانت تقول لي بإصرار: «هو يرتاح لك، ويطمئن إلى وجودك، فلا تغب عنه. لا تدع أحدًا يسبقك إلى البرّ به». حتى عندما كان أحد أبناء إخوتي يرافقه أحيانًا، كانت تتابع الأمر، وكأنها تخشى أن يفوتني شيء من حق والدي عليّ. كانت ترى أن وجودي إلى جواره ليس مجرد مرافقة مريض، بل باب من أبواب البر لا ينبغي أن أضيّعه. ولم أكن أدرك يومها أن تلك الكلمات ستبقى عالقة في ذاكرتي إلى الأبد… وأن والدتي، التي كانت تحثني على البر بوالدي، كانت تكتب لي دون أن أشعر آخر فصول درسٍ عظيم في البر، سأحتاج إليه يومًا حين أفقدها هي. وكم كنت أتمنى لو أنني أدركت حينها أن بعض الوصايا لا تُقال عبثًا، وأن وراء إصرار الأمهات أسرارًا لا نعرف معناها إلا بعد فوات الأوان…كانت أمي تحمل في قلبها أمراً لم تحدثني عنه طويلاً، حتى رأت أن الوقت قد حان لتخبرني. قالت لي: «يا وليدي، الوشم اللي بوجهي، والله ما كان ودي أحطه، مير أجبروني به؛ لأنهم يرون أنه زينة البنات. وودي تشوف له حل يا وليدي، ما ودي أموت وأقابل ربي وهو بوجهي». كانت كلماتها بسيطة، لكنها وقعت في قلبي موقعاً لا أنساه. بحثت لها عن حل، حتى قادني الله إلى الدكتور مفضي العنزي، طبيب الجلدية في مستشفى القريات العام. شرحت له رغبتها، فبادرها ممازحاً: «يا أمي، هذا زينة للنساء، ليه تبين تزيلينه؟» فأجابته: «الوشم حرام وما ودي أقابل ربي وهو بوجهي». ابتسم الدكتور، ثم بدأ بإزالته بالليزر، حتى انتهى منه نهائياً. وبكل صدق: لقد أصبح وجه أمي أجمل مما كانت، حتى في آخر لحظاتها، وقبل أن تُسلّم إلى المغسلة، كان وجهها أكثر صفاءً وضياء، وكأنها كانت تستعد للقاء ربها كما أرادت. رافقتها في رحلاتها العلاجية وبقينا في الرياض ما يقارب الثلاثة أشهر وهي منومة في مدينة الملك فهد الطبية كنت أراها تتألم، فيبكي قلبي قبل عيني، وأحاول أن أخفي عنها خوفي، حتى لا يزيد ألمها ألماً. وفي أحد الأيام سألتها: «يمه كيف حالك؟ وشلونك؟» فقالت: «ما دامك وأخواتك بخير، أنا بخير». أي أم هذه التي يكون ألمها صغيراً أمام سلامة أبنائها؟ كانت هي المريضة، لكنها كانت تطمئنني. كانت هي المتعبة، لكنها كانت تسأل عنّا. كانت هي التي تحتاج إلى من يمسك بيدها، لكنها ظلت طوال حياتها تمسك بأيدينا. آه يا أمي… كم مرةٍ في حياتي احتجت إليكِ ولم أعرف قيمة ذلك الاحتياج إلا الآن! كنت كلما وصلني خبر وفاة عزيز، كنت أركض إليها. حين توفيت خالتي (رصيفة)، ذهبت إليها. وحين توفي أخي ركاد، ذهبت إليها، وحين توفي ابنه ماجد، ذهبت إليها. وحين توفي والدي، رحمه الله، ذهبت إليها. كنت أجلس بجانبها، فتضع يدها على كتفي، وتربت على رأسي، وتواسيني، وتخبرني ماذا أفعل. كانت أمي بالنسبة لي أكثر من أم. كانت ملجأً. كانت الإجابة حين أعجز عن الإجابة. وكانت المكان الذي أذهب إليه حين تضيق بي الحياة، فأخرج منه أكثر قدرة على احتمالها. وفي لحظات وفاتها، كنت واقفاً أمام الطبيب، حين قال: «استعن بالله… أعظم الله أجرك». لا أعرف ماذا حدث لي في تلك اللحظة. خرجت من الغرفة مسرعاً، وكأن شيئاً في داخلي يقول لي: اذهب إلى المنزل، أخبر أمك، ستخبرك ماذا تفعل. ثم توقفت. توقفت فجأة. وتذكرت… أن أمي هي التي ماتت. وقفت مذهولاً، لا أعرف إلى أين أذهب، ولا من اسأل، ولا ماذا أفعل. لأول مرة في حياتي يأتيني خبر وفاة عزيز، ولم أستطع أن أركض إلى أمي. وهنا أدركت أن اليُتم ليس أن تفقد أمك فقط، بل أن تفقد المكان الذي كنت تهرب إليه من كل فقد. رحلت أمي، وبقي صوتها. بقيت وصاياها. بقيت حكاياتها. بقيت يدها التي كانت تربت على رأسي. وبقيت تلك الجملة التي لن أعرف كيف أتجاوزها: «يا وليدي… مالي غيرك». وأنا اليوم أقول لها: وأنتِ يا أمي، من لي بعدك؟ أمي حبيبتي أنا الآن أمشي في الطريق الذي تركتِيني عليه وارتضيتيه لي، وأحاول، تعلّم كيف أسير في الحياة دون أن أعود إليكِ في الملمات. أمي…. يومك سمعتي قرع نعلي امقفّي لا تحسبيني ناسيٍ يوم قفيت اللهم إن أمي كانت رحيمة بنا، فكن بها رحيما، واجمعنا بها يا الله في دار النعيم حيث لا وصب ولا صخب ولا حزن ولا فراق. *محافظة القريات