الساحة الثقافية السعودية تشهد تحولاً تاريخياً غير مسبوق؛ دور عرض تنتشر في كل مدينة، صناديق دعم بملايين الريالات، ومهرجانات سينمائية تحضرها ألمع الأسماء العالمية كـ «مؤسسة البحر الأحمر السينمائي» و»مهرجان الأفلام السعودية»، ودعم لا محدود من جهات رائدة كـ «هيئة الترفيه». ومع ذلك، ورغم كل هذه الإمكانيات الهائلة والدعم المالي واللوجستي، يقف المتابع للسينما السعودية أمام مفارقة عجيبة: لماذا لم ننتج نجماً سينمائياً سعودياً حتى الآن؟! تتجلى هذه الأزمة بوضوح في الاعتماد المتكرر على استيراد «النجوم المكتملين» من سينمات شقيقة لبطولة مشاريع إنتاجية سعودية ضخمة. يظهر ذلك جلياً في أعمال كبرى مثل فيلم «سفن دوقز» (Seven Dogs)، وهو إنتاج سعودي رفيع المستوى، اختار فيه صناع العمل الاستعانة بأسماء مصرية لبطولة الفيلم كـ «أحمد عز» و»كريم عبد العزيز» وممثلين عالميين لقيادة شباك التذاكر. لا خلاف على القيمة الفنية والجماهيرية لهذه الأسماء، لكن السؤال المستحق: ألم يكن بمقدور الممثل السعودي تصدر هذه البطولة طالما العمل متقن؟ إن النظر إلى الخارطة التمثيلية في المملكة يكشف عن وجود طاقات استثنائية قادرة على حمل أعتى الأفلام السينمائية؛ فلدينا أسماء مثل «يعقوب الفرحان» بما يمتلكه من عمق أداء وكاريزما عالية وهيبة أمام الكاميرا، و»عبد العزيز الشهري» بقدرته على التلون والتنقل بين الكوميديا والحركة والتراجيديا، إضافة إلى أسماء مثل «براء عالم» و»إبراهيم الحجاج» وغيرهم. هذه الكفاءات، مع قليل من التدريب البدني المخصص وتوجيه الأدوار، كفيلة بتقديم أداء رشيق ومبهر في أفلام الأكشن والإثارة، لا يقل كفاءة عن أي نجم عربي أو عالمي. الواقع يخبرنا أن صناعة السينما تبنى بدعم الإنتاج، بالإضافة إلى صناعة النجم (Star System). فهوليوود وبوليوود والسينما المصرية اكتسبت قوتها — بجانب الميزانيات — من القدرة على تحويل الوجوه الشابة إلى أيقونات تُباع باسمها الأفلام. والجمهور السعودي والعربي لن يثق بالممثل المحلي في أعمال الحركة والمغامرات الكبرى ما لم يره الصانع نفسه جديراً بهذه الثقة أولاً ويغامر بوضعه في المقدمة. ترتكز أزمة عدم الثقة هذه على ثلاثة عوامل أساسية يجب تفكيكها: • الرهان التجاري القصير المدى: يفضل الكثير من المنتجين والمؤسسات الاستثمار في اسم جاهز يضمن المبيعات في العالم العربي وخارجياً، بدلاً من مجازفة التأسيس لنجم محلي قد يستغرق بناء جماهيريته في السينما بعض الوقت. • غياب السيناريو المُفصَّل: أغلب النصوص الضخمة تُكتب بعقلية تسعى لإرضاء النجم الجاهز، بدلاً من كتابة نصوص تُفصل خصيصاً لاستخراج طاقات الممثل السعودي وإظهاره بشكل غير مسبوق. • عقدة التخوف التسويقي: الاعتقاد الخاطئ بأن الجمهور المحلي أو العربي لن يقطع تذكرة لمشاهدة فيلم أكشن أو إثارة سعودي إلا إذا كان البطل وجهاً معتاداً في هذا النوع من السينما. إن الدعم المالي واللوجستي الكبير الذي تقدمه الدولة للقطاع الفني هو فرصة تاريخية لن تتكرر. لكن الاستثمار الحقيقي ليس في جلب النجوم الجاهزين لتسويق الأفلام، إنما في «صناعة» نجومنا، الذين لا يستهان بهم، وتصديرهم للخارج. والبدء في وضع الممثل السعودي في صدارة بوسترات الأفلام الضخمة؛ فالثقة هي الشعلة الأولى للإبداع وخلق أساطير السينما.