اختتمت في العاصمة الرياض مؤخرًا أعمال معرض ومؤتمر LEAP 2026، أحد أبرز التجمعات التقنية عالميًا، وسط حضور دولي واسع وإعلانات واستثمارات وشراكات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، ومراكز البيانات، والتقنيات المتقدمة. ومع الاهتمام الإعلامي الكبير الذي صاحب الحدث، فإن الصورة الأوسع تتجاوز أرقام الاستثمارات والاتفاقيات إلى سؤال أكثر استراتيجية: ماذا يعني هذا الحراك لمستقبل المملكة وقدرتها على امتلاك قرارها التقني؟ هنا يبرز مفهوم «السيادة التقنية» بوصفه أحد المفاهيم المهمة في عالم أصبحت فيه التقنية عنصرًا رئيسيًا في قوة الدول وتنافسيتها وأمنها الوطني. والسيادة التقنية لا تعني أن تصنع الدولة كل تقنية تحتاج إليها، أو أن تعمل بمعزل عن العالم، بل أن تمتلك المعرفة والقدرات والخيارات التي تمنحها استقلالية القرار في التقنيات ذات الأهمية الاستراتيجية، وأن تكون قادرة على تطويرها وتشغيلها وحمايتها واستدامتها، وألا يكون اعتمادها على الخارج في التقنيات الحرجة مصدرًا للمخاطر أو التأثير في قراراتها ومصالحها الوطنية. ومن هذا المنظور، فإن قراءة التحول التقني الذي تشهده مملكتنا الغالية لا ينبغي أن تتوقف عند حجم الاستثمارات أو عدد الشركات العالمية التي تدخل السوق السعودية، على أهمية ذلك، وإنما تتسع لتشمل ما تبنيه هذه الاستثمارات والشراكات داخل المملكة من معرفة وكفاءات وطنية وبنية تحتية وقدرات بحثية وابتكارية، وما تتيحه من فرص لتطوير التقنيات والمنتجات والحلول الوطنية. فالانتقال الحقيقي ليس فقط من استهلاك التقنية إلى إنتاجها، وإنما من امتلاك التقنية إلى امتلاك القدرة والقرار بشأنها. وقد أظهرت المملكة خلال السنوات الماضية توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة وطنية متكاملة في مجالات التقنية والبحث والتطوير والابتكار، بالتوازي مع استقطاب الاستثمارات والشركات والخبرات العالمية. وهذا التوازن مهم؛ فالسيادة التقنية لا تتعارض مع الانفتاح والشراكات الدولية، وإنما تجعل هذه الشراكات أكثر عمقًا واستدامة، وتحولها إلى وسيلة لبناء قدرات وطنية طويلة المدى. ومن أبرز النماذج التي يمكن من خلالها قراءة هذا المفهوم ما يشهده قطاع الدفاع والأمن في المملكة من تحول نوعي. فبدعم وتمكين من قيادتنا الرشيدة – أيدها الله – لم يعد الطموح في هذا القطاع مقتصرًا على اقتناء أحدث المنظومات والقدرات الدفاعية، بل امتد إلى توطين الصناعات العسكرية، وبناء القدرات الوطنية، وتطوير الكفاءات البشرية، وتعزيز منظومة البحث والتطوير والابتكار الدفاعي، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 ويعزز الاستقلالية الاستراتيجية للمملكة. وفي قطاع يرتبط بصورة مباشرة بالأمن الوطني، يصبح معنى السيادة التقنية أكثر وضوحًا؛ فامتلاك منظومة متقدمة لا يكفي وحده إذا لم تصاحبه القدرة على تشغيلها واستدامتها وتطويرها، وفهم تقنياتها، وبناء المعرفة الوطنية المرتبطة بها، وصولًا إلى تطوير حلول ومنتجات وطنية تلبي الاحتياجات الحالية والمستقبلية. وهذا التحول يعكس الرؤية الاستشرافية لقيادتنا الرشيدة – أيدها الله – وبدعم وتوجيه ومتابعة من سمو سيدي صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء – حفظه الله – انطلاقًا من رؤية سموه بأن بناء قوة وطنية مستدامة في قطاع الدفاع لا يتحقق بالشراء وحده، وإنما ببناء الإنسان والمعرفة والصناعة، وتعزيز البحث والتطوير والابتكار، وتمكين منظومة وطنية متكاملة تسهم في الانتقال التدريجي من استيراد الحلول والتقنيات إلى المشاركة في تطويرها وتصنيعها، وصولًا إلى تعزيز السيادة على التقنيات ذات الأولوية الوطنية. وهنا يمكن اختصار أحد أهم مبادئ السيادة التقنية في معادلة بسيطة: أن تكون الشراكة مع العالم خيارًا استراتيجيًا، لا اعتمادًا استراتيجيًا. ولا يقتصر هذا المفهوم بطبيعة الحال على قطاع الدفاع والأمن. فالذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأشباه الموصلات، والفضاء، والاتصالات المتقدمة، والحوسبة المتقدمة، وغيرها من التقنيات الحرجة، أصبحت مرتبطة بشكل متزايد بالاقتصاد والأمن واستمرارية الخدمات وقدرة الدول على المنافسة وصناعة مستقبلها. لكن بناء السيادة التقنية لا يتم فقط في المختبرات ومراكز الأبحاث ومصانع التقنية؛ فهناك بعد آخر لا يقل أهمية، وهو الإعلام والاتصال الاستراتيجي. فالمملكة تمتلك اليوم قصصًا متعددة في التقنية والبحث والتطوير والابتكار، واستثمارات ومشروعات وشراكات وكفاءات وطنية تستحق أن تصل إلى الداخل والخارج ضمن سردية وطنية واضحة ومتكاملة. وهنا ينبغي أن ينتقل الدور الإعلامي من مجرد «تغطية الحدث» إلى «تفسير التحول». فالخبر يخبرنا عن توقيع اتفاقية أو إطلاق استثمار جديد، بينما الاتصال الاستراتيجي يجيب عن السؤال الأهم: ماذا يعني ذلك للمملكة بعد خمس أو عشر سنوات؟ وما القدرات الوطنية التي سيبنيها؟ وكيف يسهم في تعزيز تنافسيتها واستقلالية قرارها؟ كما أن بناء هذه السردية يسهم في رفع الوعي المجتمعي بأهمية البحث والتطوير والابتكار، وتعزيز الثقة بالقدرات الوطنية، وإبراز العلماء والباحثين والمبتكرين السعوديين، وترسيخ صورة المملكة عالميًا باعتبارها دولة لا تكتفي باستهلاك تقنيات المستقبل، بل تستثمر في تطويرها والمشاركة في صناعتها. ومن هنا تأتي أهمية الأحداث العالمية الكبرى مثل LEAP؛ فهي ليست مجرد منصات للإعلان عن الاستثمارات والاتفاقيات، وإنما نوافذ تقدم المملكة من خلالها للعالم رؤيتها للمستقبل، وتظهر حجم التحول الذي تشهده، وقدرتها على استقطاب المعرفة ورأس المال والشركات والكفاءات العالمية، وفي الوقت نفسه بناء قدراتها الوطنية. وفي عالم تتسارع فيه المنافسة على الذكاء الاصطناعي والرقائق والفضاء والبيانات وغيرها من التقنيات الحرجة، لن يكون السؤال مستقبلًا: من يمتلك أحدث تقنية؟ بل سيكون السؤال الأهم: من يمتلك المعرفة والقدرة والقرار لتطويرها وتوظيفها وحمايتها واستدامتها؟ وهنا تكمن أهمية السيادة التقنية، وهنا أيضًا تتشكل قصة سعودية طموحة، بدأت فصولها بالفعل، برؤية قيادة تستشرف المستقبل، وبسواعد أبناء وبنات هذا الوطن الغالي، لتواصل المملكة بناء قدراتها وتعزيز مكانتها بين الدول الأكثر تقدمًا وتأثيرًا في عالم تتشكل ملامحه بالتقنية والمعرفة. *إعلامي سعودي ــ الرياض