لا صوت يعلو فوق صوت الجوال.

في كثير من المجالس، إن لم تكن معظمها، لم تعد الأصوات الصادرة من الهواتف النقالة مجرد ضيف عابر؛ لقد أصبحت الأعلى صخبًا والأكثر حضورًا، حتى طغت على هدوء المجلس وأمسكت بزمامه. يدفن كل منا رأسه في شاشة جواله الصغيرة... الكبيرة، فتتعاقب الأصوات من حولنا: شيلة، فأغنية، فقصيدة، فضحكات صاخبة، وربما صراخ مفاجئ أو مؤثرات صوتية حادة. وهكذا يتحول المجلس الهادئ إلى خليط عشوائي من الأصوات المتنافرة، لا يجمع بينها إلا أنها صادرة من الهواتف. ولا ندري، بعد أن وضعنا الجوال في قفص الاتهام، هل كان جانيًا أم مجنيًّا عليه؟ هل بلغ إغراؤه واعتيادنا عليه حدًّا لم تعد معه مجالسنا قادرة على منافسته؟ أم أن في مجالسنا ما يدعونا إلى الهروب إليه؟ فمن غيره يمنحنا مجلسًا على مقاسنا؛ ننتقي أهله وحديثه، نحظر من نشاء ونتابع من نشاء، نبقى رغم أنف الجميع ونغادر متى أردنا. ربما أفسد الجوال مجالسنا، وربما أنقذنا من بعضها. وبعيدًا عن البريء والمدان، حديثنا هنا عن الضوضاء التي يظن صاحب الجوال أنها تخصه وحده ما دامت تصدر من جهازه، أو ربما نسي نفسه في خضم متعته فلا ينتبه إلى التلوث السمعي من حوله، الذي قد يتجاوز مسألة الذوق إلى أن يصبح مصدراً للانزعاج والتوتر. فالقدرة على تحمّل الأصوات تختلف من شخص إلى آخر، بل إن بعض الناس يعاني من حالة طبية تعرف بـ«فرط التحسس السمعي»، تجعل بعض الأصوات اليومية تبدو لهم أعلى مما ينبغي، وقد تكون مؤلمة أحيانًا. وتكمن المشكلة في أننا أحيانًا لا نفرق بين ما يخصنا وحدنا وبين ما يخص المكان الذي نتشاركه مع الآخرين. من حقك أن تشاهد ما تشاء، وأن تستمع إلى ما تحب، وأن تقضي وقتك في جوالك بالطريقة التي تناسبك، لكن ليس من حقك أن تجعل الآخرين مستمعين قسرًا إلى اختياراتك. فحين ترفع صوت مقطع في مجلس أو غرفة انتظار أو مكان عام، فإن استخدامك للجوال لم يعد خاصًّا بك؛ لأن أثره انتقل إلى من حولك. ولهذا تبدو المسألة في جوهرها أقرب إلى الأدب منها إلى التقنية. والغريب أن هذه العادة لا تختص بعمر  معين أو فئة محددة؛ تراها في المجالس وغرف انتظار المستشفيات والمطارات ووسائل النقل وسائر الأماكن العامة. أشخاص من أعمار ولغات ولهجات وثقافات مختلفة، لكنهم يتفقون على شيء واحد: أن السماعة الخارجية في الجوال يمكن أن تكون لغة عالمية! كنا نشتكي من انشغال الناس بجوالاتهم في المجالس، حتى أصبحنا نتمنى من بعضهم أن ينشغل بجواله كما يشاء… لكن من دون أن يقحمنا معه، رغمًا عن آذاننا.