ما وراء الطبيعة.

الميتافيزيقا، أو ما وراء الطبيعة، قال عنها ويل ديورانت في كتابه قصة الفلسفة: إنها تحتضر على سرير الإنعاش، وتبعه في ذلك أقوام كُثر من الأساتذة والطلبة والدارسين، غير أنني أخالفهم، وأرى أنها باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إن دروب الميتافيزيقا كثيرة ومتشعبة؛ فهناك فريق يبحث عن المصادر الأولى للأشياء، ويصل إلى الطبيعة ذاتها، أي إلى الكواكب والنجوم والأقمار والهواء... وهناك فريق آخر يبحث عن الأفكار لا الأشياء، فيسأل عن نشأة الأفكار العلمية: متى نشأت؟ وكيف نشأت؟ وهذان مبحثان ميتافيزيقيان بامتياز. والتوقف عن مساءلة الأشياء والأفكار يعني، في جانب منه، توقف المعرفة نفسها. أما الميتافيزيقا المتعلقة بالعقل، فما زالت حاضرة ونشطة إلى اليوم عبر بوابة فلسفة العقل؛ إذ تبحث في العلاقة بين العقل والجسد، وتتساءل: هل العقل مادة أم شيء آخر؟ وما علاقة الوعي بالدماغ؟ وإذا كانت الميتافيزيقا القديمة تبحث في الوجود والعلل الغائية للكون وإثبات وجود الخالق، فإن الميتافيزيقا الحديثة تبحث في الزمان والمكان والسببية، كما تبحث في طبيعة الواقع والوعي والهوية الشخصية. ولا يستطيع العلم مناقشة هذه القضايا من دون بحث في الميتافيزيقا. فكيف نقول أنها تحتضر؟! وقد تتفاجأ، عزيزي القارئ، إذا قلت لك إن الذكاء الاصطناعي له ارتباط وثيق بالميتافيزيقا؛ لأن الذكاء الاصطناعي يفكر ويعقل، وبالتالي تُطرَح تساؤلات ميتافيزيقية من قبيل: ما هو التفكير؟ وهل يمكن أن يكون هناك تفكير من دون وجود عقل يفكر به؟ وما هو الوعي؟ وهل يمكن للآلة أن تكون واعية؟ وما طبيعة الذات؟ وهل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون ذاتًا؟ فكيف نزعم أن الميتافيزيقا أوشكت على الانقراض، ولها كل هذا الحضور حتى في أحدث الابتكارات؟ كذلك، ما زالت الميتافيزيقا فاعلة إلى اليوم في بعض الميادين البحثية؛ فالعلماء ينطلقون أحيانًا من افتراضات ميتافيزيقية قبل الشروع في اختبار تلك الفروض التي قد تصبح فيما بعد نظريات أو قوانين علمية. إننا لن نعرف الطبيعة ما لم نحاول أن نعرف ما وراءها، وهذه رؤية من نمط عالٍ من التفكير؛ إذ تنطلق من الواقع لمحاولة معرفة ما وراء الواقع. كما أن الأنطولوجيا، وهي فرع رئيس من الميتافيزيقا، قائمة اليوم بقوة من خلال دراسة الوجود. وكذلك الإبستمولوجيا، وهي مرتبطة بالميتافيزيقا، ما زالت تطرح التساؤلات حول طبيعة المعرفة، وتمدنا بتصورات عن الواقع. وهذه التصورات تتغير بتغير الذات العارفة. فعلى سبيل المثال، السؤال الميتافيزيقي المعروف: «هل توجد أشياء خارج وعينا؟» يقودنا حتمًا إلى سؤال إبستمولوجي: «وكيف يمكن أن نعرف أنها موجودة؟». ومثال آخر: الميتافيزيقا تسأل: «ما طبيعة الواقع؟ وما الذي يوجد؟»، بينما تسأل الإبستمولوجيا: «كيف نستطيع أن نعرف هذا الواقع، ونعرف وجوده، وما حدود معرفتنا به؟». لذلك، ما دامت الإبستمولوجيا حاضرة، فالميتافيزيقا حية. وكذلك الميتافيزيقا موجودة في فلسفة الأخلاق والجمال، وتطرح تساؤلات من قبيل: ما الخير؟ وما العدالة؟ وهل القيم الأخلاقية موجودة في الواقع، أم أنها مجرد تعبيرات بشرية؟ وما دام السؤال الأخلاقي حاضرًا، فالميتافيزيقا حاضرة. فكيف نزعم أنها تحتضر؟! وما زالت بعض مسائل فلسفة الرياضيات تحمل طابعًا ميتافيزيقيًا؛ فمثلًا، ما زالت الرياضيات تسأل إلى اليوم عن كيانات الأعداد: هل لها وجود واقعي، أم أن وجودها ذهني؟ فأنت، مثلًا، تشاهد سبع تفاحات، وتشاهد سبعة أشخاص، ولكنك لا تشاهد «السبعة» نفسها. وعندما تسأل عن ماهية السبعة ووجودها الحقيقي، تكون قد دخلت في الميتافيزيقا من أوسع أبوابها، وهذا تحديدًا ما يحدث في الوقت الحاضر. فكيف نتجرأ بعد ذلك ونقول إنها على سرير الإنعاش؟! ثم لماذا تصف الرياضيات العالم الطبيعي بكل هذه الدقة، مثل الموجات والضوء وحركة الكواكب، رغم أنها، أي الرياضيات، مجردة ومنفصلة عن العالم الحسي؟ فإذا كانت الطبيعة ذات بنية رياضية، فهذا يعني أن الميتافيزيقا تشتبك مع الرياضيات هنا؛ لأن الحديث أصبح عن طبيعة الواقع وبنيته. أي أنك انتقلتَ في حديثك من ما وراء الطبيعة التي هي كيانات الأعداد إلى الطبيعة ذاتها وهي الموجات والضوء وحركة الكواكب. الخلاصة: بنظري، ما زال الحديث مبكرًا عن موت الميتافيزيقا؛ فهي لم تمت، ولا يبدو أنها في طريقها إلى الموت.