منذ فترة ليست بالقصيرة لم أزر الدرعية، العاصمة التاريخية لوطني، أيقونة نجد ومدينة المستقبل. بعد جولة مسائية في شوارعها، وقفت أمام بوابة مركز الدرعية لفنون المستقبل.. هل قرأتم جيداً؟ “فنون المستقبل” من مدينة ضاربة في عمق التاريخ والقصص الشاهدة على عظمة هذا الإنسان حين يحوّل أحلامه إلى حقيقة. وما إن دلفت إلى داخل المركز، حتى استقبلني طيف من بنات وشباب هذا الوطن، يقفون نِدّاً لنِدّ مع فنانين من مختلف دول العالم ومختلف المدارس. فمنذ دخولك للمركز وتجوالك بين طوابقه وزواياه، تشعر أنك في كنف التاريخ والتكنولوجيا معاً. هناك يفتح لك معرض “استمرارية 26” بعنوانه العريض ذراعيه.. تقول الفنانة نجود البواردي لـ اليمامة ضمن مشاركتها في معرض “استمرارية 26” بمركز الدرعية لفنون المستقبل عن فلسفة تعامل الفنان مع الآلة. : “المكائن والآلات هي من صنع البشر، لم تأتِ من العدم، ونحن من نحاول أن ننقل إليها مشاعرنا وبعض صفاتنا البشرية. وكل ما نسمعه منها هو في الحقيقة خيال يعيشه الفنان وجدانياً مع الآلة”. وأضافت أن علاقة الإنسان بالآلة علاقة عريقة، فنحن من ابتكرناها ونحن من نختار كيف تكون، كمن يختار لوناً ويختار الآخر لوناً مختلفاً. وعن عملها المشارك في المعرض، أوضحت أنه نتاج سنوات من العمل خلال فترة عملها في إحدى الجامعات، حيث لاحظ أحد مديريها تعلقها بالآلات، فاقترح عليها آلة قديمة استخرجها من المستودع. ومنذ ذلك الحين بدأت تتأمل عملها وصوتها وسط حضور يومي كثيف، وتتعلق أكثر بالصوت الصادر منها، وهي آلة ترسم لساعات متواصلة. وعن الفكرة التي انبثق منها العمل، ذكرت أنها كانت ثمرة حوارات متعددة مع أحد مشرفيها حول درجات الوجود عند العالم والفيلسوف الإسلامي أبي حامد الغزالي، وفكرة التكرار. وأشادت البورادي بتجربتها مع فريق عمل مركز الدرعية لفنون المستقبل ضمن برنامج الفنانين الناشئين ومعرض “استمرارية”، والقائمين عليه، مؤكدة أن هذه الفترة أسهمت في تطورها على المستويين الإنساني والفني، واصفة تجربتها بأنها رائعة بكل المقاييس. وختمت حديثها بالإشارة إلى والدها، معتبرة أنه ليس مجرد مصدر اطمئنان لها، بل هو الداعم والمشجع الأكبر لتطورها، حيث شاركها الكثير من تفاصيل رحلتها وغربتها في الدراسة والعمل، وكان له تأثير عظيم فيما وصلت إليه. وتحدثت الفنانة والمهندسة المعمارية الكويتية بدرية السالم عن عملها الفني الذي تشارك بها في معرض هذه النسخة من استمرارية 26 وقالت إن عملها يحمل عنوان “أسماء الشمس”، وهو محاولة لتجسيد أسماء الشمس والنجوم وحركة الغيوم والرياح كما وردت في القرآن الكريم، وكتب الشعر العربي، وكتب الأنواء والفلك العربية القديمة. وأضافت: “حاولت فهرسة هذه الأسماء من خلال عملي، في محاولة ولو بسيطة لإظهار ما نملكه نحن كعرب من تاريخ عريق في هذا العلم، وإنقاذه من النسيان”. وعن مصدر إلهامها، أوضحت أن سماء العُلا وجمال صحرائها كانا ملهمها الأساسي، قائلة: “كنت أخرج إلى الصحراء أتأمل مداها الواسع ونجوم سمائها، فكان يوحي لي أن هناك نظاماً أو برمجة دقيقة تسير عليها بكل إتقان”. وكشفت عن إحدى حكاياتها الطريفة، حين أجلت فصلاً دراسياً كاملاً من دراستها الجامعية من أجل السفر إلى صحراء العُلا الفاتنة والتأمل فيها. وحول الجمع بين كونها مهندسة معمارية وفنانة وعلاقتها بالتقنية، قالت: “لا أخفي شغفي بالتقنية والبرمجة، وأريد من خلال ذلك أن أبرهن أننا كعرب نستطيع أن ندرس ونتعلم ونستكشف بعيداً عن المناهج الوافدة إلينا”. ووصفت تجربتها في مركز الدرعية لفنون المستقبل معرض “استمرارية” بالتجربة الرائعة والثرية بمختلف تفاصيلها، لدرجة أنها تتمنى تكرارها أكثر من مرة، مشيدة بجمال المكان والقائمين عليه، والخلوة مع فنانين من مدارس مختلفة، وما توفره المملكة العربية السعودية من خدمات وتسهيلات عظيمة. هذا وقد افتتح مركز الدرعية لفنون المستقبل، أول مركز متخصص في فنون الوسائط الجديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مقره بالدرعية النسخة الثانية من معرض ( استمرارية 26 ) وذلك ضمن سلسلة المعارض السنوية في المركز أحد أصول هيئة المتاحف ويحتفي بالإنتاج الإبداعي للمشاركين في برنامج الفنانين الناشئين في فنون الوسائط الجديدة لهذا العام ويستمر المعرض إلى 7 نوفمبر ويشارك فيه ستة عشر فنانا يستكشف الفنانون خلال هذا المسار مقاربات جديدة للممارسة الإبداعية والإنتاج وصناعة المعنى من خلال ندوات مكثفة وورش عمل تعاونية وعروض وحوارات نقدية وذلك بالتعاون مع مرشدي البرنامج وبمساندة فرق عمل في مركز الدرعية لفنون المستقبل ، كما يضم المعرض أعمالا توظف التقنيات الناشئة في تناول أسئلة إنسانية راسخة تتصل بالذاكرة والهوية والمكان والانتماء والتكرار والعلاقة بين الانسان والكائنات الأخرى وتتنوع وسائط الاعمال بين التركيبات الغامرة ومتعددة الوسائط والضوء والصوت والصور المتحركة والواقع الافتراضي والمشاريع المولدة بالذكاء الاصطناعي في مقاربات إبداعية حول الذاكرة باعتبارها عملية حية ، وأنظمة السلطة والتحسين ، عطفا على الجسد والإدراك والحضور وصولا إلى مفهوم التكرار والإيقاع والتجربة الجماعية ، حيث يجمع المعرض بين ماهو واقعي واصطناعي وبين الانسان والآلة والطبيعي والمصطنع وتمتد موضوعاتها من الذاكرة والهوية والنزوح إلى القضايا البيئية والمناخية والأخلاقيات وسلطة الخوارزميات ، وقد طور البرنامج بالتعاون مع الاستديو الوطني للفنون المعاصرة < لوفرينوا > في فرنسا يتيح للفنانين فرص تعلم متعددة التخصصات تدعم تطوير ممارستهم وأعمالهم الفنية وقال إبراهيم السنوسي الرئيس التنفيذي المكلف لهيئة المتاحف: «من خلال مركز الدرعية لفنون المستقبل ومعارض مثل «من الأرض»، تواصل هيئة المتاحف تطوير مؤسسات ثقافية تتفاعل مع أكثر القضايا إلحاحاً في عصرنا. ومع ترسيخ مكانة المملكة العربية السعودية كمركز عالمي للفنون والثقافة، نلتزم بتوفير مساحات يلتقي فيها الفنانون والباحثون والجمهور لصياغة أشكال جديدة من التعبير الثقافي، متجذّرة في تراثنا وقادرة على الاستجابة للتحديات الراهنة».