آل باتشينو في عطر امرأة..

حين يصبح الممثل هو الفيلم.

ثمة أفلام لا يمكن أن تسقط من الذاكرة، وحتماً سيتملكك الحنين لتعود فتشاهدها مرة ومرتين، وأكثر بعد ذلك. وقد يكون ذلك بسبب فكرة الفيلم وقصته، أو إخراجه، أو النصوص العظيمة، والأغلب دائماً بسبب الأداء الاستثنائي لبطل الفيلم، كما في فيلم «عطر امرأة»، وفيلم «عطر امرأة» بالنسبة لي هو (آل باتشينو) طبعاً، بهذا الحضور والكاريزما المجنونة، وبهذا الأداء الأسطوري الملفت، بكل ما يتركه فيك بعد كل مشهد، وكأنه ينتزع انتباهك رغماً عنك، ليسرق الضوء كله حين يكون في المشهد، ولا يبقى لمن أمامه سوى الظل؛ ظل هذا الممثل المجنون فقط، وفيلم «عطر امرأة» فيلم خالد في الذاكرة السينمائية، من منا لا يحب تلك المشاهد التي ضخ فيها (آل باتشينو) سحره الخاص، بأدائه القوي، ونبرة صوته الحادة، ونظراته الجريئة، وحواراته التي لا تُنسى؟ وتقوم حكاية الفيلم على علاقة تجمع (فرانك سليد)، الكولونيل الأعمى الذي فقد بصره، لكنه لم يفقد شهيته للحياة، بـ(تشارلي)، الطالب الشاب الذي يرافقه بشكل مؤقت في عطلة نهاية الأسبوع، ومن هذه الرحلة يحاول الفيلم أن يصنع حكاية عن الصداقة، والكرامة، والخوف، والانتحار، واختيار الإنسان لطريقه؛ وحتماَ لكل طريق يختاره سيكون هناك ثمن يدفع دون شك، جاء (تشارلي) إلى (فرانك) وهو شاب صغير قليل الخبرة، وفقير ووحيد، وكأنه مسّ بشكل أو بآخر وحدة (فرانك) وأشعل فيه حبه للحياة من جديد، غير أن المشكلة أن كثيراً من هذه الرحلة لا يبدو وكأنه يتقدم نحو شيء؛ فالفيلم يمضي وقتاً طويلاً في استعراض (فرانك) أكثر مما يمضي في بناء حكايته، (فرانك) الشخصية الساحرة؛ يتحدث كثيراً، يشرب، يغازل، يقود بسرعة، يشتري أفضل الملابس، ويصف النساء كما لو أنه يمتلك حاسة سادسة تمنحه حق اكتشافهن، والمرأة ليست في الغالب ذاتاً مستقلة في القصة هنا، بل موضوعاً للرؤية والرغبة والوصف حتى حين يكون (فرانك) أعمى، لا يتخلى الفيلم عن هذه النظرة، بل يحوّل العمى إلى مفارقة تمنحه قدرة شبه أسطورية على «رؤية» النساء من خلال العطر والصوت والحركة والجسد، وكأنها تستوحي هذه الصورة من عوالم أخرى، ولعل مشهد الطائرة، الذي يصف فيه (فرانك) المرأة لمجرد صوتها وحضورها، من أجمل مشاهد الفيلم أداءً، المرأة عند الكولونيل كائن خُلق ليكون كالحلم؛ كل ما فيه خيالي وساحر، لكنه، مع ذلك، لم يكن متزوجاً بإحداهن، لأنه عاش حياة غير مستقرة فهو يقدّس الجمال، لكنه لم يعرف الحب، عمى (فرانك) جعل منه رجلاً ساحراً يستطيع أن يتجاوب مع المرأة بحواسه، ويحاول إدراك مواطن الجمال فيها عبر ذاكرته وعطرها ولا شيء يثير جنون المرأة كالتفاصيل. أما علاقة (فرانك) بـ(تشارلي)، فتشكّل العمود الفقري الحقيقي للفيلم ففي البداية يبدو الشاب مجرد مرافق لرجل أعمى وصعب المراس، والشاب مراهق بسيط وهادئ، ثم تتحول الرحلة إلى نوع من التربية المتبادلة (فرانك)، الذي يبدو في الظاهر أكثر خبرة بالحياة، يعلّم (تشارلي) كيف يكون جريئاً، بينما يكتشف هو نفسه، من خلال الشاب، سبباً للاستمرار والبقاء، في اللحظة التي تفقد فيها الحياة معناها في عيني الكولونيل، ويقرر إنهاء حياته، يجد في الدفاع عن هذا الشاب الوحيد معنى وقيمة لحياته (فرانك) لم يكن يعاني فقط من العمى العضوي، بل يعيش حالة من العمى الداخلي حين فقد قدرته على رؤية مستقبل، أو ما يستحق البقاء من أجله؛ ولذلك يخطط للانتحار، وما كانت فكرة الرحلة إلى نيويورك سوى طقس وداع طويل للحياة، ولهذا تبدو كثرة الأحداث في الفيلم أحياناً زائدة؛ فالفيلم يؤخر مواجهته الأساسية عبر سلسلة من المغامرات والمواقف التي تمنحنا الوقت الكافي للتعلق بالشخصية قبل الوصول إلى لحظة المحاكمة، وإلى لحظة استعادة (فرانك) لرغبته في الحياة، لذلك تصبح أجزاء كثيرة من الرحلة أقرب إلى محطات ضرورية في طريق النهاية منها إلى أحداث تمتلك ضرورة درامية حقيقية، و لا يمكن لمن شاهد الفيلم أن ينسى رقصة التانغو الأسطورية؛ رجل ضرير يرقص مع شابة في غاية الجمال، ويحلق بها، ويتحرك في المكان بثقة من يرى الأشياء بوضوح، حقيقةً هذا المشهد من أروع مشاهد (آل باتشينو)، وكأنه يتحدى العمى والقوالب التي تصنّفه كرجل مسن وأعمى، ليترك لنا مشهداً يرقص فيه التانغو برجولة آسرة. ثم يأتي أخيراً مشهد المحاكمة الشهير، حيث تتراجع الاستعراضات قليلاً، ويظهر الإنسان خلف القناع، هنا يبلغ الفيلم ذروته الأخلاقية، فنراه يتحول (فرانك) من رجل يائس يستهلك الحياة إلى رجل يدافع عن حق شاب في ألا يُسحق بسبب خطأ ارتكبه الآخرون، وذكرني هذا المشهد بمشهد لا يقل عظمة عنه، وهو مشهد محاكمة مجنون كذلك لـ(آل باتشينو) من فيلم «العدالة للجميع»، حيث يؤدي دور محامي الدفاع (أرثر كيركلاند) وهو أحد أشهر المشاهد الانفجارية في تاريخ السينما، حيث يُجبر المحامي على الدفاع عن قاضٍ يكرهه، ومقتنع تماماً بأنه مذنب وفاسد، وفي المرافعة الختامية، يخرج عن طوره ويبدأ بالصراخ، وهو المشهد الذي رُشّح بسببه للأوسكار، لكنه فاز بها عن دوره في فيلم «عطر امرأة» لذلك، ربما لا أستطيع، بعد المشاهدة الثانية يمكنني أن ألمح بعض الترهل والتمطيط والذكورية في الفيلم، لكن آل باتشينو ينتزع منه لحظات تتجاوز الفيلم لتبقى في الذاكرة، فهو فيلم يمتلك مشاهد عظيمة، وأداءً أسطورياً، وشخصية لا تُنسى؛ شخصية الكولونيل المتعصب والغاضب والحاد، الذي يحمل في داخله خوفاً من الظلام والوحدة، ويشعر أن الغاية من وجوده انتهت، وأن الحياة لن تمنحه المزيد من الأمجاد، ولم يتبقَّ لديه سوى ذاكرة مليئة بصور النساء الجميلات، وسيارات الفيراري، وأنف يتحسس جمال المرأة من عطرها.