“هروج الفُل” المتوكلية..

تاجُ الليل وزينةُ المحفل.

عندما يكتب عبدالرحمن موكلي عن الفل؛ فهو لا يكتب معلومة ولا يسرد تاريخاً تتشرّبه الأسطورة، ولا يزعم في ما يكتبه بالقطع والجزم. إنما هي الذاكرة تتدفّق على هواها. إنّما هو الخيال الذي يسعف ويرمّم ويبتكر عندما تتقطّع بالدفاتر السُّبُل. عند شجيرات الفل، نُلفِي عبدالرحمن موكلي ينظم الحكاية وتشكيلاتها.. ينطلق من الحاضر القريب ومن يوميّاته.. إلى الماضي ومحطّاته، ويتابع نزولاً إلى الماضي الغارق في زمن الأسطورة.. فيما تتوقّد حكاية الفل وتتجمّر في أحاديث عبدالرحمن؛ أحاديث لا يَحسُن بنا قراءتها وتلقّيها كما هي مكتوبة. لا بدّ لنا من معبر شفاهي لتلك الحكايات المتوكليّة. لا أتصوّر أنّ العين تقرأ ما يكتبه عبدالرحمن عن الفلّ. ثمة الأذن تصغي إلى الذاكرة الإبداعية وهي تتداعى لساناً جيزانياً أصيلاً.. ذاكرة تندَى بالخبرة العملية والوظيفية (من حسن حظي أنّي شاهدتُ فيلم “رديمة” لمخرجه طي مطهّر في مهرجان أفلام السعودية 2023 ، والفلاح عبدالرحمن موكلي واحدٌ من شخصيات هذا الفيلم الوثائقي القصير) وقبلها وبعدها خبرة الحواسّ في جذْبتها الروحية؛ تصوّفاً وغناءً واندلاعَ جسدٍ في مرموزات الفل ونداءاءته: (“الفل تاجُ الليل، وزينة المحفل، ملكوتُه في الحضرة، وسطوته في سكرة العشق”.. “ما أحلى الفرح موصولاً، حينما تضع يدك في يد حبيبة منظومة بالفل، مسراكما يعلن البهجة، ومأواكما يشهر احتفالية الحياة” - هروج الفل، مؤسسة أروقة، القاهرة 2023). ولا أدلّ على هذا الانشباك العضوي بالفل وشجرته/ “الرديمة”؛ زينةً وبهجةً ونداءً جسديّاً أن المرأة عندما ينتقل زوجها إلى رحمة الله؛ فإنّ من حدادها على الزوج، وإعلان الإخلاص الأبدي لذكراه دون الارتباط ثانيةً بمسرّات الجسد، هو قطع شجرة الفل المنزلية ورميها أمام البيت ليعلم الجميع نيّتَها التي لا تراجع عنها (ص58). لا يكتفي عبدالرحمن موكلي في سرده لـ “هروج الفل” بالوقائع الجمالية العيانية. تتشعّب سرودُه في مطارح عديدة قلبُها المكان (صبيا، أبو عريش، الظبية، …) في جغرافيا وتاريخ ممتدين غائرين.. وفي زمن التحولات الحديثة لـ “الفل” من زينة نسائية إلى زينة ينضمّ إليها الرجال لاحقاً إلى ارتقاء هذا الفل إلى هويّة مجتمعية، ومهرجاناً يؤمّه القاصي والداني في الشتاء، كان لي أن أشهده في يناير 2014: “جازان الفل.. مشتى الكل”. تلك التحولات التي واكبتْها عينُ عبدالرحمن وذاكرتُه منذ الستينيات، وقد كان الفل محصوراً في منازل صبيا وأبو عريش ومقصوراً على النساء، ثم -مع الطفرة السبعينية وانتشار الآبار الارتوازية- تعممت زراعة الفل في المدن الأخرى؛ أوّلاً في البيوت ثم في المزراع خلال تسعينيات القرن الماضي وليصبح الفل “صناعة جمالية رجالية” و”ثقافة مدنية”.. ويجد مكانه في السوق التجارية، يتقاطر نحوه الجميع (فالفلّ زهرةُ السالكين في الجمال - ص118). وأختمُ بشعرٍ قديم ومبكّر لعبدالرحمن أراه لـ جيزان وأشعر به لشجرة الفل؛ متوحّدتينِ في هويّة الجمال:”مذبوحٌ/ بهذي الأرض أنتَ/ وكلُّ من يدنو إلى عينيكَ/ يعشقُ سرَّها - قصيدة: التهيّؤ، ديوان من خيلاء الدم لأبي زيد ص62”.