الموكلي .. أنثروبولوجيا الموروث الجازاني.

الكتابة كما أعتقد عن الصديق الأديب عبد الرحمن موكلي ينبغي أن تباشر موقفه الثقافي ومشواره الأدبي بعامة واشتغاله على الموروث بشكل خاص غير أنني لابد وأن أشير بداية بأنه كان وما يزال أحد الذين عملوا من أجل الثقافة بوصفها منهج وقيمة ومسؤولية إنسانية وهنا يمكن استدعاء ما قدمه من خلال خميسية موكلي في صبيا على امتداد سنوات طويلة كانت منبرا فارقاً في تقديم خطابها الثقافي عبر الندوات والمسامرات والأمسيات الكثيرة. وحديثي هنا سيكون عن عبدالرحمن الموكلي «أبا عوف» الفنان الذي تشبث بالموروث بكل مافيه من تفاصيل وبما يحمله من قيمة حينما استطاع الولوج إلى تخوم مناجم التراث وتوغل في تفاصيله الدقيقة وما يختبئ خلف مفرداته من دلالات ومعانٍ إذ لم يقف أمام المعنى التراثي وقوف الناقل أو الشاهد، ولم يتعامل معه بوصفه مادة جاهزة للتوثيق والاستعادة،بل ذهب به إلى طيف واسع من المقاربات التي تتداخل فيها الذاكرة بالممارسة، والعادة بالطقس،والمفردة بالموقف حتى أضحى عنده الموروث حالةً حيّة تتجاوز حدود التوثيق إلى الكشف، وتجاوز النقل إلى قراءة الإنسان الذي صنع هذا الموروث وتعامل معه وشكل معه ظاهرة جمالية ويمكن النظر مثلا إلى كتاب «هروج الفل» الذي قارب فيه الجماليات المتشبثة بالإنسان وما تمثله هذه الزهرة الفواحة من تمظهرات في البنية الثقافية وتعالقها مع الحالة الاجتماعية لأهالي جازان وخصوصا في أفراحهم وما يتماس معها من أهازيج وأغانِ شعبية وممارسات طقسية بديعة وأنساق ثقافية متشابكة بدليل تفكيكه لهذه الحالة وإعادة بناءها بما يتناسب وهوياتها ومرجعياتها الثقافية،وتمتد قراءة الفنان عبدالرحمن موكلي في جانب موازِ ومتصل بالأنثربولوجيا الاجتماعية واقتناصه للفكرة الغنية والعميقة في كتابه الدي حمل عنوان « وأنا بْر …وأنا دخنْ» اذ يدلف لهذه العوالم المدهشة وتفاصيل الحياة التي أحاطت بالإنسان في جازان وخاصة ما كان له علاقة بالطعام وأنواعه كالبر والمرسة والدخن والحوت وغيرها وهي من مكونات المطبخ الجازاني الثري جدا وما التصق به من ممارسات وطقوس مستشهدا على ذلك بالعديد من العلامات الثقافية التي تحمل ما هو أبعد من وظيفتها الغذائية ومقاربتها أسطوريا بفضاءات أخرى حتى ربما تجد نفسك أنك أمام مدونة حافرة شعبية مستحقة في ذاكرة هذه المجتمع انساناً ومكاناً وتاريخًا مستحقا. *كاتب ومخرج مسرحي وباحث في الفنون الأدائية