بيتنا الذي في صبيا..

لم أكن في عام ٢٠٠٢ -٢٠٠٤ على دراية كافية بالمنتديات و الإيميلات، فالوعي الذي خرج من الصحوة ناقماً عليها كان يبحث عن بديل أنقى و أوفى و أحفى بالروح والبوح، و كان الانضمام إلى صحيفة الحياة اللندنية محرراً من منطقة الباحة جسر تواصل واتصال مع الأدباء والمثقفين. لقطت اسم عبدالرحمن موكلي من موقع جسد الثقافة، ثم موقع مدد الذي بشّر فيه أبو أروى بتدشين صالون الخميسية الأدبي في منزله، ودخلتُ إلى الخاص، وأبلغته بأنني متشوّف لحضور الخميسية، فرحّب كعادته ( حيّا بك ) وانطلقتُ بسيارتي بعد ظهر الأربعاء منفرداً وكلي شوق إلى التعرف على صداقات تملأ الفراغ الذي أعيشه منذ نزلتُ مختاراً عن منبر الخطابة، و خرجتُ من محراب إمامة المصلين لمحراب إمامة نفسي. كان استقبال أبو أروى العفوي، و أريحية الإنسان والمكان تؤذن للمُجنّح في الصدر أن ينعتق من أوصاب الماضي، فإن كان المثقفون مثل الموكلي فيا لكُبر حظي، و ألِفت الروح المسراح والمراح إلى صبيا كلما أعلن سادن جمالها عن عنوان وفاء في خميسيته التي غدت خميسيتنا. تطوّرت العلاقة و توثقت العُرى ؛ لنصبح رفقة سفر وترحال زيّن ديباجتها الصديق الراحل غرم الله الصقاعي، و الحائلي الفخم عبدالسلام الحميد، و المُشاكس العميق أحمد الدويحي، و كان الموكلي أستاذاً وهو يضع المانشيتات المجالسية بابتسامة تنبئ وتنبض بجمال ونقاء وجدان صادق مع نفسه. ومن الدروس المستفادة من أستاذي الموكلي (بعد الخمسين ما ينفع تخسر أصدقاء فالعمر لم يعد يكفي لبناء صداقات جديدة) ناهيك عن تعليقاته و توصيفاته الساخرة التي تحيل من تتخلل سمعه إلى حالة طفولية سعيدة تتمنى ألا تفيق منها. لم يكن الموكلي أبانا في صبيا، بمفرده؛ بل كانت السيدة فاطمة أم أروى أُختاً، و هي تضفي على بيتها كرماً يُلحظ ولا يُقال،  و تعد مائدتها التي لا تضاهيها مائدةً ؛ و كأنما ونحن نأكل و نقيّل و نتحاور و نغنّي و نفرح في بيوتنا، حقاً الموكلي والسيدة فاطمة ملكونا بيتاً في صبيا هم عنوانه وهو الدليل عليهم والشاهد على أن بعض العلاقات الإنسانية لا تدري من أين جاءت ولا كيف جاءت إلا أنه يمكن وصفها بأنها رحمة من السماء.