الأديب الوحيد الذي تناول مفهوم الحكاية.
الحديث عن تجربة مثقف وأديب كبير كعبدالرحمن موكلي ليس من السهولة بمكان أقول هذا وأنا الذي عايشت قراءته من خلال دواوينه الشعرية الستة فيما بعد كما سيأتي لم أكن قد جالسته أو استمعت اليه … أول مرة سمعت فيها اسم الموكلي أديبا كان في صنعاء في مجالس وديوانيات ثقافية أخذني إليها أحد الأصدقاء وأنا دون سن العشرين ، ومن يومها وأنا أتطلع للقاء هذا الإسم الذي سمعتهم يذكرونه كمثقف وأديب سعودي بعد سنوات التقيته بعد سلسلة من المحاولات في مواقع التواصل الاجتماعي ففاجأني باتصال هاتفي والتقينا لقاءً سريعا أهداني فيه دواوينه الشعرية الستة التي عكفت على قراءتها كثيرا وجدت انني أمام تجربة كتابية مختلفة لم أعهدها ووجدتني أدلف إلى بعض من عوالمه وفضاءاته الشعرية المدهشة والتي من أهمها من وجهة نظري أنه الأديب السعودي الوحيد على حد علمي الذي تناول مفهوم الحكاية وسردها داخل القوالب الشعريةكما فعل شعراء العصر الحديث في الوطن العربي أمثال درويش والبياتي والملائكة ونزار وغيرهم … لكن تجربة موكلي مختلفة وثرية لها خصوصيتها وفرادتها التي لايشبه فيها أحدا نظرا لثراء المكان الذي يتناوله ولقدرته اللغوية في التعبير عن روح المكان وحكايته وهويته ولذلك فإن أبرز مايميز تجربة الموكلي إرتكازها على ثنائية ( المكان واللغة ) التعبير عن المكان وروحه وهويته وانعكاسه على الذات باستخدام الألفاظ اللغوية المحكية لإنتاج معان جديدة لقد امتلك الموكلي تفاصيل الأمكنة وعاشها وعايشها منذ سنين طفولته التي رأى فيها نجوم جدته وهي ( تطحنها مع الذرة ) فكأنه خاف اختفاء أجواء هذه الأماكن وعوالمها التي بدأت تتلاشى … فراح يرسم المكان بخياله داخل النصوص فالمكان لايبقى كما كان بل بما بقي منه فينا كما قال الناقد الاديب أ/ إبراهيم زولي : من يمتلك تفاصيل المكان يمتلك المعنى وأن اللغة هي بيتنا البديل حين يتغير المكان . والأمثلة على (ثنائية المكان واللغة) كثيفة في تجربة الموكلي الشعرية والنثرية ففي الشعر تبرز هذه الثنائية من خلال (١)تكوينه للصورة الشعرية الفنية يقول واصفا الغبرة التي تهب على تهامة والساحل من القنفذة حتى جازان : (الغبرة تكشف فخذ الأرض تملأ سرتها بالرغبات ) فالعبرة في هذه المناطق تهب لتطهير وجعلها صالحة لإلقاء بذرة الحياة فيها هذا في المكان ونحن نعلم أن العرب منذ القدم يشبهون. الأرض بالمرأة لكن انظر إلى هذا المعنى حين يتناوله من زاوية جديدة فليس الإنسان وحده هو من يفلح الارض والمرأة بل إن هناك أسبابا سماوية طبيعية تهيئها لذلك وهنا كان دور الغبرة و في صورة أخرى يقول : (يفت في المعنى حمامة نوح ) حيث صبغ لفظ ( يفت) الصورة بروح المكان ( ٢ ) وكذلك تحضر ( ثنائية المكان واللغة ) في اختيار العنوان لأسماء نصوصه أو لأسماء دواوينه والعنوان هو العتبة النصية الأولى في قراءة الأعمال الأدبية فمثلا اسم ديوانه ( يشبهني إلا قليلا) وهي جملة حكائية يقولها الجنوبي إذا أراد إيضاح شبهه بواحد من الناس في الشكل أو السلوك وكذلك ديوانه ( أعرفه ونسيت اسمه) وهي جملة حكائية بديعة ومثلها ديوان ( لما متى و فاطمة ) يكفي أن نتأمل الإستفهام ب ( لما متى ) أي حتى متى وهو توظيف لغوي رائع ف حرف الجر إلى له معنى الغاية الزمانية مثل ( حتى ) لكنه الأصدق تعبيرا وحكائيةعن إنسان ذلك المكان ومثل هذا تجده في عناوين نصوصه ( تصدق - ياكم - المبلوس ) ……… إن المتأمل والدارس لتجربة الموكلي سيلحظ أن الثقافة متنوعة المصادر والمنابع إلى جانب الإستغراق في التفكير والتأملات من خلال إثارة التساؤلات هي التي تنبئنا عن رؤيته الخاصة في كتابة نصه الأدبي الشعري والنثري ولذلك يعد الموكلي واحدا من ابرز شعراء العصر الحديث الذين تعج نصوصهم بالإحالات والتناصات القرانية والشعرية واستخدام الرموز التراثية الشعرية العربية والحديثة من الثقافات العالمية فكما استحضرامرئ القيس والمتنبي وأبونواس استحضر زوربا ودالي تعبيرا عن فنون المكان يقول : : (عند آخر نقطة في الحلم نقم الطير رأس دالي ) و يستحضر زوربا في رقصة السيف الجنوبية وخصوصيته يقول : ( الشاعر الهامل مثلي لا يخجل من سيقانه وهو يرقص … دامجا رقصة السيف الجازانية برقصة زوربا اليونانية حالفا يملأ روحه … يتصدف النور في طريق الهوى ) و كما استحضر بلقيس التي تبرح فوق زمزم : ( ماذا لو بهلنا النار … وقلنا هذه بلقيس … تبرح فوق زمزم ) يستحضر جنيفر لوبيز التي غرز في صحاريها: ( غرزت في صحاري جنيفر لوبيز وعليها حمل بعير من الجينز ) ………. أما إذا ذهبنا إلى كتابته النثرية فسنجد هذه الثنائية ل ( المكان واللغة) الركيزة الأساسية فيها مستخدما حكائية اللغة التي يعج بها المكان في سردية مشوقة مفجرا خلالها كثيرا من التساؤلات والقراءات ابتداء من كتابه ( هروج الفل ) الذي يشي عنوانه بالحكائية والقراءة والتأويل وكذلك في كتابه ( الهبل ) الذي تناول فيه كثيرا من الأمكنة ك ( نجران وجيزان والظهران وغزة وبكة وغيرها ) وراح يسرد في عمق تسميتها الضارب في القدم من خلال قراءتها ميثولوجيا وربطها بالآلهة القديمة طارحا التساؤلات مؤسسا في هذا الكتاب لمن يأتي من بعده من الدارسين ليكملوا المشوار ففي مشهدنا الكتابي السعودي لم يسبق تناول المكان من هذه الزاوية وكذلك يأتي كتابه ( وانا بر وانا دخن ) ليحكي روح المكان عن الأكلة الشعبية المرسة بمكوناتها المختلفة بدخنها ودقيقها وعسلها وسمنها وووو ومن خلال ذلك يبث روح المكان من خلال المرأة سيدة المطبخ وكل ذلك في سرد مشوق . هكذا أسّس الموكلي رؤيته في كتاباته الأدبية شعرا ونثرا على ثنائية ( المكان واللغة) كما أن هناك جانبا مهما في تجربته وهو أن الموكلي لاانفصال عنده بين الأدب عن الحياة والواقع فلا يسكن أبراجا عاجية بل يعايش الناس الذين يسنح حكاياتهم ويعبر عنهم … وهو أيضا يحتفي في بيته بأرباب الفن والأدب من خلال ديوانيته التي شكلت حراكا في مشهدنا الثقافي هكذا تصبح الثقافة و الأدب والفن فعلا وممارسة يومية عند الموكلي ولذلك فإن كل ما نكتبه هو أقل ممايستحقه الموكلي أديبا ومثقفا وإنسانا نبيلا