شاعر المكان والموروث والإنسان.

يصعب الحديث عن تجربة الشاعر الصديق عبدالرحمن موكلي بوصفها تجربة شعرية فحسب؛ فهي تجربة تتسع فيها القصيدة لتصبح مجالًا خصبا للثقافة والذاكرة والمكان والإنسان. فمنذ ديوانه الأول، الذي وصلني مهدى منه عام 1997، وأنا أتابع تجربته عن قرب، وأرى فيها مسارًا شعريًا تشكل بهدوء ووعي، ويزداد مع الوقت رسوخًا وخصوصية. عرفته قبل ذلك شاعرا بارزا عبر نصوصه التي كان ينشرها منجمة في صحافتنا الثقافية، ثم امتدت معرفتي في فضاء الفيسبوك الأزرق فتكشف لي عن ثقافة واسعة ومتنوعة، انعكست في كتابته وفي رؤيته للحياة والفن. ولعل أكثر ما يلفت في تجربته عنايته بالموروث التهامي، لا باعتباره مادة فولكلورية أو ذاكرة من الماضي، وإنما بوصفه مكوّنًا حيًا من مكونات الهوية الثقافية عبر اللغة وتفاصيلها وإيقاعاتها، وعبر الفنون الشعبية وأشكال التعبير المختلفة، كما امتد إلى الأزياء وما تختزنه من دلالات جمالية واجتماعية وتاريخية. وهو في ذلك لا يكتفي بجمع الموروث أو الاحتفاء به، بل يحاول أن يعيد قراءته واستحضاره ضمن وعي ثقافي معاصر عبر خميسيته الشهيرة التي كانت فضاء للمبدعين والمثقفين في بلادنا العزيزة ما كشف لنا جانب الناشط الثقافي في شخصيته الموكلي الثقافية متعددة المشارب. وقد جمعتني بالموكلي، إلى جانب علاقتنا الشخصية، تجارب ثقافية وشعرية مشتركة؛ إذ شاركنا معًا في مهرجان صنعاء للشعر الجديد عام 2004 حين كانت صنعاء عاصمة للثقافة العربية ثم في الدورة الثانية للمهرجان عام 2006، وقد كان المهرجانان محطتين مهمتين في المشهد الشعري العربي، أتاحتا لنا لقاء شعراء من تجارب وبيئات مختلفة، ومتابعة التحولات التي كانت تتقد بالقصيدة الجديدة آنذاك. وفي تقديري، تكمن أهمية تجربة عبدالرحمن موكلي في قدرتها على الجمع بين الشعر والثقافة والموروث، وبين المحلي والإنساني. فهو شاعر ينطلق من بيئته التهامية، لكنه لا ينغلق عليها؛ بل يحول خصوصيتها إلى نافذة واسعة على الإنسان، ويمنح التفاصيل الصغيرة حياة جديدة داخل قصيدته المشحونة بوعيه العالي واتساع ثقافته ومعارفه.