« الموكلي».. أنبل المثقفين.

صعب جدًا أن يلتقي الإبداع في الشعر والكتابة والإبداع الإنساني في شخص كما التقى في عبدالرحمن موكلي. هذا الشاعر الذي عرفته قبل أن أراه، وكان ذلك بما قدمه في خميسيته المعروفة، من استضافة أسماء كبيرة في الوسط الثقافي، في وقت كانت الحداثة وتحرير العقل تواجه من المجتمع شيئًا من التغريب والعنف الذي قد يتجاوز الحوار إلى الإيذاء. كثيرًا ما سمعت وتعلمت من هذا الرجل كيف يتحدث عن زوجته وأبنائه بحب ولطف بالغ، وكيف يسبق اسم زوجته بــ «السيدة «، ذلك اللقب الذي يمنحها مكانتها الرفيعة في نفسه وعائلته. وهو الشاعر الذي ماتت أمه وهو في الثالثة من عمره، وظل يبحث عنها في كل شيء، مدافعًا عن المرأة ومنحازًا لها في كتاباته، ابتداءً من حقل الزراعة إلى حقل الوعي والمشاركة في تشكيل ملامح هذا الوطن ورؤيته. لم يمسني أبدًا شعور بأنه كان أنانيًا أو فرديًا في يوم من الأيام، بل كان ذلك الإنسان المعلّم الذي يشير لك دائمًا إلى المعرفة، ويختصر عليك العمر والوقت، ويدلك على الكتاب المناسب الذي يجعلك تخطو في المكان الصحيح. دائمًا ما كانت نوافذ قلبه مشرعة ومفتوحة للجميع، قلبه الناصع بالبياض الذي لم تترسب فيه يومًا بقع الخلافات، أيًا كانت. وهو الرجل الذي اجتمع الناس على محبته، رغم كل شلليات المثقفين. كان ولا يزال الصوت الذي نحبه، بنبله وكرمه، وقبل كل ذلك بشجاعته وفرادته في الطرح، وحتى في لغته الشعرية التي تميزه. لا أريد أن أتحدث عن عبدالرحمن الشاعر، بل أود الكتابة عن تلك الشعلة التي بقيت طوال كل تلك السنوات تضيء بشغف الولد الشاب الباحث عن المعرفة وجديدها. ولطالما أدهشني الموكلي بتجربته ومغامرته التي عاشها، بأفقها الممتد ومداها الواسع، متجاوزًا صغائر الأمور والاختلافات والمقارنات التي تفسد لحظة الإنسان وعمره، ومدركًا الهم الإنساني الأول، وحرية الفكر، ونشر القراءة والمعرفة كسلاح للإنسان في صراعه مع كل جبهات الحياة. فمحبتي وتقديري لهذا الرجل في كل شيء، حتى في تواضعه وحديثه وملبسه. وأجزم أنه أدرك مبكرًا أن الصدق والبساطة هما الجسر والطريق الوحيد إلى كل القيم الإنسانية النبيلة.