حضور يشبه صباحات القرية وليالي المدينة.
حينما دعاني الصديق الصحافي الأنيق والكاتب المبدع علي مكّي، للكتابة عن الصديق الباحث والأديب الشاعر عبدالرحمن موكلي وجدتني حائرًا من أين أبدأ الحديث عن شخص بحجم «عبدالرحمن»، لأكتب عنه ضمن كتابات عدّة ومتعدّدة سيكتبها غيري في هذا الملف الصحافي، الذي يُكرّم هذا المبدع نظير سنوات طويلة قضاها ولا يزال يقضيها بين البحث الإبداعي والكتابة الأدبية، والفعل الثقافي الممتد عبر سنوات خلت فتح خلالها قلبه قبل منزله بقرية «الظبية» لاستضافة «خميسيّته» الثقافية مساء كل خميس، وتجربة مُتميّزة قضاها في رئاسة فرع جمعية الثقافة والفنون بجازان، وحضوره المستمر كعضو فاعل في نادي جازان الأدبي والثقافي، قبل أن يتّجه إلى الأرض؛ أرضه ومزرعته يحرثها في كل صباح، ويسقيها بسيل المطر عند كل مساء، وينتظر حصاد ثمارها في كل موسم! ويحضرني مع هذا التكريم والاحتفاء المستحق بالأديب عبدالرحمن موكلي اليوم عبر ملحق «شرفات» بمجلة اليمامة ذكرى نشر ملحق «أصوات» بنفس المجلة قبل أعوام لأول نص شعري كتبه هذا الشاعر المبدع، وكأن التاريخ يُعيد نفسه من زاوية أخرى، إذْ إن ما بين ظهوره لأول مرة، وهذا الاحتفاء الذي يحظى به اليوم وكل يوم تكون قد مرت عليه سنوات طويلة كانت محفوفة بالعطاء والبذل والإخلاص للتجربة الشعرية والأدبية والثقافية. كل هذا الحضور للمبدع عبدالرحمن موكلي لم يكن وليد الصدفة، ولكنها رحلة إبداعية قامت على الحب والشغف، واستمرت يومًا بعد يوم في النمو والتطور حتى استحالت الرحلة إلى حياة يومية، وسيرورة ثقافية يتعاظم تأثيرها الإيجابي على الحياة من حوله، وعلى الوجود الذي أشعله شمعة مضيئة لم تنطفئ يومًا واحدًا، فكان نهرًا جاريًا بكل صور الإبداع والإبهار، حتى وهو في عزّ الصعوبات التي مرّ ويمرّ بها، فقد بات حضوره كنجم ليل متوهّجة، ويشبه في حضوره الثقافي في منطقة جازان وخارجها وجه شمس القرية الدافئة. عبدالرحمن موكلي شاعر يتكئ في قصائده على النهل من تجربته في الحياة، ومن تفاصيلها البسيطة ينثر شعره الذي يلامس الوجدان بتصويره المختلف عن النمط السائد في القصيدة المتعارف عليها، منذُ ديوانه الأول «من خيلاء الدم لأبي زيد» الصادر في عام 1997م، الذي كان يمثل تجربة أولى وانطلاقة شعرية تمردت على السائد الشعري، وتماهت مع القصيدة بوصفها شعورًا داخليًا قبل أن تكون شيئاً آخر من المتعارف عليه شعريًا، وعندما أصدر ديوانه الشعري الثاني بعنوان «لما متى وا فاطمة» في عام 2002م، وصولًا إلى ديوانه الشعري الثالث بعنوان «يُخفّف ثقل الروح» الصادر في عام 2008م، كان صوت الإنسان البسيط والمهموم بيومه وليلته حاضراً في تلك القصائد، التي جعلت من نظرته للتفاصيل اليومية نظرة مختلفة وفق معنى فلسفي عميق دائمًا ما يُحاول أن يبثه في كثير من قصائده الشعرية، وفي كثير من حواراته وجلساته الاجتماعية والأدبية والثقافية. حينما أصدر «موكلي» أعماله الشعرية السابقة مجتمعة في مجموعة شعرية واحدة بعنوان «أحمر مورق»، أتذكر أنني سألته قبل سنوات خلت عمتى يُمكن أن يُقدم الكاتب أو الشاعر على إصدار مجموعته الشعرية الكاملة، وما توجهه في ذلك؟، فكان كعادته مختلف في إجابته عن أي إجابة أخرى، وتحمل في طياتها بعدًا يراه هو وحده، حيث قال: «كان السبب وراء هذا الإصدار، أن أجعل هذه المجموعات الثلاث بين يدي القارئ، وأتخفّف من إعادة إصدار كل مجموعة لوحدها، فكما أن الشعر مغامرة إبداعية! فليكن النشر كذلك مغامرة جمالها في الحضور بين يدي القارئ». لم تكن تلك الخطوة تعني توقفه عن الكتابة الشعرية، فقد وافانا في مطلع عام 2013م بإصدار ديوانه الشعري الرابع بعنوان «لا حَدَّ لي»، وكأن الحالة الشعرية لديه لا تزال متوثبة، وقادرة على العطاء، وعلى المزيد من الشعر، أو كأن عنوان ذلك الديوان كان إيذانًا بظهور بُعد جديد من الكتابة الإبداعية قدّمها الأديب والشاعر عبدالرحمن موكلي فيما بعد. فبعد هذه التجربة الشعرية، التي حقّقت للموكلي حضورًا أدبيًا محليًا وإقليميًا، جاء حضوره في السنوات الأخيرة مُتّجهًا للكتابة النثرية، وخوض تجربة جديدة وبحث جاد في ذلك البعيد القريب المتواري عن الأذهان، فلامست موضوعاته قضايا من واقع بيئته التي نشأ فيها وتربى في أحضانها، لنراه يكتب عن التراث، والفلكلور، والفن، والحياة، وبحث موضوعات قيمة بكل رحابة، حيث أصدر ثلاثة كتب؛ هي: كتاب الهَبل، كتاب هروج الفِلّ، وكتاب وأنا بُر وأنا دُخن، وقد كان في كل تجربة وإصدار جديد يُبرهن على التصاقه الدائم ببيئة ووسطه الاجتماعي وتاريخه الممتد والطويل، ومُحقّقًا لمعنى كيف يمكن أن يُسخّر المثقف العضوي معارفه ورؤيته التي ينطلق منها لقراءة الواقع الذي يعيش فيه، وقادر على استشراف مستقبله، كما يثبت «موكلي» في كل مرّة أنّ المثقف كائن اجتماعي يحكمه وضعه في الواقع الاجتماعي، بعيدًا عن أي ميكانيزم آخر. ولعل من أبرز وأهم تجارب هذا المثقف المتماهي مع مجتمعه، تلك التجربة التي قاد من خلالها حراكًا فكريًا وثقافيًا من فناء منزله كل ليلة خميس، حيث أطلق في مطلع شهر يناير من عام 2006م الصالون الأدبي، الذي حمل مسمّى «خميسية الموكلي»، قبل أن يتوقف مؤخرًا، وليته لم يتوقف نظير ما قدّمه من جهود داعمة للإبداع الفني والأدبي والثقافي والفكري بمختلف أشكاله وأطيافه وتنوّعه، فقد شكّل ذلك الصالون حضورًا لنمط مختلف من اللقاءات الجماهيرية البعيدة عن الطابع المؤسسي، التي تضاهيها في محتواها وطابع المشاركين فيها، بل ويمكن أن تفوقها في مساحة تناولها للموضوعات والنقاشات وطرحها للرأي حول القضايا التي تشغل رؤى الأدباء والمثقفين والمفكرين ومرتاديها من جميع أنحاء الوطن العربي، ولطالما عُدّ ذلك اللقاء الأسبوعي حالة من التنوير الفكري والمجتمعي. وذلك ما سعى إليه عبدالرحمن موكلي، فقد عمل على إفساح المجال لأي تشكّل يسهم في التأثير على ثقافة المجتمع، والدفع به إلى مستويات تقدم كبيرة، ممّا ينعكس على تنميته الثقافية. وبحسب تعبير «بورديو»، فإن دور المثقف لا يتوقف عند كتابة مقالة، أو تأليف كتاب، أو إلقاء محاضرة هنا أو هناك، ولكن المهم هو القيمة المهنية للمثقفين، التي على كاهلها يُلقى دور مهم ضمن الحركة التاريخية للمجتمع. أخيرًا: إذا ما جمعك لقاء ما أو جالست أو صادفت عبدالرحمن موكلي، فحتمًا ستكتشف إنسانًا مُختلفًا في كل شيء؛ حديثه، فكره، رؤاه، نظرته للوجود، تصوراته، وحتى مواطن صمته وإصغائه، وأعلم أنها من نعم الحياة عليك بأن تُجالس أو تتعرف على مثل هذه القامة الاجتماعية والثقافية والفكرية، متّعه الله بوافر من الصحة والعافية. *كاتب وإعلامي