يسعدني أن أكون بينكم اليوم، لأتحدث عن رحلة بدأت من تنومة، ولم تنتهِ في باريس، لأنها في الحقيقة لم تكن رحلة بين مكانين، بل رحلة بين ثقافتين، وبين تجربتين، وبين رؤيتين للعالم. وأحب أن أبدأ بهذه العبارة التي أصبحت تلخص تجربتي: “ كلما ابتعدتُ عن تنومة، اكتشفتُ أنني أقترب منها أكثر؛ فالمكان الذي نغادره يظل يسافر معنا، والهوية الحقيقية لا تحدها الجغرافيا، بل تصنعها الذاكرة والثقافة”. في هذه الأمسية لن أحدثكم عن سيرتي الذاتية، ولا عن سنوات الدراسة في جامعة السوربون، وإنما سأشارككم رحلة تعلمت منها أن الثقافة ليست ما نقرأه في الكتب فقط، بل هي الطريقة التي ننظر بها إلى الحياة، وإلى الإنسان، وإلى أنفسنا. المحطة الأولى... المكان يصنع جزءًا من هويتنا ولدت في تنومة، وهناك تعلمت أولى الكلمات، ورأيت أول الجبال، وسمعت أول الحكايات. ومع مرور السنوات اكتشفت أن الإنسان قد يغادر المكان، لكن المكان لا يغادر الإنسان. لقد أدركت أن الهوية لا تُبنى في الجامعات وحدها، بل تبدأ في البيت، وفي المدرسة، وفي القرية، وفي ذاكرة الطفولة. ولهذا قال الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو: “الوطن هو المكان الذي نحب”. فالوطن ليس مجرد موقع على الخريطة، بل هو المكان الذي يمنحنا لغتنا الأولى، وذكرياتنا الأولى، ونظرتنا الأولى إلى العالم. المحطة الثانية ... اللغة ليست كلمات... بل طريقة جديدة لرؤية العالم حين اخترت دراسة اللغة الفرنسية، كنت أظن أنني سأتعلم لغة جديدة. لكنني اكتشفت أنني كنت أتعلم طريقة جديدة في التفكير. كل لغة تحمل معها تاريخًا، وأدبًا، وفلسفة، وطريقة مختلفة في طرح الأسئلة. ولهذا لم تكن الفرنسية بالنسبة لي بديلاً عن العربية، بل نافذة أطللت منها على حضارة أخرى. وأدركت أن الإنسان كلما تعلم لغة جديدة، لم يفقد لغته، بل ازداد قدرة على فهمها. ويقول الفيلسوف الفرنسي بول ريكور: “الترجمة هي ضيافة لغوية”. وأعتقد أن هذه العبارة تختصر رسالة الترجمة؛ فهي ليست نقل كلمات، وإنما استقبال الآخر، دون أن نفقد أنفسنا. المحطة الثالثة. .. ماذا تعلمت من العيش بين ثقافتين؟ حين وصلت إلى باريس، كنت أحمل ثقافتي معي. ولم أذهب لأصبح فرنسيًا، كما لم أعد أقل اعتزازاً بعروبتي. بل تعلمت أن الإنسان كلما عرف الآخرين، عرف نفسه بصورة أفضل. فالاختلاف لا ينبغي أن يخيفنا. بل يعلمنا أن الحقيقة أكبر من أن يحتكرها شعب واحد، أو لغة واحدة، أو ثقافة واحدة. ولهذا يقول المفكر الفرنسي إدغار موران: “فهم الآخر شرط لفهم الذات، وفهم الذات شرط لفهم الآخر”. وأعتقد أن هذه الجملة تلخص أجمل ما خرجت به من سنوات الدراسة والعيش في فرنسا. لقد عدت وأنا أكثر تقديراً للثقافة الفرنسية... ولكنني عدت أيضًا أكثر اعتزازًا بثقافتي العربية. المحطة الرابعة. .. الثقافة تبني الإنسان قبل أن تبني المؤسسات كثيرًا ما نتحدث عن التنمية... وعن الاقتصاد ... وعن التقنية. .. لكنني أصبحت مقتنعاً بأن البداية الحقيقية هي الإنسان. فالإنسان هو الذي يبني الجامعة... ويبني الاقتصاد... ويبني الحضارة. ولا يمكن أن نبني إنسانا دون ثقافة. ولهذا كان طه حسين يؤكد دائمًا أن الثقافة ليست ترفًا، بل أساس في نهضة المجتمع. وأنا أؤمن أن الثقافة تعلمنا التفكير قبل أن تعلمنا المعلومات. وتعلمنا الحوار قبل أن تعلمنا الجدل. وتعلمنا احترام الاختلاف قبل أن تطلب منا الاتفاق. ماذا تعلمت؟ بعد هذه الرحلة الطويلة... من تنومة... إلى جدة. .. ثم الرياض... تم باريس... تم العودة إلى الوطن... أستطيع أن أقول إنني لم أعد أرى الهوية والانفتاح على أنهما متعارضان. بل إن أحدهما يكمل الآخر. فالهوية ليست جدارًا يمنعنا من رؤية العالم. وليست الثقافة الأجنبية خطرًا يهددنا. الخطر الحقيقي هو أن نتوقف عن التعلم. وأن نخاف من الحوار. وأن نغلق النوافذ. وقد أعجبني كثيرًا ما يُنسب إلى الشاعر والمفكر رابندرانات طاغور من معنى بليغ، حين يدعو إلى أن تبقى نوافذ البيت مفتوحة لرياح العالم، لكن من غير أن تقتلع أساساته. وهذه هي الفكرة التي أؤمن بها... أن ننفتح على العالم ... ولكن من موقع الثقة، لا الذوبان. ومن موقع الحوار، لا التقليد. الخاتمة لو سألني أحد اليوم: كيف يمكن للإنسان أن ينفتح على العالم كله دون أن يفقد صوته الأول، ودون أن يتخلى عن جذوره؟ لقلت: لأن الجذور ليست قيودًا ... بل هي مصدر القوة. ولأن الأغصان لا تعانق السماء إلا إذا كانت الجذور عميقة في الأرض. لقد علمتني رحلتي أن الإنسان يستطيع أن يكون عالميًا في أفقه، ووطنيًا في انتمائه، وإنسانيًا في رسالته. وأختم بهذه العبارة التي أصبحت تمثل خلاصة تجربتي كلها: “كلما ازددت معرفةً بالعالم، ازددت فهمًا لوطني، وكلما تعمقت في هويتي، أصبحت أقدر على الحوار مع الإنسانية”. *مختص في اللغة الفرنسية واللسانيات من جامعة السوربون. والنص ألقي في محاضرة استضافتها سفارة جمعية الأدب بالنماص بالتعاون مع نادي السروات.