قراءة في قصيدتين في مدح الرسول عليه الصلاة والسلام للشاعر الدكتور عبد العزيز خوجة..

نفحات روحيّة وضراعة وجدانية وتبتّل في محراب الخشوع وتجلياته.

منذ العتبة الرئيسة ممثلة في عنوان القصيدة الأولى (سراج الأكوان) مفردتان تضعان الأكوان كلها في كفّة ،و رسول الهدى في كفة أخرى، تحليق يتوغّل في الآفاق ويخترق السُّجف حتى يلامس سقف المطلق ، وذلك – لعمري ذروة الحب الذي تمّحي فيه التخوم بين الفضائل؛ فتتوحّد في سديم العشق الروحي ، وقد لفتني في هذه القصيدة معجمها اللفظي فاخترت أن يكون مدخلي إليها حقوله الدلالية وتقاطعاتها ، فقد جمع الشاعر بين باقة من بساتينه ما بين فضاء كونيٍّ مزدوج ( الثقلان والملائكة و الوحي والأقران و الورى) الكائنات الأثيرية الروحيّة القدسيّة الظاهرة |(البشريّة) والخفيّة (الجن والإنس) حشدٌ دالّ على الحفاوة والمهابة والمحبة؛ ثم الأجرام السماويّة الأكوان و المجرّات و السماوات والأرض ، والمكوّنات الطبيعيّة ( الذرى و الوهاد والآفاق ) في تضافرها مع تلك الكائنات ، ومشاعل النور التي تضيء الوجود : (السنا و النور و الضوء و الشمس والسراج ) وبعذ ذلك الأزمان في تعاقبها من (الفجر إلى الصباح) وفي أمدائها (الساعات و الثواني والأيام والتاريخ ) والفضائل في مُطلقاتها مصادر منعتقة من قيود التحديد إلى آفاق التجريد : (الفضل و الفخر و الفهم والعلا والهدى ) ثم الإطار التاريخي ووقائعه في سرديّة تأصيليّة جامعة لكل الفضائل و الشواهد على عظمة المناسبة الفاصلة بين عهد الجاهلية و الإسلام ، وهذا المعجم اللفظي الذي جاء في عقد القصيدة النظيم قلادةً تُجمّل صدر الزمان وفاتحة الهدى و السلام . وفي حراك مشهود تهتز له القلوب والأفئدة يفتَتِحه الشاعر بالنداء (يا محمد) يتلوه إعلان البشرى التي تعمُّ الأكوان و الأزمان: يا محمد أنت الرسول فبلّغ شفتان بالوحي ترتعشان مشهد حواريٌّ قُدُسيٌّ يتلوه مشهد تاريخيٌّ روحيٌّ تهتز له الجوارح في لحظة فاصلة تجمع بين الجلال والرهبة و الوفاء والامتثال ؛ متناصّة مع آية التبليغ و مفتتح التكليف بأسمى دورٍ أُسند إلى نبينا الكريم عليه الصلاة و السلام : تشخيص وحراك وخشية واستعداد لتلقّي الأمر الإلهي الذي تهتزله النفوس و تخشع له القلوب : دثّريني ، تلهّفت مقلتاها دثّرته بقلبها المتفاني مسحت بالتحنان جبهته من عرق مسكٍ كانفراط الجمانِ يا ابن عمي ودثّرته حنانا حواريّةٌ حافلة بالحركة الحسّية و الوجدانيّة، وصور مجازيّة مفعمةٌ بدفق المشاعر ما بين استعارات مُبهرة وتشبيهات بكر، ونداءٍ حنون ، تصويرٌ وصفيٌّ حافل بجيشان العواطف ورهبة المواقف في سرديّةٍ تستدعي لحظات فاصلة في تاريخ الدعوة ، وتنثالُ التداعيات في غزارة وجلال و رهبة، تصوّر تلك اللحظات الفاصلة ؛ انتقالات نَشِطة بين الوصف و السّرد و الحوار يثري شعريّة القصيدة ويشحن رهبةَ اللحظة وغنائية التعبير ، وهنا تتبدّى لماحيّة الأسلوب وشفافيّة البوح التي تجمع بين رموز الحدث وهالته : مقام النبوة و وفاء الرفقة ورهبة اللحظة وجلال الوحي وعظمة الكتاب، في باقة أيقونيّة زاخرة بالدلالات و الإيحاءات . والقصيدة في بنيتها التشكيليّة و أبعادها الرؤيويّة تمتثلُ ما يجيش في الصدر ويمور في الوجدان ويفضي به التأمّل ، فتبدأ بمخاطبة الوطن واستنهاض كبريائه وبواعث مجده و فخاره، مُتُّكئاً على استقصاء وجدانيٍّ مشفوع بالدليل الذي يمتح من أنوار الوحي و بهاء النبوّة في بانوراما تلمّ بألوان من بواعث المجد و الفخار ، في استقصاء مشهود يطوف بملامح المكان ويغترف من أضواء الزمان التي تلتقط بعدستها الجامعة بانوراما مبهرة من أطياف الروح وموجبات الدهشة تمهيداً للولوج إلى لُبّ اللّباب وجوهر الحقيقة ، في ترحيب يستدني لحظة انبثاق النور ومولد الهدى في تقنية تجمع بين شفافية الكناية ودلالات الرمز ، عبر إلمحات أسلوبيّة وصفيّة، يتغشّاها سرد يتهادى إيقاعه على نغم بحر الخفيف ، وهو بحر رشيق الإيقاع حافلٌ بالحركة الهادئة المتأمّلة يقبل التنوع في تفعيلاته و ما ينتابها من زحافات وعلل، ممّا يناسب زخم الانفعال و الفرح ورشاقة التعبير ، نُقلة انفعالية يتصاعد فيها الشعور بالبهجة؛ إذ ينتقل الشاعر من التغنّي بالوطن وأمجادة مُلمّحاً و مُمهّداً لجوهر الرؤية وقداسة الموقف ، وهذا التنامي العضوي الذي لا تنفصم عراه عمّا قبله يفتح آفاق التعبير في استقصاء واسع تتبدّى فيه تجليات الحدث الأكبر مُمثّلاً في مولد الهدى لافتاً الانتباه إلى جلال الموقف وبهجة الذكرى، حيث يلتقى عالمان ؛ فالسماء تهدي الأرض أنوار النبوّة مُحتفية بمولد الهدى في استقصاء لثراء العطايا التي تجمع خير الدنيا و الآخرة : أي يوم يا مكتي هلّ بشراً وتباهت ساعاته و الثواني يوم أن عانق الإله السماوات بالأرض شوقان يلتقيان سبحت في العلا ملائكة الله حبوراً للواحد الرحمن وينتقل من هذا الأفق الروحي إلى الاحتفال الكوني بمولد النور ، ومن ثم يقف ليستجلي الطلعة البهيّة بسجاياها و مزاياها في تصعيد وجدانيٍّ يمضي إلى منتهاه ، ويسعى الشاعر ليلتقط ما عمّ المشهد من مظاهر الفرحة فيوجِّه عدسته اللاقطة إلى شخص الرسول الكريم وما أحاط به من هالات الفرحة فيتقرّب إليه بالنداء بأسمائه التي وردت في القرآن الكريم (محمد وطه ) وبأسماء الإشارة القريبة و البعيدة في تكرار تلتذُّ به الألسن وتنتعشُ فيه الأرواح (ذاك طه ، ذاك طه) و(هاهو الوحي ، هاهو النور) في مضطرب المشاعر ولحظة الاندهاش ، وفي حراك لغويٍّ دال ، واستثمار الخطاب المباشر وغير المباشر و تنوّعه . وفي تحوّلٍ أسلوبيٍّ لافت ينتقل الشاعر – كمنا سبق أن أشرت – إلى السرديّة التاريخيّة بما انطوت عليه اللحظات التالية للتكليف بمهام الرسالة في تناصٍّ توثيقيٍّ تاريخي (دثّريني ) وحواريّة دراميّة ؛ فينتقل من نهج أسلوبي إلى آخر يسترجع في تقنية روائيّة (فلاش باك) يستعيرها الشاعر من فن آخر من فنون الأدب ،وتوصيف للمشهد المهيب الذي أعقب التكليف بما انطوى عليه من ملامح الوفاء و الفداء، وما أحيط به من مودة ورحمة ومناجاة حميمة ومؤازرة كريمة ، وتوصيف لمزايا الرسالة والفرقان العظيم في تكنيَة دالة عن أم المؤمنين (أم الزهراء) بما تزخر به هذه التكنية من دلالة التكريم : تلك أم الزهراء من مثلها في قدرهاحسبها رضا الديّان ورفيف الملاك جذلان يأتي لحبيب الله بالقرآن ويمضي فيتوسّع في سرديته التاريخية متوقِّفا عند محطات بعينها في ما يشبه العقد الذي ينتظم سلسلة الجواهر التي ترجمتها المواقف من وقائع الهجرة في تفاصيلها البارزة الدالّة في الغار ، وملاحقة سراقة بن مالك له حتى غاصت قوائم فرسه في الرمل ، والوعد الحق بسواري كسرى وتابع السردية التاريخية للهجرة ومعاركه التي خاضها وسيرة الخلفاء الراشدين من بعده في توثيقٍ تاريخيٍّ شعريٍّ يقوم على الاستذكار الوجداني المتوهج في سلسلة من المشاهد وكأنها شريط سينمائي يقوم على تقنية المونتاج الزماني السينمائية (ثبات المكان وجركة الزمان) ؛ فالقصيدة تنمو عضوياً في تسلسل أفقي يجمع مابين الوحدة الموضوعية و التنامي الحيوي في مظاهره التلقائيّة البسيطة التي تنساب رهوا دون عناء. أما قصيدته (باب الهدى) التي جاءت على نسق قصيدة شوقي (سلوا قلبي) ضمن ما عرف بالمعارضات ؛ وهي قصيدة شهيرة مطولة (واحد وسبعون بيتا) معروفة بمقدمتها الغزليّة التقليديّة المألوفة في الشعر العربي القديم ، ثم ينتقل الى التأمّل في الحياة و ما تنطوي عليه من نقائض ومفارقات، ثم يختتم القصيدة بالمديح النبوي ويدعو إلى اقتفاء أثر النبي صلى الله عليه وسلم واتباع منهجه ؛ أما قصيدة (باب الهدى ) فقد جاءت مقدمته الغزلية مشتعلة بلهيب الحب الذي يوهم القارئ بأن الشاعر يعاني من عشقٍ مَلك عليه أقطار قلبه في لوعَة ظاهرة ،وتوق إلى المعشوق في نهج عذريٍّ، عبر تجلّيات فنّية تشتعل فيها نيران عشقً لاهب؛ فصُوَرُه التي تشكلت في الأبيات الوجدانية في مطلع القصيدة تضارع أجمل قصائد الحب في مغالبة الشوق ومقارعة الهوى : ففي قوله (وأشرعتي تهم بي اغترابا) صورة فنّيَّة لاأتذكر أن هناك ما يماثلها على الرغم من أن الصور التي تنتمي إلى السفر عبر البحر ، فهو هنا يجمع بين كناية ذات أفقٍ تأويليٍّ واستعارة تشخيصيّةٍ مُركّبة تجمع بين الشروع و الاغتراب ونسبتها إلى الأشرعة وبين مخاطبة الذات المنشطِرة في نجواها الهامس وهواجسها الخافتة؛ حيث تتحول نجوى الذات الشاعرة إلى دراما جامعة تتواشج فيها المشاعر بين البوح والصمت والحوار ، ليس هذا فحسب ؛ بل يوكل للقلب مهمات تتقاطع فيها الأحزان والرغبات وما تنهض به جوارح أخرى كالبكاء ، وهذا الحشد يثري النزعة التصويريّة التي تنهض بما عرف في النقد الجديد لدى إليوت ب(المعادل الموضوعي ) ولعلي لا أبتعد كثيرا عن التوصيف الحقيقي حين أصفها ب(المعادل الوجداني ) القلب –وهو بؤرة الشعور ومناط التفكير (كما يرى العلم الحديث) و كما ورد في الشعر القديم (لسان الفتى نصف و نصف فؤاده) فهي الناطق الوجداني باسم الشاعر: سمعت نحيب قلبي في صلوعي يحاورني فلم أحر الجوابا و ما عهدي بقلبي وهو يبكي وقد قطف المنى دوماً غلابا وكان الحسن يغويه فيصبو ويحسو الشهد من فمهرضابا وهذه المقدمة الغزلية التي تحيل قارئها إلى بعض مفردات معجم قصيدة شوقي ولكن على نحو مدهش ، ما جعله يتميّز بأن جعل المقدمة الغزليّة جزءاً لا يتجزأ من موضوعه الرئيس في مدح سيد الخلق و الضراعة إلى رب العزة و الجلال والإنابة إليه تعالى فقال : وما هو بالغرام يذيب قلبي ولا خوداً عشقت و لا كعابا ولكني وذنبي قد دهاني أهيم بعترتي أرجو المآبا بعد أن كان قدبثَّ في الأبيات السابقة لوعته وعذابه وتلظّيه بنار العشق وكأنه - وقد أخذ بزمام القارئ بعيداً ليدهشه - فاجأه بأن نقله إلى رحاب النبوّة وميدان العشق الإلهي ، وهو بعد تبتّله في رحاب الله وضراعته إليه ينتقل إلى فضاء روحي عابق بشذا النبوة . ومهما يكن من أمر فإن قصيدة الشاعر عبد العزيز خوجة كانت محاكاة مبدعة لا تستنسخ و لا تقلّد ، أو بمعنى أدق فن من فنون المعارضة التي تبتكر و تجدد وتضيف و تبتكر؛ غير أن شخصيته فيها قد تجاوزت موضوع المديح بما ينطوي عليه من ذكر للمآثر إلى بروز الذات الشاعرة التي اتخذت من الموضوع سبيلاً للتعبير عن توق الذات إلى التواصل الروحي الشفيف مع الموضوع لالتقاط نبض المشاعر الذاتيّة وملامسة همومها ، و مدخلاً لنشدان الهداية و الشفاعة ، وملاذاً للنفس المثقلة بالهموم و الضراعة إلى الله ليفرّج كربها و يزيل همّها ، وهو ما من شأنه أن يمنح التجربة الشعريّة خصوصيّتها ، فقد تحوّل فيها الخطاب إلى حوار ذاتيٍّ مثقل بالاغتراب و الذكرى و الندم ونشدان التوبة وملاذٍ للنفس المتعبة ، وقد بدت صورة الرسول (صلى الله عليه وسلم ) في (سلوا قلبي) متعددة ثرية وبدا الشاعر فيها مُشرّعاً ومربّياً وقائداً ومصدراً للوحدة ، فهي تحمل المناقب المعروفة تاريخيّاً عن نبيّنا الكريم ، بينما تواردت مناقبه (عليه السلام) لدى شاعرنا في نهج آخر أقرب إلى الذات الشاعرة ومناجاتها وتفريج همومها ؛ أما الجانب الجمالي فلا تتّسع له هذه المقالة ، إلّا عبر ما سبق من إلمامات يسيرة ، فالمقارنة تستلزم دراسة مستقلّة تفي بحقها . وسأكتفي بهذه الإلمامة اليسيرة في هذه المناسبة الروحيّة التي تذكّرنا بعظمة صاحبها (عليه الصلاة و السلام) .