الضمير..

آخر حصون الإنسان.

قد لا نتفق على تعريف موحد للضمير، وعلى تحديد مصدره، وعلى الحدود الفاصلة بينه وبين الدين والأخلاق، والأعراف، والقوانين. لكننا نكاد نتفق على الإحساس به حين يستيقظ. نعرفه في ذلك الصوت الذي يسألنا بعد أن يَنْفَضّ الناس من حولنا: لماذا هكذا تصرفت؟ ولهذا ربما كان الضمير أعدل محاكم الإنسان وأقساها في الوقت نفسه. لماذا؟ لأنه يعرف من تفاصيل القضية ما لا يعرفه “الادعاء”. يعرف النية التي سبقت الفعل، ويعرف البدائل التي كانت متاحة، ويعرف اللحظة التي كنا فيها نستطيع أن نقول “ لا “ فقلنا “ نعم “ أو نستطيع أن نتكلم فاخترنا الصمت، أو نستطيع أن ننصر ضعيفًا فآثرنا سلامتنا. في إحدى الصور التي تستحق التأمل، يبدو الإنسان وكأنه يُقتاد بعد تجريده من أقنعته إلى “محكمة الضمير” حيث لا تعود المشكلة في أن نعثر على ضميرنا في الخارج، بل أن نفتش عنه داخل أنفسنا. فالإنسان قد يظن أن ضميره سُرِق منه، بينما يكون هو السارق والمسروق معًا، ولا تبدأ استعادته إلا حين يتوقف عن خداع ذاته، ويملك شجاعة الاعتراف بما أصابها من تشوهات. ومن هنا فإن الضمير لا يولد كاملًا، ولا يبقى يقظًا من تلقاء نفسه. إنه قابل لأن يضعف، وأن يتبلد، وأن يعتاد القبح حتى لا يعود يراه قبيحًا. ولذلك يحتاج- كأي شيء ثمين - إلى المراجعة والترميم. فالضمير الذي لا نفحصه قد يتحول مع الزمن إلى مجرد صدى لرغباتنا، ومترجم لأهوائنا. رفعت الرسالات السماوية شأن الرقابة الداخلية على الإنسان، وربطت بين الإيمان والعدل ومحاسبة النفس. وفي القرآن الكريم يأتي الأمر بالقيام بالقسط حتى عندما يكون العدل ثقيلًا على مصلحة الإنسان نفسه”: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُون” الآية 8 – سورة المائدة. كما أقسم اللهُ تعالى بالنفس اللوامة، لعظمة شأنها، في قوله “ وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ” الآية 2 – سورة القيامة. في إشارة بالغة الدلالة إلى قيمة الضمير الذي لا يكف عن مراجعة صاحبه وتقريعه. وعلى اختلاف الأديان والفلسفات، تظل الفكرة الكبرى واحدة: الإنسان لا يكتمل بما يستطيع فعله، وإنما بما يمتنع عن فعله حين يكون قادرًا عليه. كما حاول الفلاسفة - كل بطريقته - البحث عن ذلك المركز الأخلاقي الذي يمنح الإنسان معنى ومسؤولية. لكن السؤال الأهم ليس: ما هو التعريف الفلسفي للضمير؟ بل: ماذا يحدث للإنسان حين يفقد قدرته على لوم نفسه وتقريعها؟ نستهلك - نحن البشر - كمًّا هائلًا من الكلمات الأخلاقية: العدالة، والحرية، والإنسانية، والسلام، والتسامح، والحقوق، والكرامة، حتى يكاد استخدامها يبلغ حد البذخ. وتكاد لا تخلو منها المنابر والأحزاب وخطابات الأفراد. لكن كثرة الحديث عن الفضيلة لا تعني بالضرورة حضورها في الواقع المُعاش. فالضمير لا تصنعه الشعارات الفضفاضة، ولا تكفي لإثباته النيات الحسنة. فامتحانه الحقيقي يبدأ عندما تتحول القيمة من كلمة مجانية إلى موقف له ثمن. ومن السهل الدفاع عن حرية من يقول كما نقول، لكن الامتحان يبدأ عندما يتكلم من نختلف معه. ومن السهل الحديث عن العدالة عندما تخدم مَن نحب، لكن الامتحان يبدأ عندما تمنح العدالة خصمنا حقًا لا نحب أن يحصل عليه. ومن السهل التعاطف مع الضحية التي تشبهنا، لكن القيمة الأخلاقية للضمير تظهر حين نتألم لضحية لا تشاركنا الدين، أو العرق، أو الوطن، أو الموقف السياسي. هنا ينتقل الضمير من القول الخطابي إلى الالتزام الأخلاقي. وليس المطلوب أن نساوي بين الأفكار، فالأفكار تُنقد ولا تُقَدَّس، وتُرفض وتُفنَّد، لكن الإنسان أكبر من فكرته، وحقه في الكرامة لا يسقط لأننا نعتقد أنه مخطئ. إن إحدى أرقى صور الشجاعة هي القدرة على مراجعة الذات. فكم من إنسان يستطيع مواجهة خصومه، لكنه يعجز عن مواجهة فكرة استقرت في رأسه! وكم من رجل يملك شجاعة الهجوم، ولا يملك شجاعة الاعتذار! فالضمير الشجاع ليس الذي لا يخطئ، بل الذي لا يجعل كبرياءه أكبر من الحقيقة. بلغ الإنسان سطح القمر، واستطاع أن يشطر الذرة، وأن يبني أكثر الآلات تعقيدًا، لكنه في كثير من الأحيان يعجز عن رؤية إنسانية إنسان يقف أمامه. ولعل أخطر أمراض الضمير أن يكون انتقائيًا. أن نبكي مظلومَنا، ونبرر ظُلم الآخرين. أن نستنكر الجريمة إذا ارتكبها خصمُنا، ونبحث لها عن ألف مسوغ إذا ارتكبها من نؤيده. وأن تصبح هوية القاتل والضحية هي المحور الأساسي الذي تدور حوله أحكامنا. فالضمير الذي تتغير أحكامه بتغير الأسماء ليس ضميرًا، وإنما محامٍ للمصلحة. الضمير لا يستيقظ بقرار، ولا تعيده المناسبات والخطب إلى الحياة. إنه يبدأ من الفرد. من قدرتنا على فحص أنفسنا قبل فحص الآخرين. من أن نسأل أنفسنا أسئلة لا نحتمل إجاباتها. هل نطبق على خصومنا المعيار نفسه الذي نطبقه على أصدقائنا؟ هل ندافع عن الحق عندما يكون صاحبه ممن نختلف معهم؟ هل نحزن فعلًا لألم إنسان لا تربطنا به رابطة سوى أنه إنسان؟ وهل ما زلنا نملك القدرة على الاعتذار؟ لكل هذا وذاك، لا ينبغي أن يكون سؤالنا: أين نجد الضمير؟ فالضمير ليس مفقودًا في مكان قَصِي ولا قابعًا في داخل الكهوف، والمغارات، أو أعالِ الجبال إنه داخلنا لكن السؤال الأصعب: عندما يتكلم الضمير في داخلنا... هل لأرواحنا آذانٌ تسمع أنينَ ضمائرِنا؟ في نهاية المطاف، لا يحتاج الناس إلى مزيد من الكلمات المدبجة عن الضمير بقدر حاجته إلى من يستطيع سماعه عندما يصبح صوته مكلفًا. فالحضارات لا تسقط فقط عندما يكثر فيها الأشرار، بل حين يتعلم الأخيار فن الصمت. والظلم لا يحتاج دائمًا إلى ملايين المؤيدين، يكفيه أحيانًا ملايين المتفرجين. ولذلك فإن مسؤولية الضمير ليست أن يجعلنا معصومين من الخطأ، فهذا مستحيل...مسؤوليته أن يمنع الخطأ من أن يصبح طبيعيًا في أعيننا، وأن يبقي في داخلنا شيئًا يتألم عندما يتألم الآخر، ويشك عندما يشتد اليقين، ويسأل عندما يصمت الجميع. فإذا بقي ذلك الحصن قائمًا، بقي في الإنسان شيء يستحق اسم الإنسان. أما إذا سقط، فلن تنقذه ثقافته، ولا ثروته، ولا سلطته، ولا كل الكلمات الجميلة التي يقولها عن نفسه. فالضمير هو آخر حصوننا، فإن خرجنا منه، سنغدو في عراء روحي، وسنحترق في وهج شمس الحقيقة التي قد لا نحتملها.