العصر الذهبي للغناء المصري..

نصف قرن من الفن والسياسة.

يُعرّف الكاتب د. نبيل حنفي محمود العصر الذهبي للغناء المصري بأنه العصر الذي امتد قرابة نصف قرن ما بين عشرينيات وسبعينيات القرن العشرين؛ حيث بلغ فيه الغناء ذروة النضج. انتقى الكاتب مجموعةً من الحكايات من عدد كبير من الكتب والدوريات التي أرّخت لذلك العصر، خاصةً ما تحتويه من مواقف فكرية وسياسية؛ فقد انطوى غناء ذلك العصر على ثراء في المضمون، ومواقف لأصحابها دفاعاً عن الوطن أو غنائيات أُديرت حول الزعماء. خصّص الكتابُ الفصلَ الأول للأغاني الوطنية؛ فتاريخياً ترافقت الأغنيات الوطنية مع الانتفاضات الشعبية، وأول مثال على ذلك نشيد «المارسيليز» الذي انطلق مع الثورة الفرنسية عام 1789م. أما في مصر، فمع ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي، كانت الجماهير المصرية تردد في الشوارع المحيطة بمنزل الزعيم سعد زغلول أناشيد كثيرة من أشهرها نشيد مطلعه «يحيا سعد»، تعلّمه الصبية والأطفال وراحوا ينشدونه في الشوارع على أنغام المزامير وقرع الطبول، وتعددت الأناشيد؛ وحين أنشأ الصحفي فكري أباظة نشيد «أبناء الوطن هلمّوا... سيروا إلى الأمام» وسُجِّل ملحناً على أنغام البيانو، أصدرت سلطات الاحتلال حكماً بإعدام الشاعر. وتوالت الأناشيد المتحدية، منها النشيد المشهور الذي ألّفه بديع خيري ورددته الجماهير المصرية مع سيد درويش: «قوم يا مصري... مصر دايماً بتناديك / خد بنصري... نصري دين واجب عليك»، ثم تشكلت لجنة لاختيار نشيد وطني، فوضع أحمد شوقي نشيداً لحّنه سيد درويش: «بني مصر مكانكمُ تهيّأ... فهيا شيدوا للملك هيا»، كما ألّف مصطفى صادق الرافعي نشيداً وطنياً: «اسلمي يا مصر إنا للفدا... ذي يدي إن مدت الدنيا يدا»، ثم تجاوز جميعَ الأناشيد النشيدُ الذي لحّنه سيد درويش من كلمات محمد يونس القاضي: «بلادي بلادي... لك حبي وفؤادي». وفي عام 1935م أُعلِن عن مسابقة لاختيار نشيد وطني جديد، ففاز نشيد «بلادي بلادي فداك دمي... وهبت حياتي فداءً فاسلمي» للشاعر محمود محمد صادق. وعندما قامت حركة الجيش في يوليو 1952م، تصاعدت موجة الأغاني الوطنية؛ لدرجة أن الإذاعة المصرية أنتجت ثمانية وأربعين عملاً غنائياً في أسبوع واحد أثناء معارك العدوان الثلاثي. وحين أُقيم استفتاء حول أجمل هذه الأعمال، كان الأول نشيد «الله أكبر فوق كيد المعتدي»، وتلاه نشيد «والله زمان يا سلاحي... اشتقت لك في كفاحي»، وأصبح لحن الأنشودة الأولى السلام الوطني لليبيا، واللحن الثاني السلام الوطني لمصر. يقارن الكاتب بين تلك القصائد وبعض قصائد الجيل الجديد التي ظهر منها بعد أحداث 25 يناير 2011م؛ فيجد أن القصائد القديمة تسبقها بمراحل كثيرة. قال أحدهم في نشيد: «شهداء 25 يناير... ماتوا في أحداث يناير»، فأين هذه الكلمات من قصيدة أحمد رامي في تحية العلم؟ التي يقول في أحد أبياتها: «خضرةٌ تبعث في النفس الأمل... وهلالٌ ليس يطويه الأجل». أبدع الشعراء في مقاومة المحتل الإنجليزي والتحايل على قوانين الرقابة؛ فعندما قام الإنجليز بخلع الخديوي عباس حلمي ومنعوا ذكر اسمه في الإعلام، كتب سيد درويش دوراً غنائياً من ثمانية أبيات، الحروف الأولى من كل شطر إن اجتمعت شكلت جملة (عباس حلمي خديوي مصر)، ومطلع النشيد: «عواطفك دي أشهر من نار... بس اشمعنى جفيتني يا قلبك». وعندما منع الإنجليز أي نشيد يشيد بالقائد سعد زغلول، صار المصريون يغنون: «يا بلح زغلول... حليوة يا بلح»، وما كانوا يقصدون البلح، ولكن كانوا يكررون اسم الزعيم. عندما وقعت كارثة 1967م، سرعان ما قام الغناء في مصر ببث الأمل والتحدي؛ فغنى محمد عبد الوهاب من كلمات الأخوين الرحباني: «طول ما أملي معايا معايا... وفي إديا سلاح / هفضل أجاهد وأمشي... وأمشي من كفاح لكفاح»، وغنى فريد الأطرش: «لا تقل ضاع الرجاء... إن للباطل جولة». كما رددت الجماهير الأناشيد التي ألّفها أحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام، وتلك التي عرّضا فيها بالزعيمين ناصر والسادات، واشتهرت منها أغنية: «الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا... يا محلا رجعة ضباطنا من خط النار». تحدث بعض المؤلفين، مثل أبي الفرج الأصفهاني، عن العلاقة بين الحكام وأهل الغناء؛ إذ كان مألوفاً أن يلتقي الطرفان في مجالس الأمراء. وقد انتهى هذا العصر في مصر عندما عُوقِب المطرب علي أبو رحاب، مطرب دولة المماليك؛ إذ كانت خطيئته التدخل في السياسة، ولم تَعُد العلاقة بينهما إلا حين تولى حكم مصر حكام يتكلمون العربية بعد عهد الملك فاروق. ويقول الكاتب إنه قد ساد نوع من الطبقية بين الملك فاروق ومطربي عصره، ولكن العلاقة بين الطرفين إثر حركة الضباط الأحرار غلب عليها الود والتكافؤ حتى نهاية عصر السادات. وكانت أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب الأكثر تقرباً للحكم في العصر الملكي. وكان عبد الحليم حافظ يكرر أنه مطرب عصر الثورة، وذلك لأنه بدأ الغناء متأخراً في العهد الملكي، إلا أن له أغنية عنوانها «تهاني» في مديح الملك فاروق. وفي العصر الملكي مُنِحَت أم كلثوم وساماً وحضر الملك إحدى حفلاتها؛ وفي العصر الجمهوري كان بعض القادة يحرصون على حضور حفلات المطربين الثلاثة المشار إليهم وفريد الأطرش، واعتاد عبد الناصر أن يدعو أم كلثوم وعبد الوهاب إلى مقصورته ليسلّم عليهم، وقد منحهم وسام الاستحقاق من الدرجة الأولى، كما كان يسلم على فريد وعبد الحليم ومنحهما وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى. كما ألقت أم كلثوم كلمة ترحيب بعبد الناصر عند حضوره في إحدى حفلاتها وأهدته مصحفاً. وفي العصر الجمهوري عُدّ الغناء سلاحاً من أسلحة الدولة (القوة الناعمة)، ويمكن الاستدلال على ذلك بأغاني عبد الحليم التي تشيد بالسد العالي والأيديولوجيا الاشتراكية، وأغاني فريد الأطرش العديدة التي غناها للوحدة العربية. واشتهر أن السادات كان يميل إلى فريد الأطرش، وربما كان هذا أحد أسباب عدم تسجيل أي لقاء له بعبد الحليم، رغم أن عبد الحليم غنى للسادات أغنيةً شاعت: «عاش اللي قال للرجال عدوا القنال... عاش اللي قال يا مصر ما فيش محال»، بينما قرّب الساداتُ عبدَ الوهاب؛ فقد حضر حفل منح عبد الوهاب الدكتوراه الفخرية، كما حضر حفل منح عبد الوهاب الأسطوانة البلاتينية، واختاره لإعادة توزيع النشيد الوطني ولقيادة فريق الموسيقى الذي عزف السلام الوطني عندما عاد السادات من أمريكا بعد توقيع معاهدة السلام مع الكيان الصهيوني، ومنحه يومها لقب لواء. ورغم ذلك لم يقم عبد الوهاب بتخصيص أي أغنية للسادات؛ إذ يعتقد المؤلف أن عبد الوهاب كان قد تعلم درساً من النقد الذي وُجّه له بعد رحيل عبد الناصر، إذ كان قد غنى احتفالاً بنجاة ناصر في حادثة المنشية أغنية مطلعها «تسلم يا غالي». عندما جاء عهد مبارك، كان الكبار قد رحلوا، وأقفر سوق الغناء إلا من قليل من مطربي الصف الثاني؛ فأغنيات العصر الجديد وُضِعَت لترقص عليها الأقدام والأجسام، وأصبح من المستحيل أن يرتقي غناء كهذا بمؤدّيه كي يُلقى في حضرة الحاكم، ناهيك عن محادثة الحاكم ومجالسته. يناقش المؤلف مدى صدق أم كلثوم عندما غنت للثورة المصرية بعد أن غنت للملك فاروق؛ فيقول إن أم كلثوم لم تكن تخاطب رأس النظام وحده، بل كان غناؤها لكل الشعب، فحين غنت لفاروق كانت شعبيته كبيرة، وحين غنت للثورة كانت قد انعقدت عليها آمال الفلاحين الذين اعتقدوا أنها ستحررهم من الحرمان؛ ويدلل على ذلك بأنها في العصر الملكي غنت لسعد زغلول زعيم الشعب؛ فقد لاحظت في إحدى حفلاتها أن الجمهور بدأ ينصرف، فتوقفت عن الغناء لتستفسر، فقيل لها إن سعد زغلول قد وافته المنية، فتوقفت مدةً عن الغناء مشاركةً للشعب في أحزانه، وعندما عادت للغناء اعتادت أن تفتتح بأغنية: «إن يغب عن مصر سعد... فهو بالذكرى مقيم»، ونالت الأغنية شعبية كبيرة. ولا شك أن البث الإذاعي أسدى خدمة عظيمة لأهل المغنى الذين عاصروه لم تتحقق لمن قبلهم؛ فبعد أن ظهرت أول إذاعة تبث للعامة عام 1920م في بريطانيا، سرعان ما أقام بعض الهواة في مصر بثهم الإذاعي الخاص، ومع الوقت أصبح هناك الكثير من الإذاعات الأهلية المسموعة في مساحات واسعة من البلد، وكانت هذه الإذاعات تشغل الكثير من وقت بثها بالغناء. وفي عام 1932م وصلت هذه الظاهرة إلى أوجها؛ حينذاك قامت الحكومة باحتكار البث الإذاعي على نمط ما حصل في بريطانيا عندما أُقيمت هيئة الإذاعة البريطانية. وللطرافة، فقد مُنِعَت الإذاعات الأهلية من بث ترتيل القرآن الكريم فترةً، ولكنها انتزعت الترخيص بعد ذلك، وصارت تبث تلاوات لكبار المقرئين. بدأت إذاعة «صوت العرب» في عصر اللواء محمد نجيب؛ كان البث لمدة نصف ساعة، ثم شَغَل عدداً أكبر من الساعات. وعند الافتتاح ألقى اللواء نجيب كلمة للأمة العربية تلتها أغنية فلسطين لمحمد عبد الوهاب، ثم كلمة عبد الخالق حسونة الأمين العام للجامعة العربية، وبدأت بإذاعة أغنيات تحت عنوان «أغانٍ يحبها العراقيون» أو السوريون، وهكذا حتى أصبحت تأتيها أغنيات مهداة من الدول العربية فتذيعها، وساهم هذا في التعريف بالأغاني العربية. وفي يومها الثاني أذاعت كلمة لسلطان لحج (اليمن)، كما أجرت مقابلة مع الضباط السعوديين الذين يدرسون في الكلية الحربية المصرية تحدثوا فيها إلى عائلاتهم، وبعد أيام أُذيعت أغنية لليوزباشي طارق عبد الحكيم المطرب السعودي، واليوزباشي كلمة تركية تدل على رتبة عسكرية وكانت تُستخدَم في مصر. وفي فصلٍ عن فريد الأطرش، الذي اشتهر بالغناء على المسرح لقدرته على التواصل مع الجمهور وخاصة عندما يعزف على العود؛ كان الرجل أكثر من أحيا حفلات في القصور الملكية والجمهورية، فقد زار المغرب أيام الاحتلال الفرنسي وسُمِح له بزيارة الملك محمد الخامس الذي كان الفرنسيون يمنعونه من الخروج من القصر، كما أحيا إحدى حفلات عيد ميلاد الملك الحسن الثاني، وعند خروجه من القصر أوقفته أرتال عسكرية كانت تدخل القصر للقيام بانقلاب عسكري. وزار الجزائر أيام الاستعمار الفرنسي؛ إذ كان الجزائريون عاتبين عليه لأنه لم ينزل ببلدهم في رحلته الغنائية على بساط الريح، كذلك زار عدن وغنى فيها أيام الاحتلال الإنجليزي، كما أحيا أعياد الثورة في السودان أيام جعفر نميري. ذكرياتٌ داعبت فكري وظني لست أدري أيّها أقرب مني