السعودية ..

الدولة التي لا تفقد ذاكرتها.

في السياسة الدولية، لا أحد يعترف بأن مواقفه متقلبة، فالجميع يتحدث عن «مواقف ثابتة»، و عن «مبادئ راسخة»، و عن «التزامات لا تتبدل»، لكن الاختبار الحقيقي للموقف لا يكون يوم إعلانه، بل بعد عشرين و خمسين و ثمانين عاماً من إعلانه. كم موقفاً سياسياً في العالم يستطيع أن ينجو من تغيّر الحاكم، و الحكومة، و التحالفات، و الحروب، و موازين القوى؟ هنا تكمن المفارقة، فحين تتصفح سجل المواقف الدولية الكبرى، تكتشف كم كان منها مجرد «موقف مرحلة»، صيغ بلغة المبادئ، لكنه رُهن بمصالح اللحظة، و حين انتهت اللحظة، انتهى الموقف. أما حين تقرأ الموقف السعودي في قضاياه الكبرى، فأنت أمام ظاهرة مختلفة، ظاهرة يمكن وصفها بأنها «ذاكرة سياسية للدولة» لا تسقط بتغيّر العهود. حين لا يبدأ التاريخ من جديد: في دول كثيرة، تبدأ السياسة الخارجية صفحة جديدة مع كل حكومة، يُعاد تعريف الأولويات، و تُرسم التحالفات من جديد، و يُعاد التفاوض حتى على المبادئ، كأن الدولة لا تملك ذاكرة، و كأن كل عهد يولد بلا تاريخ. أما في المملكة العربية السعودية، فالموقف في القضايا الكبرى لا ينتهي بانتهاء عهد، لأنه موقف دولة لا موقف حاكم، و لهذا يتعاقب الملوك، و تتغير الحكومات في العالم، و تتبدل موازين القوى، بينما تبقى الثوابت السعودية في القضايا الكبرى قائمة، حتى ليبدو بعضها كأنه ميثاق سياسي غير مكتوب تتوارثه الدولة جيلاً بعد جيل. تتغير القيادة، و تتغير الأدوات، و يتغير العالم من حول المملكة، لكن الدولة لا تبدأ ذاكرتها السياسية من الصفر مع كل عهد. فلسطين .. الاختبار التاريخي الممتد: لو أردنا أن نختبر هذه الفكرة، فالقضية الفلسطينية هي الاختبار الأصدق، ذلك أن الموقف السعودي من فلسطين ليس موقفاً من حرب غزة وحدها، و لا من حدث سياسي عابر، هذا الموقف أقدم من الحرب، و أقدم من حكومات كثيرة جاءت و ذهبت، و سبق كثيراً من التحولات التي أعادت تشكيل النظام الدولي نفسه. من عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود ـ طيب الله ثراه ـ الذي وقف مع الحق العربي في وقت كانت فيه المنطقة كلها تعاد صياغتها وفق مصالح القوى الكبرى، ثم جاء الملك فيصل بن عبدالعزيز ـ رحمه الله ـ الذي وضع ثقل المملكة خلف القضية في مرحلة كانت فيها الحسابات الدولية معقدة و الضغوط هائلة، ثم يمتد الموقف إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، و ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، حيث يستمر جوهر الموقف نفسه في زمن مختلف تماماً، و بأدوات تنتمي إلى زمنها. و ليست القيمة في كل محطة من هذه المحطات منفردة، بل في الخط الذي يصل بينها، فالملك فيصل لم يبدأ الموقف السعودي من فلسطين من الصفر، كما أن الموقف السعودي اليوم لا يولد من جديد، و هنا تحديداً تظهر ذاكرة الدولة. و اليوم، حين تؤكد المملكة تمسكها بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، و حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، فإنها لا تؤسس موقفاً جديداً، بل تواصل موقفاً امتد عبر عقود. لماذا يحدث ذلك؟ .. بين الثابت و الأداة: قد يتساءل البعض: كيف تستطيع دولة أن تحافظ على ثباتها في عالم لا يكاد يستقر على حال؟ الإجابة تكمن في قدرة السياسة السعودية على التفريق الدقيق بين «الثابت» و «الأداة»، فالمبادئ الكبرى لا تدخل غرفة المساومة، بينما التكتيكات و الوسائل تتطور مع كل مرحلة. المملكة لا تفهم المرونة باعتبارها حقاً في تبديل المبادئ، بل باعتبارها قدرة على ابتكار وسائل جديدة لحمايتها، و لهذا قد تتغير لغة الدبلوماسية، و شكل التحالف، و أداة التأثير، بينما يبقى الخط الذي يحكم القرار واضحاً. إن الثبات هنا ليس جموداً، بل هو حكمة مؤسسية تعرف أن الوسائل تتغير لكن الغايات تبقى، و هذه الحكمة هي التي تجعل الموقف السعودي قابلاً للاستمرار عبر أجيال مختلفة، لأن كل جيل لا يحتاج إلى إعادة اختراع المبادئ، بل يحتاج فقط إلى تطوير الأدوات المناسبة لعصره. الثبات كأصل من أصول القوة الوطنية: هنا نصل إلى النقطة الأعمق، إن الثبات السعودي ليس مجرد قيمة أخلاقية، بل هو أصل من أصول القوة الوطنية، فالحليف حين يعرف أنك لا تتخلى عن كلمتك يثق بك، و الخصم حين يعرف أنك لا تتراجع عن خطوطك يحسب لك حساباً، و بين ثقة الأول و حساب الثاني، تولد الهيبة السياسية للدولة. هذه الثقة المتراكمة لا تصنعها البيانات، و لا تشتريها الحملات الإعلامية، إنها نتيجة طبيعية لعقود من المواقف التي صمدت أمام الاختبارات، و لذلك استطاعت المملكة أن تحافظ على علاقاتها الدولية المتعددة، و أن تتحدث مع الأطراف المختلفة، و أن تقوم بأدوار الوساطة في نزاعات إقليمية و دولية، من دون أن تفقد استقلال قرارها أو تتخلى عن مبادئها، هذه معادلة صعبة لا تستطيعها إلا دول تملك ذاكرة سياسية طويلة النفس. و ليست هذه الثقافة السياسية طارئة على دولة جعلت الإسلام مرجعيتها منذ تأسيسها، فالوفاء بالعهد هنا ليس فضيلة دبلوماسية مستوردة، بل قيمة أصيلة سبقت قيام النظام الدولي الحديث نفسه، و لهذا لا تقف المصلحة في التجربة السعودية نقيضاً للمبدأ، بل تتحرك السياسة في المساحة التي تحفظ مصالح الدولة من دون أن تفقدها تعريفها لنفسها. حين يصبح التراجع مغرياً: الدول لا تُختبر حين تعلن مواقفها، بل حين يصبح التراجع عنها مغرياً. فحين تشتد الأزمات، و تتصارع المصالح، و تتغير موازين القوى، هناك دول تكتشف أن مواقفها كانت مجرد كلام، و هناك دول تكتشف أن مواقفها كانت تعبيراً عن كيانها ذاته. و هنا يظهر الفارق بين موقف فرضته الظروف، و موقف صنعته هوية الدولة. السعودية ليست دولة تعيد تعريف نفسها مع كل أزمة، بل دولة تحمل ثوابتها معها من عهد إلى عهد، و لهذا حين تقول الرياض إن موقفها ثابت، فهي لا تتحدث عن مزاج حكومة أو حسابات مرحلة، بل عن ذاكرة دولة تعرف نفسها، و لا تحتاج كل صباح إلى أن تقرر من تكون. خط أخضر : في السعودية تتغير الأزمنة .. و تتبدل الأدوات .. و تتعاقب الأجيال .. لكن الدولة لا تفقد ذاكرتها.