هل اختفت الرواية البوليسية العربية؟

يعود البعض ببدايات الروايات البوليسية إلى قَصّة “التفّاحات الثلاث” في كتاب “ألف ليلة وليلة”، وفيها يعثر صيّادٌ على صندوق مُقفل وثقيل في نهر “دِجلة”، ويشتري الخليفة العباسي الصندوق من الصيّاد، ويأمر بفتحه فيجد فيه جثّة امرأة مقتولة، فيأمر وزيره بأن يكشف له سِرّ الجريمة والعثور على القاتل في غضون ثلاثة أيام وإلا أمر بقتله. وبينما يرى بعض النقّاد الغربيين أن الرواية البوليسية وُلدت مع الكاتب الإغريقي “سوفوكليس” في مسرحيّته “أوديب مَلِكاً”، وفيها يؤدي “أوديب” دور المُحقّق في جريمة مقتل والده ملِك “طيبة”. فإن هناك من ينسب نشوء الرواية البوليسية في الغرب إلى الكاتب الفرنسي “فولتير” في روايته “زاديج”، التي صدرت سنة 1747، وفيها محاولة حقيقية لتحليل الجريمة ودوافعها. وقد أجمع كثيرون أن الأمريكي “إدجار ألان بو” هو المؤسّس الأول للرواية البوليسية بروايته “حوادث القتل في شارع مستودع الجُثث”، التي نشرها سنة 1841، مع أنه ابتعد فيها عن الخيال، لأنها تقوم على حادثة حقيقية. وظهر “تشارلز ديكنز” في بريطانيا عام 1852 بروايته “البيت الكئيب”، التي تدور أحداثها حول مُحامٍ قُتل في مكتبه في ساعةٍ مُتأخّرة من الليل، وظهر عددٌ من الأشخاص على الدّرج المؤدّي إلى مكتبه في تلك الليلة، وكان على المُحقّق أن يصل إلى معرفة القاتل.. وبذلك بدأ يظهر ما يُسمّى بأدب الجريمة، والذي تطوّر فيما بعد، وخرجت من عباءته روايات الجاسوسية. ثم ابتكر “آرثر كونان دويل” شخصية “شارلوك هولمز” سنة 1887، وهو أشهر مُحقّق جنائي في الرواية البوليسية، وكان يمتلك ثقافة جبّارة ومقدرة فائقة على الاستفادة من أدقّ التفاصيل لاستنتاج الحقائق، وخبرة ممتازة في حلّ أعقد الألغاز. وارتبط العصر الذهبي للرواية البوليسية بظهور “أجاثا كريستي” في منتصف القرن العشرين، وكانت غزيرة الإنتاج وكتبت سلسلة روايات أبطالها مُحقّقون جنائيون، واتّسمت تلك الروايات بالصعوبة لدرجة كانت تُحيّر القُرّاء في اكتشاف اللغز. ولكن في النصف الثاني من القرن العشرين جرتْ أحداثٌ زلزلت العالم، فتراجعت مكانة الرواية البوليسية ولكنها لم تنتهِ، ففي التسعينيات برز الفرنسي “دان براون” برواياته البوليسية، لكنه لم يُحقّق نجاحاً تجارياً إلا عندما نشر في عام 2003 روايته الشهيرة “شيفرة دافنشي”. تتناول الرواية البوليسية بشكلٍ عام اكتشاف أحد رجال الشرطة أو المُحقّقين جريمة ما، وفي هذا النوع من الأعمال يُقدّم الكاتب حلّ لُغز الجريمة بطريقة مشوّقة تُثير فُضول القاريء.. كما أن غالبية هذه الروايات ذات نمطٍ واحد؛ حيث يتتبّع المُحقّق مفاتيح لُغز الجريمة، وقد يكتشف جرائم أخرى في الطريق، وتبلغ القِصّة ذروتها عندما يكشف المُحقّق عن هويّة المُجرم، فيعرف القاريء كيف تمّ حلّ اللغز.. وينظر القُرّاء إلى هذا النمط من الكتابة، على أنهم يخوضون معركة ذكاء بينهم وبين المُحقّق. وقد عرفت المكتبة العربية الرواية البوليسية عن طريق الترجمة، وعايش القُرّاء شخصياتٍ مثل “شارلوك هولمز” و”أرسين لوبين” و”جيمس بوند”، ولكن هذا الفن لم يُكتب له الذيوع والانتشار في العالم العربي إلا في مرحلةٍ مُتأخّرة، ومن القلائل الذين كتبوا هذا النمط “محمود سالم” بسلسلة رواياته “المُغامرون الخمسة”، والكاتب “أحمد خالد توفيق” بسلسلة رواياته “ما وراء الطبيعة”، وكذلك الروائي السعودي “مُنذر القبّاني” الذي كتب روايتين بوليسيّتين هُما “حكومة الظلّ” و”عودة الغائب”. يرى البعض بأن هذه الكتابات ترتبط بفئاتٍ عُمرية مُحدّدة، وتفتقر إلى جماليات اللغة، إلى حدّ وصف مُعجمها بالفقر، ولم ينتشر هذا النمط عربيّاً على نحوٍ واسع لأن أغلب الكُتّاب يفتقدون الثقافة القانونية. ومع أنه لم يكُن مُستهجناً أن يكتب هذا النمط كُتّابٌ كبار في الغرب، إلا أن المُثير للدهشة أن كُتّاباً عرباً يكتبون الرواية البوليسية، وحين تعريفهم بهذا النمط من الكتابة يرفضون أن تكون لهُم علاقة به، إذ تضعُه هذه الصّفة حسب رأيهم في خانة كُتّاب من الدرجة الثانية.. ومنهم الكاتب “أحمد مُراد”، صاحب “فيرتيجو” و”تُراب الماس”، وهُما روايتان بوليسيّتان بامتياز! وربما جادل البعض بأن هندسة الرواية البوليسية الغربية هي نتاجُ رؤية الثقافة الغربية للعالم والكون، خاصّة بعد الثورة الصناعية والاكتشافات العلمية، ولذلك تبدو مُتناقضةً مع رؤية الثقافة العربية؛ إذ أن الثقافة المتوارثة هي ثقافة الشّعر والبلاغة، وهي ثقافة لا يمكن أن تصمد أمام المنطق الذي يحكم بناء الرواية البوليسية أو هندستها العقلية. يُضاف إلى هذه الأسباب، أن الجيل الحالي ينتمي إلى ثقافةٍ بصرية، ولديهم انفتاحٌ على السينما العالمية والأفكار الجديدة، بفضل تطوّر وسائل التلقّي والاتّصال، من دون انتظار رواياتٍ ربما تأتي مُتأخّرةً دائماً؛ لأنهم يعيشون في قلب العالم ولحظات تطوّرانه ومُتغيّراته.