بين المعرفة والمكانة.
لم تكن القراءة بالنسبة لي -يوماً- طريقاً إلى مكانة. لم أفتح كتاباً لأنني أردت أن أقول إنني قرأته، ولم أفكر يوماً في عدد الكتب التي يمكن أن أضيفها إلى قائمة طويلة لأشعر بأنني أكثر ثقافة. بدأت علاقتي بالكتب بطريقة أبسط بكثير؛ من المتعة التي كنت أشعر بها وأنا أقرأ، ومن فضول صغير كان يكبر كلما اكتشفت أن العالم أوسع بكثير مما أعرفه. لطالما شعرت أن أجمل ما يمكن أن يقدمه الإنسان لنفسه هو أن يتعلم، أن يظل لديه فضول تجاه الأشياء، وأن يسأل حتى عن تلك الأمور التي يعتقد أنه يعرفها جيداً. وربما لهذا السبب لم أفكر في القراءة بوصفها شيئاً يمنحني مكانة، بل شيئاً يضيف إليّ أنا، حتى لو لم يعرف أحد ماذا قرأت، أو كم كتاباً أنهيت، أو ما الذي توقفت عنده طويلاً في إحدى الصفحات. لكن مع الوقت، وخصوصاً عندما اقتربت أكثر من مجموعات ونوادي القراءة، بدأت أرى علاقتنا بالكتب من زاوية أخرى. اكتشفت أن الناس لا يأتون إلى هذه المساحات للأسباب نفسها. هناك من يأتي لأنه يحب الكتب فعلاً، وهناك من يبحث عن أشخاص يشبهونه، ومن يريد أن يجد مكاناً يشعر فيه بأنه ينتمي، وهناك أيضاً من يبحث، ربما دون أن ينتبه، عن مساحة يكون فيها مسموعاً، أو عن جمهور يمنحه شعوراً لم يجده في مكان آخر. ولا أجد في الرغبة في الانتماء شيئاً سيئاً. على العكس، أعتقد أننا جميعاً نبحث -بطريقة أو بأخرى- عن مكان نشعر فيه بأننا مفهومون، عن أشخاص يمكن أن نتحدث معهم عن الأشياء التي نحبها، دون أن نضطر إلى شرح سبب حبنا لها. لكن ما يجعلني أتوقف أحياناً هو اللحظة التي يصبح فيها الانتماء أهم من الكتاب نفسه؛ حين يصبح الحضور أهم من المعرفة، والصورة أهم من الفكرة، وحين ننشغل بمن يتحدث أكثر، بدل أن نسأل: من لديه شيء يستحق أن نصغي إليه؟ ربما لأنني أرى أن أجمل ما يحدث في مجموعات القراءة لا علاقة له بعدد الكتب التي نقرأها، ولا بعدد الأشخاص الذين يعرفون أسماءنا. أجمل ما يحدث هو أن نجلس حول كتاب واحد، ثم نكتشف أننا لم نقرأ الكتاب نفسه بالطريقة ذاتها. قد أرى في شخصية ما شيئاً لا يراه الآخر، وقد يلفت أحدهم انتباهي إلى جملة مررت عليها سريعاً، فأعود إليها وأتساءل: كيف لم أتوقف أمامها من قبل؟ وأحياناً أخرج من النقاش وأنا أفكر في رأي كنت أرفضه تماماً قبل ساعة. بالنسبة لي، هذه هي اللحظة التي تصبح فيها مجموعة القراءة ذات معنى. فالقراءة لا تعلمنا كيف نتحدث فقط، بل -ربما- تعلمنا شيئاً أصعب: كيف نصغي؛ أن تستمع إلى شخص يرى العالم بطريقة لا تشبه طريقتك، دون أن تقضي الوقت كله في إعداد إجابتك عليه، وأن تحاول، ولو للحظات، أن ترى الفكرة من مكانه هو، حتى لو بقيت مختلفاً معه في النهاية. لهذا أحب أن أفكر في مجموعات القراءة بوصفها مساحات إنسانية قبل أن تكون ثقافية. فالكتاب يستطيع أن يجمع حول طاولة واحدة أشخاصاً ربما لم يكن بينهم شيء مشترك، لولا وجوده؛ أشخاصاً مختلفين في أعمارهم وتجاربهم وأفكارهم، ثم يمنحهم نقطة صغيرة يلتقون عندها؛ مثل جملة قد تأخذ الحديث إلى مدينة لم نزُرها، أو شخصية روائية قد تجعل أحدهم يتذكر شيئاً عاشه قبل عشرين عاماً، أو كلمة عابرة قد تفتح حكاية شخصية لم يكن أحد يتوقع سماعها عندما بدأ اللقاء. وربما لهذا السبب، يؤسفني حين تتحول بعض هذه المساحات إلى أماكن لإثبات الذات، أو إلى مسرح صغير يؤدي فيه البعض أدواراً كانوا يتمنون أن يؤدوها في مكان آخر؛ لأن الكتاب في تلك اللحظة يتراجع إلى الخلف، ويصبح مجرد خلفية للمشهد. وكلما فكرت في ذلك، أتذكر لوحات “رامبرانت” التي يظهر فيها الإنسان غارقاً في القراءة والتأمل. أحب طريقته في رسم الضوء وهو يسقط على الوجه، أو على صفحات كتاب، بينما يبتلع الظلام بقية المشهد. قارئ وحيد. كتاب مفتوح. ضوء خافت لا جمهور ينتظر منه أن يقول شيئاً مدهشاً، ولا أحد يعرف أصلاً ماذا يقرأ. ومع ذلك، يبدو أن شيئاً مهماً يحدث في تلك اللحظة. أحب هذه الصورة؛ لأنها تعيدني إلى علاقتي الأولى بالقراءة، قبل أن أعرف نوادي الكتب والنقاشات والفعاليات وكل ما يأتي بعدها. تلك اللحظة البسيطة التي يكون فيها الإنسان وحده أمام الكلمات. فنحن قد نتشارك ما قرأناه لاحقاً، وقد نتحدث عنه لساعات، وقد نختلف حوله، لكن هناك جزءاً من القراءة لا يستطيع أحد أن يشاركنا فيه بالكامل. لا أحد يعرف لماذا توقفت أمام جملة معينة، أو لماذا أوجعتني شخصية لم يتأثر بها غيري، أو لماذا أعادت إليّ كلمة واحدة ذكرى كنت أظن أنني نسيتها. ربما هنا، بالنسبة لي، يكمن الفرق بين المعرفة والمكانة قد يجلس شخصان حول الطاولة نفسها، يحملان الكتاب نفسه، ويتحدثان عنه في اللقاء نفسه. أحدهما يبحث في الكتاب عن شيء يضيفه إلى داخله، والآخر يبحث فيه عن شيء يضيفه إلى صورته أمام الآخرين ومن الخارج قد لا نلاحظ الفرق. لكنه يظهر مع الوقت؛ يظهر في طريقة الحديث، وفي القدرة على الإصغاء، وفي تقبّل الاختلاف، وربما أكثر ما يظهر في القدرة على قول جملة بسيطة جداً: لم أفكر في الأمر بهذه الطريقة من قبل أحب هذه الجملة أكثر من كثير من العبارات الكبيرة التي يمكن أن نقولها عن الكتب؛ لأنها تعني أن شيئاً ما تحرك في داخلنا، ولو قليلاً ،ولا أعرف إن كانت القراءة تجعلنا أشخاصاً أفضل بالضرورة. لا أعتقد ذلك. فقد يقرأ الإنسان مئات الكتب، ويبقى أسير الأفكار نفسها. وقد يعرف أسماء الفلاسفة والروائيين، ولا يتعلم كيف يستمع إلى إنسان يجلس أمامه. الكتب لا تمنحنا الحكمة لمجرد أننا قرأناها. لكن ربما تمنحنا فرصة لأن نشك قليلاً في يقيننا، وأن نرى الحياة من نافذة لم نقف أمامها من قبل، وأن نكتشف أن العالم لا يبدأ من تجربتنا، ولا ينتهي عندها. وفي النهاية، حين أغلق كتاباً، لا يهمني كثيراً أن يعرف الآخرون أنني قرأته. ما يعنيني أكثر هو ذلك الشيء الصغير الذي بقي منه في داخلي: فكرة لم تكن موجودة، سؤال لم يخطر لي من قبل، جملة سأعود إليها بعد سنوات، أو نظرة إلى العالم لم تعد تماماً كما كانت. وربما هذه هي المكانة الوحيدة التي أريدها من القراءة: أن أخرج من الكتاب وأنا أعرف شيئاً لم أكن أعرفه، أو أرى شيئاً لم أكن أراه. لا أن أخرج منه وأنا أنتظر أن يعرف الآخرون أنني قرأته. *كاتبة من البحرين