تحتفظ الجامعات الكبرى بأسماء كثيرة؛ أساتذة، وباحثين، وزائرين، ومحاضرين. غير أن الذاكرة الأكاديمية لا تُبقي إلا أولئك الذين يضيفون إلى المعرفة زاوية نظر جديدة. فالعلوم الإنسانية لا تنمو بكثرة الكتب وحدها، وإنما تتقدم كلما ظهر من يعيد ترتيب الأسئلة القديمة، ويمنحها حياة أخرى. وفي هذا الأفق يمكن قراءة تجربة الدكتورة منيرة الغدير؛ تجربة انشغلت بالثقافة بوصفها كائناً حيّاً، يتحرك مع البشر، ويتغير معهم، ويكشف ملامحهم حتى في أكثر التفاصيل خفاءً. اللغة، في تصورها، ليست أصواتاً تنتظم في جمل، ولا مفردات تعثر لها المعاجم على مرادفات. اللغة بيتٌ تسكنه الذاكرة، وتحفظ بين جدرانه صور الطفولة، وإيقاع المدن، وأشكال الفرح، وطرائق الحزن، وما اعتاده الناس من أسماء للأشياء. وكل نص يغادر لغته الأولى يحمل هذا الإرث معه، سواء أدرك القارئ ذلك أم لم يدركه. ومن هنا اكتسبت الترجمة، في أعمالها، قيمة تتجاوز الوساطة اللغوية، لتغدو قراءة ثانية للعالم. هذه الفكرة صاحبتها منذ دراساتها العليا في جامعة كاليفورنيا/بيركلي، ثم اتسعت في محطاتها الأكاديمية اللاحقة، سواء خلال عملها أستاذاً زائراً في جامعة كولومبيا، أو أستاذ كرسي في الأدب المقارن والنظرية في جامعة هارفارد، إضافة إلى رئاستها لقسم اللغات الأجنبية في كلية الآداب والعلوم في جامعة قطر، وصولاً إلى رئاسة «كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات» في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. أسماء الجامعات هنا تحضر بوصفها فضاءات للحوار العلمي، أما القيمة الحقيقية فتستقر في الأسئلة التي حملتها معها، وفي الطريقة التي واصلت بها تطويرها عبر البحث والتدريس والكتابة. لا يثير الأدب اهتمامها باعتباره إنتاجاً جمالياً فحسب، بقدر ما كان سجلاً مفتوحاً لحركة المجتمعات. ففي الرواية تعيش التحولات الاجتماعية، وفي القصيدة تتردد صورة الإنسان عن ذاته، وفي الحكايات الشعبية تبقى آثار الأزمنة التي عبرت، حتى بعد أن يغيب أصحابها. ولهذا يصبح التعامل مع النصوص أقرب إلى قراءة طبقات متراكمة من الخبرة الإنسانية، لا إلى تفكيك تراكيب لغوية معزولة عن سياقها. ومن هذا الإدراك جاءت عنايتها بالدراسات الثقافية والأدب المقارن. فالثقافات، في نظرها، لا تعيش داخل حدود سياسية، ولا تنغلق داخل لغة واحدة. الأفكار تعبر البحار، والصور البلاغية تنتقل من شعب إلى آخر، والأساطير تغيّر أسماءها كلما دخلت أرضاً جديدة، بينما تواصل الاحتفاظ بجوهرها الإنساني. وما يبدو متباعداً في الظاهر، تكشف القراءة المتأنية عن وشائج عميقة تربطه بغيره. هذا الوعي منح إنتاجها الأكاديمي قدرة على مخاطبة جمهور متنوع، عربياً ودولياً، لأن موضوعه يتصل بتجربة إنسانية مشتركة. فكل مجتمع يعرف معنى أن يحاول التعبير عن نفسه، وكل ثقافة تبحث عن لغة تشرح بها صورتها أمام الآخرين. وعند هذه النقطة يلتقي البحث العلمي مع الحاجة الإنسانية إلى الفهم، ويتحول العمل الأكاديمي إلى مساهمة في بناء معرفة أكثر اتساعاً وعدلاً. تاريخ الفكر يخبرنا أن أكثر لحظات الازدهار ارتبطت بحركة الترجمة. هكذا ازدهرت بغداد في العصر العباسي، وهكذا تشكلت النهضة الأوروبية، وهكذا استمرت الحضارات في تبادل خبراتها عبر القرون. غير أن الترجمة التي تستوقف منيرة الغدير لا تقف عند نقل الكتب، بل تمتد إلى نقل طرائق التفكير نفسها، وإلى كشف الخلفيات التي أنتجت النصوص، حتى يصل القارئ إلى المعنى وهو يدرك الطريق الذي سلكه المعنى قبل أن يصل إليه. لهذا تبدو الكتابة لديها مقاومة دائمة للاختزال. فالمجتمعات لا تُفهم من خلال صورة عابرة، ولا من خلال حدث منفرد، كما أن الثقافة لا تختصرها عبارة رائجة أو فكرة متداولة. كل مجتمع يحمل داخله تنوعاً هائلاً، وكل نص يفتح أبواباً على نصوص أخرى، وكل قراءة تمنح العمل الأدبي حياة جديدة تختلف عن القراءة السابقة. ذلك ما جعل حضورها في الجامعات العالمية امتداداً طبيعياً لاهتماماتها، لا انتقالاً من مكان إلى آخر. فالمؤسسة الأكاديمية، مهما بلغ شأنها، تظل إطاراً يحتضن الأفكار، بينما يبقى التأثير الحقيقي رهيناً بقدرة الباحث على إثراء النقاش العلمي، وإضافة ما يستحق أن يبقى بعد انتهاء المحاضرات وإغلاق قاعات الدرس. ولأن المعرفة تتقدم بالحوار، فقد بدا عملها في كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات مساحة رحبة تجمع باحثين ينتمون إلى بيئات مختلفة، لكنهم يشتركون في الإيمان بأن التفاهم يبدأ من حسن القراءة. ليست قراءة الكلمات وحدها، وإنما قراءة التاريخ، والعادات، والرموز، والخيال الجمعي، وكل ما يصنع شخصية المجتمع. وعندها تتحول الترجمة إلى جسر متين، لا تعبره النصوص وحدها، فقد تعبر عليه الخبرات الإنسانية أيضاً. ويمثل حضور منيرة الغدير وجهاً آخر من وجوه التحول الثقافي الذي تشهده المملكة العربية السعودية، حيث بات الاستثمار في المعرفة جزءاً أصيلاً من مشروعها الوطني. فالجامعات، ومراكز الأبحاث، والمؤسسات الثقافية، لم تعد تكتفي بإعداد الكفاءات، بل أصبحت تشارك في إنتاج المعرفة، وإيصالها إلى العالم، وإقامة شراكات علمية تتجاوز الحدود الجغرافية. وسط هذا الحراك، يكتسب وجود باحثة سعودية في موقع دولي معني بترجمة الثقافات معنى يتجاوز الإنجاز الشخصي. فهو يعكس حضوراً علمياً قادراً على المشاركة في صياغة النقاشات الفكرية العالمية، ويؤكد أن الثقافة العربية تمتلك ما تضيفه إلى الحوار الإنساني، لا ما تكتفي بالدفاع عنه. تجربة منيرة الغدير تذكّر بأن الثقافة ليست ترفاً، لكنها واحدة من أكثر القوى بصمة في تشكيل صورة الشعوب عن نفسها وعن غيرها. فالسياسة تعالج المصالح، والاقتصاد يدير الموارد، أما الثقافة فتصوغ الوعي الذي يحدد طريقة النظر إلى العالم. وكلما ازدادت مساحات الفهم، تراجعت مساحات الالتباس، واتسعت فرص التعاون. لهذا تستحق منيرة الغدير التوقف عند تجربتها، كونها إحدى الشخصيات السعودية التي اختارت أن تجعل المعرفة ميدان عملها، وأن تفتح أبواب الحوار بين اللغات والثقافات من موقع الباحث الذي يؤمن بأن الإنسان يبقى القاسم المشترك الأكبر بين الحضارات كلها. وفي عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتعاقب فيه التحولات، تظل الأفكار العميقة أقدر على البقاء من الصراخ العابر، لأنها تؤسس لذاكرة طويلة، وتمنح الأجيال المقبلة مادة جديدة للتفكير، ومساحة أوسع لفهم الذات والآخر. (*) كاتب وصحافي سعودي