قراءة في فيلم Beautiful Boy

حين لا يكفي الحب.

في أحد مشاهد الفيلم، نرى ديفيد شيف مثقلًا بما آل إليه ابنه، ثم تقتحم الحاضرَ صورة أخرى لنِك في زمن سابق؛ ذلك الفتى الذي كان قريبًا من أبيه، قبل أن يدخل الإدمان بينهما ويعيد ترتيب حياتهما كلها. لا يقدم الفيلم دائمًا مقدمات واضحة لهذه القفزات. يترك الحاضر فجأة، ويأخذنا إلى زمن كان فيه كل شيء ممكنًا. وهذه القفزات ليست تقنية مونتاج عابرة. إنها، في ظني، الفيلم كله. فـBeautiful Boy، الصادر عام 2018، والمبني على تجربة حقيقية عاشها الكاتب الأمريكي ديفيد شيف مع ابنه نِك، وعلى كتابين كتبهما الأب والابن، كل من زاويته، لا يروي حكايته بترتيب زمني مستقيم. يتنقل بين حاضر مثقل بالإدمان وماضٍ ما زالت البراءة تسكنه، وكأنه يرفض أن يمنحنا ابنًا واحدًا مستقرًا نتعرف إليه ونطمئن. وهذا بالضبط ما يفعله العقل حين يحب إنسانًا يراه يسقط؛ لا يستطيع أن يراه كما هو الآن فقط، فتقتحمه صورته القديمة بلا استئذان. ديفيد أب يحب ابنه. ولعل هذه أبسط جملة يمكن أن تقال عن الفيلم، لكنها أيضًا أكثرها أهمية. فهو ليس أبًا غائبًا حتى نقول إن الغياب فعل فعلته، ولا أبًا قاسيًا فنضع اللوم على القسوة ونرتاح. نراه قريبًا من ابنه؛ يتحدثان، ويستمعان إلى الموسيقى، ويتشاركان أشياء صغيرة لا تبدو مهمة حين تحدث، لكنها تصبح مؤلمة جدًا حين نستعيدها بعد أن يتغير كل شيء. ثم دخل المخدر بينهما. ولم يدخل كما تدخل الكوارث في الأفلام، بباب يُكسر وصراخ وموسيقى منذرة. تسلل بهدوء، وأخذ من نِك شيئًا بعد شيء، حتى وجد الأب نفسه أمام ابن يعرف ملامحه جيدًا، ولا يعرف الرجل الذي صار إليه. ومن هنا تبدأ رحلة مرهقة من العلاج، والمصحات، والوعود، والانتكاسات، والعودة إلى البيت، ثم الاختفاء، ثم العودة من جديد. والفيلم لا يقدم هذه الرحلة بوصفها طريقًا مستقيمًا من المرض إلى الشفاء. إنها أقرب إلى دائرة؛ يتحسن نِك، فنطمئن، ثم ينتكس، ويبدأ كل شيء مرة أخرى. حتى إن المشاهد نفسه يبدأ يشعر بما يشعر به الأب: أن الزمن هنا لا يتقدم... بل يدور. وأنا أب، أعرف أن الأب لا يرى ابنه بالعمر الذي تقوله بطاقة هويته. قد يصبح الابن رجلًا، له حياته وقراراته وأخطاؤه، لكن شيئًا منه يظل طفلًا في عين أبيه. وربما تكفي حركة صغيرة، أو ضحكة، أو طريقة في الكلام، حتى تسقط السنوات كلها فجأة، ويعود ذلك الطفل الذي كنت تمسك بيده وهو يعبر الطريق. ولهذا أفهم تمامًا لماذا يصر الفيلم على العودة إلى الماضي. الحاضر يقول لديفيد: هذا ابنك الآن. والذاكرة تقول له: لكنه كان هذا أيضًا. وهذا ما أوجعني فيه أكثر من أي شيء آخر. كان ديفيد ينظر إلى نِك كما أصبح، لكنه لا يستطيع أن ينسى نِك الذي كان. وهنا يصبح السؤال أشد قسوة: كيف تترك ذلك الطفل يسقط؟ مع أنه لم يعد طفلًا. أظن أن كثيرًا من الآباء يعرفون هذا المأزق، حتى بعيدًا عن الإدمان. حين يخطئ الابن، أو يختار طريقًا لا نريده له، أو يصر على قرار نرى نهايته قبله، تتحرك في داخلنا غريزة قديمة: أن نحميه. لكن إلى أي حد؟ ومتى تتحول الحماية إلى محاولة للعيش نيابة عنه؟ الفيلم لا يعطينا إجابة سهلة، وهذا مما أحببته فيه. ديفيد يحاول. يبحث، ويسأل المختصين، ويقرأ عن الإدمان، ويعيد ابنه إلى العلاج، ويستقبله بعد الانتكاسة، ثم يبدأ معه مرة أخرى. وفي إحدى اللحظات يسمع حقيقة قاسية عن ضآلة فرص التعافي من إدمان الميثامفيتامين مقارنة بما كان قد قيل له من قبل. ليس أمامه شرير يستطيع أن يهزمه. ولا باب يستطيع أن يكسره ليستعيد ابنه. أمامه مرض، وابن يحبه، وإرادة لا يملكها. ومع كل محاولة يتسلل إليه سؤال يعرفه الآباء جيدًا: أين أخطأت؟ وهذا السؤال قاسٍ لأنه لا يبحث دائمًا عن إجابة؛ أحيانًا يبحث عن متهم. ونحن الآباء بارعون في محاكمة أنفسنا بأثر رجعي. نعرف النتيجة، ثم نعود إلى الماضي ونطالب الرجل الذي كنا عليه آنذاك بأن يعرف ما نعرفه اليوم. لكن الأبناء ليسوا مشاريع نضع لها خطة ثم نضمن نتائجها. نمنحهم ما نستطيع من الحب والتربية والأمان، ونحاول أن ندلهم على الطريق، ثم تأتي لحظة مؤلمة علينا أن نعترف فيها بأن لهم إرادة مستقلة عنا، وأن الحياة التي ستُكتب لهم لن تكون كلها من تأليفنا. ولعل جبران خليل جبران لامس هذه الحقيقة منذ أكثر من قرن، حين كتب عن الأبناء أنهم يأتون إلى الحياة من خلالنا، لكنهم ليسوا ملكًا لنا؛ نستطيع أن نمنحهم محبتنا، لكننا لا نستطيع أن نعيش حياتهم عنهم. نقرأ كلامًا كهذا فتعجبنا حكمته، وربما نهز رؤوسنا موافقين، لكن امتحانه الحقيقي لا يكون والأبناء يسيرون في الطرق التي اخترناها لهم. يبدأ الامتحان حين يختار الابن طريقًا آخر. عندها فقط نكتشف كم هو صعب أن نؤمن بأن أبناءنا ليسوا لنا، ونحن الذين أحببناهم كما لو أنهم جزء منا. وهنا أخذني Beautiful Boy إلى منطقة أخرى. ربما لا تكون أصعب صور الحب أن تتمسك بمن تحب. ربما تكون أحيانًا أن تعرف متى تتوقف عن محاولة إنقاذه بدلًا عنه. والفرق كبير بين أن تتخلى عن إنسان، وأن تتخلى عن وهم أنك قادر على أن تعيش حياته نيابة عنه. ديفيد احتاج وقتًا طويلًا كي يصل إلى هذه الحقيقة. ليس لأن حبه كان ضعيفًا، بل لأن حبه كان شديدًا إلى الحد الذي جعله يعتقد أن عليه، في كل مرة، أن يفعل شيئًا. وأحيانًا لا يوجد شيء تستطيع فعله. وهذه جملة ثقيلة على قلب الأب. نحن معتادون منذ اللحظة الأولى على الفعل. يبكي الطفل فنحمله، يجوع فنطعمه، يمرض فنذهب به إلى الطبيب، يخاف فنقترب منه. يكبر قليلًا فتتغير المشكلات، لكن تبقى في داخلنا الفكرة نفسها: حدث شيء لابني، إذن عليَّ أن أفعل شيئًا. ثم يكبر الابن أكثر... وتأتي مشكلات لا يصلحها الأب. هنا يتعلم الأب درسًا لم يخبره به أحد يوم حمل طفله للمرة الأولى: أن الأبوة ليست قدرة مطلقة، وأن المحبة لا تمنحنا مفاتيح حياة أبنائنا. وقد يكون الوقوف عاجزًا أمام ألم من تحب أقسى من الألم نفسه. لذلك لم أرَ Beautiful Boy فيلمًا عن الإدمان وحده. رأيته فيلمًا عن العجز أيضًا. ولعل أجمل ما فعله أنه لم يكتفِ بأن يحكي لنا هذا العجز، بل جعل بناء الفيلم نفسه يعكسه. كلما حاولنا الاستقرار في الحاضر، أعادتنا الذاكرة إلى زمن آخر؛ وكأن الماضي لا يقبل أن ينتهي لمجرد أن الزمن مضى. أمام ديفيد شاب يهرب ويكذب وينتكس، وفي داخله طفل كان يضحك ويركض ويلتصق بأبيه. أيُّهما ابنه؟ كلاهما. وتلك هي المأساة. كأن الفيلم يقول، من غير أن ينطق أحد بذلك، إن الطفل لم يختفِ ليحل محله الرجل؛ كلاهما ما زال هناك، وكلاهما يسكن عين الأب في اللحظة نفسها. لا أعرف إن كان الحب يصنع المعجزات كما نحب أن نقول. أعرف فقط أنه يجعلنا نبقى حين يغادر الآخرون، وأن نمد اليد مرة أخرى بعدما أقسمنا أننا لن نمدها، وأن نحتفظ في مكان ما بصورة الإنسان الذي عرفناه قبل أن تغيّره الحياة. لكنه، مع ذلك، لا يستطيع أن يختار عنه. وهذا ما بقي معي بعد انتهاء الفيلم. أن تحب ابنك لا يعني أن تملك حياته، وأن تكون أبًا جيدًا لا يعني أن تنجح في حمايته من كل سقوط. ثمة أبواب تستطيع أن تفتحها له، وأبواب لن تُفتح إلا من الداخل. ولعل أصعب ما يتعلمه الأب ليس كيف يمسك بيد ابنه... فذلك نتعلمه منذ خطواته الأولى. الأصعب أن يعرف، بعد سنوات طويلة من الإمساك بها، متى يفتح كفه. ويبقى قريبًا. ينتظر. ويحب. حتى حين لا يكفي الحب.