عبدالكريم العياش الذي صرخ « آه وا ويلاه من عم ظلوم» ..
شاعر « اليتيمة » والأم والوجع الإنساني .
الشاعر عبدالكريم العياش شاعرٌ تنفرد قصائده بعذوبتها، ويتميز بأسلوبه المبهج في تصوير المعاناة، وتحويل الألم الإنساني إلى حكاية شعرية تلامس القلوب. وأصدق شاهد على ذلك قصيدته الشهيرة «اليتيمة»، تلك القصيدة التي سارت بها الركبان، حتى ذاع صيتها، وأشهرت فنانين، وفجّرت مشاعر شاعرات يتيمات، كن امتدادًا لوجعها. أما قصة هذه القصيدة، فتعود لفتاة يتيمة كانت صديقة لابنة الشاعر في المدرسة، ولأنها صديقتها الخاصة كانت تفضفض لها بما تعانيه في بيت عمها من مآسٍ بعد وفاة والدها؛ فلا عيشاً طاب لها، ولا زهرة شبابٍ نمت وفاح شذاها. كانت مكسورةً مذمومةً في البيت؛ لا يهتم بها أحد، ولا يستمع إلى شكواها من كان في قلبه ذرّة من عطف، في الوقت الذي كانت بنات عمها يرتدين أجمل الثياب، لم تكن تلبس إلا البالي المتشقق. وكانت ابنة الشاعر، تحمل على عاتقها ذلك الحزن والحرمان وحين تعود إلى منزلها، تنتزعه من جسدها وترميه على عاتق والدها شارحة له ما تعاني صديقتها من غلف القلوب وتسلط أشباه البشر عليها. ويبدو أن تلك الحكايات حرّكت في الشاعر مشاعر خفية، وفجّرت براكين الحروف في داخله، فكتب القصيدة بلسان تلك الطفلة، وكأنه هو المعايش لمعاناتها، فقال: آه وا ويلاه من عمٍ ظلوم بعد ما أبويه رقد تحت التراب القمر لا غاب ما تفيد النجوم وعسى الدنيا عقب موته خراب كيف أبهنى وأهتني وأرقد وأقوم وأمسح دموعٍ مثل طش السحاب بعد ما حكمي على الأسرة عموم صرت أنا بعيونهم مثل الذباب ثم تتوالى التفاصيل الصغيرة التي تجعل القارئ يرى الطفلة أمامه: أرتدي للمدرسة أردى الهدوم وبنت عمي ترتدي أغلى الثياب وإن طلبته دفترٍ لي به لزوم صدّ عني دون يعطيني جواب ثم يأتي التمني وذكريات العز الذي كانت تعيشه في حضن والدها لتتمنى لو أنه يعود ولو لساعة لعله ينجيها مما تعيشه من عذاب حين قالت: ليت من قبره ولو ساعة يقوم يشهد اللي صابني بعز الشباب ولم تقف حكاية «اليتيمة» عند حدود قصيدة العياش، فقد فجّرت مشاعر يتيمة أخرى، جاءت بقصيدة ردٍّ على أبياته، لا تقل عنها معاناة وألم لترد يتيمة على يتيمة فقالت: يا إله الكون غيرك ما يدوم اليتامى لك دعاهن مستجاب مرحبًا يا أخت بالدنيا تهوم صابها ما صابني صرنا صحاب مات أبونا وأمنا راحوا بيوم واتركوا أطفالهم بين الذياب أكثر الأيام يا أختي نصوم ما لحقنا بعدهم قوت الرقاب وهكذا تحولت معاناة طفلة إلى قصيدة، وتحولت القصيدة إلى حكاية، ثم أصبحت الحكاية صوتًا لكل يتيم وجد في أبياتها شيئًا من نفسه. ولئن ارتبط اسم عبدالكريم العياش بـ«اليتيمة»، فإن مسيرته الشعرية تكشف جانبًا آخر أكثر حضورًا في وجدانه ألا وهو: الأم. فقد عاش بارًا بوالدته، وكتب فيها خلال حياتها ما يقارب الثمانين قصيدة، ثم رثاها بعد وفاتها بثلاثين قصيدة. فكانت الأم تشكل حضوراً كبيراً في تجربته الشعرية دفع الأستاذ: مريح المريح إلى إطلاق لقب «شاعر الأم» عليه، بعد أن زاره في منزله وأخذ ينبش في أوراقه المتناثرة وقصائده المتفرقة فأحصى خلالها تلك القصائد ، وقد كان الشاعر قبل ذلك معروفًا بلقب «شاعر اليتيمة». والعجيب أن العياش، رغم هذا الكم الكبير من القصائد التي كتبها في والدته، لم يكن يرى أنه أوفى حقها فكان حين يُسأل عن أجمل قصيدة كتبها فيها، سواء في حياتها أو بعد وفاتها، يقول: «إني لم أكتب فيها أي قصيدة تستحقها حتى الآن». ومن القصص الجميلة التي مرّت على الشاعر عبدالكريم العياش أنه كان يبحث عن عمل، ولم يهتدِ إلى عمل يناسبه أو يتوافق مع مؤهلاته في مدينة سكاكا، التي لم يكن يرغب في العمل خارجها، فاشترى شاحنة وبدأ حياته العملية في نقل البضائع من مكان إلى آخر. ولأن شحن البضائع من الموانئ البحرية أكثر دخلاً فقد قرر أن يخوض تلك التجربة، ثم تجهز للسفر إلى موانئ جدة البحرية، لكنه اصطدم بطلبات لم يكن يعرفها؛ إذ اشترطوا أن يكون قائد الشاحنة حاصلًا على الرخصة العمومية. عاد الشاعر بخُفّي حنين، لكنه لم يعد صامتًا، بل حمل خيبته إلى الشعر فقال: لا يا زمان الجور وشّي خطاياي أزرع بك ورود الوفا وأجني الشوك كلح الذيابة ما سرت مثل مسراي ونهاية دروبي على الباب مصكوك يا خوي يا بو سعود قلّي وش الراي وين الطريق اللي يوصلني أرجوك ومع مرور الأيام، يبدو أن دعوات والدته كانت ترافقه، وأن ما كتبه الله له كان أجمل من كل ما خطط له. فحين تأسس فرع وزارة البرق والبريد والهاتف بالجوف تقدم بطلب للحصول على خط هاتف ثابت لمنزله، فقابل رئيس قسم المشتركين، ولما شاهد الموظف اسم مقدم الطلب، رفع رأسه وسأله: أنت شاعر اليتيمة؟ قال: نعم. فرحّب به وتبادلا أطراف الحديث الممزوج ببعض قصائده، التي أنشده عددًا منها، حتى أثار إعجابه بما يحمله من جزالة شعرية. وقبل أن يغادر، سأله: هل تملك شهادة؟ فأجاب: نعم، أحمل دبلومًا. وهنا جاءت المفارقة الجميلة؛ فالرجل الذي خرج يومًا من الميناء يبحث عن رزقه، وقاد الشاحنة متنقلاً بين المدن، لم تكن الشاحنة مصدر رزقه بل كانت قصيدة «اليتيمة» هي التي فتحت له بابًا جديدًا في حياته، وكانت سببًا في التحاقه بالوظيفة التي ظل بها حتى تقاعد. وهكذا لم تكن «اليتيمة» مجرد قصيدة كتبها عبدالكريم العياش بلسان طفلة مكسورة؛ بل كانت قصيدة غيّرت حياة شاعرها، وفتحت له بابًا من أبواب الرزق، وكأن الشعر الذي خرج من معاناة الآخرين، عاد إليه ذات يوم يحمل له شيئًا من الفرج. إنها حكاية شاعرٍ كتب عن الوجع، فلامس الجروح، وكتب عن الأم، فخلّد برّه بها، وكتب عن اليتيمة، فإذا باليتيمة تكون يومًا سببًا في أن يجد الشاعر طريقه. وهكذا يثبت العياش، في تجربته الشعرية والإنسانية، أن الشاعر الحقيقي لا يحتاج دائمًا إلى أن يعيش الحكاية حتى يكتبها؛ يكفي أحيانًا أن يصغي بصدق إلى وجع الآخرين. *محافظة القريات