ما الذي خلفته الهزيمة؟

درس ياباني عن سقوط الصور المثالية.

يزخر الأدب الياباني بجوانب قد تكون قليلة التناول عربيًا. قبل فترة قرأت رواية (شمس غاربة) للروائي أوسامو دازاي، وعند البحث في سياقاتها التاريخية والثقافية وجدت أنها تُصنَّف ضمن تيار أدبي يحمل اسم البورايها (Buraiha)، جمع كتّابًا يابانيين طرحوا سؤالًا إنسانيًا واحدًا بصيغ مختلفة: كيف يواجه الإنسان نفسه، وما حوله، حين تتهاوى الصور المثالية التي بُنيت عليها حياته؟ مرّت إحدى وثمانون سنة على نهاية الحرب العالمية الثانية بالنسبة إلى اليابانيين، نهايةٌ لم تتكلل بالنصر، وإنما جاءت في صورة انكسار قاسٍ، حين أعلنت اليابان استسلامها على رماد المدن وآثار الدمار الممتد من الشوارع والمنازل إلى داخل كل فرد عاصر تلك الحقبة. كانت هذه اللحظة مناسبةً للوقوف والتأمل: ماذا بقي للإنسان من العالم الذي منحه المعنى والثبات، وقد انهار أمامه؟ وهي أسئلة لا تخص اليابانيين وحدهم، فكل شعب عرف انكسارًا كهذا طرحها على نفسه يومًا، بلغته ووجعه الخاصّين. وسط هذا الخراب، ظهر صوت الكاتب الياباني أنغو ساكاغوتشي، الذي نشر عام 1946 مقالته الشهيرة (نظرية الانحطاط) (Darakuron) في مجلة شينشو، بعد نحو سبعة أشهر من توقيع اليابان وثيقة الاستسلام. لاحظ أنغو أن المجتمع الياباني بدأ يتغير في هذه الأشهر القليلة، إذ تبدّلت الظروف التي كانت تُبقي الإنسان داخل صور محددة، مثل المقاتل البطل أو الأرملة الوفية. قال: «الإنسان لم يتغير، إنما الذي تغير هو القشرة الخارجية للعصر».¹ الانحطاط الذي قصده لا يعني مجرد الفساد الأخلاقي، وإنما سقوط الإنسان من الصور المثالية وعودته إلى طبيعته البشرية بما فيها من رغبات وضعف وتناقضات. فالمقاتل لا يستطيع أن يظل إلى الأبد ذلك البطل المستعد للموت، ولا تستطيع الأرملة أن تبقى أسيرة صورة الوفاء طوال حياتها. حتى القواعد التي مجّدها التاريخ الياباني، مثل البوشيدو²، لم تكن دليلًا على أن الإنسان يملك هذه الصفات بطبيعته، وإنما كانت محاولةً لكبح ما يناقضها فيه. فالأدب، عند أنغو، يبدأ من مواجهة الإنسان كما هو، بعد انحسار الصور المثالية التي تحجبه، لا من صورة مثالية جديدة تحل محل القديمة. لم يكن أنغو الوحيد الذي فكك تبعات الحرب، ففي السنوات التالية ظهر عدد من الكتّاب الذين عبروا عن حياة الإنسان الياباني بعد انهيار العالم القديم. جُمعت أبرز هذه الأصوات لاحقًا تحت تسمية البورايها (Buraiha)، وهي تيار أدبي غير رسمي ارتبط بتصوير القلق وتفكك القيم في واقع المجتمع بعد الحرب. انهيار الطبقة الاجتماعية نشر دازاي رواية (شمس غاربة) عام 1947، وهي من أبرز أعمال البورايها، ويروي فيها قصة أسرة من طبقة النبلاء اليابانية تشهد تلاشي عالمها. في بداية الرواية تصف كازوكو والدتها بأنها «آخر نبيلة حقيقية»³، لأنها ما زالت محتفظة بعادات طبقتها في وقت تبدّلت فيه ظروف تلك الحياة. بعد وفاة الأب يتولى الخال وادا إعالة الأسرة، ثم يعجز عن ذلك، فتضطر لبيع منزلها والانتقال إلى إيزو. تقول كازوكو: «فكرت أن حياتنا انتهت حقًا عندما خرجنا من بيتنا في حي نيشكاتا». تمرض الأم وتموت، أما الابن ناوجي، الذي زاد إدمانه على الأفيون بعد عودته من الحرب، فيصارع انتماءه الطبقي حتى ينتحر، تاركًا وصية يقول فيها: «كنت أريد أن أصبح إنسانًا بذيئًا... همجيًا متوحشًا»محاولًا التخلص من أصله والاقتراب من عامة الناس، لكنه لا ينجح في الانتماء إلى العالم الذي حاول الوصول إليه، ولا العودة إلى الذي خرج منه. أما أخته كازوكو فتختار الاستمرار في الحياة، وتتمسك بجنينها بداية لجيل منفصل عن شكل الأسرة القديم. بهذا التصوير لتصدّع الفرد والأسرة تعبّر (شمس غاربة) عن الحس الأدبي المرتبط بالبورايها، وهي ثيمات ستتكرر كلما تداعى عالم قديم أمام أهله. من الجمال إلى الرعب كتب أنغو عام 1947 قصة (في الغابة تحت أزهار الكرز في أوج تفتحها)، القائمة على العنف والغرابة، إذ تقدّم أزهار الكرز، أحد أشهر رموز الجمال في اليابان، بصورة مختلفة عن ارتباطها المألوف بالبهجة. يقول الراوي إن الناس قديمًا كانوا يشعرون بالرهبة أمام هذه الأزهار حين يخلو المكان من البشر: «إن لم يكن هناك بشر تحت أزهار غابة الكرز فستشعر بالرهبة لا محالة». بطل القصة قاطع طريق يعيش في الجبل، يخشى المرور تحت أشجار الكرز في أوج تفتحها رغم اعتياده القتل، حتى تبدو له روحه كأنها «تتناثر كما تتناثر بتلات الأزهار».يتغير مسار حياته حين يقتل رجلًا ويأخذ زوجته الجميلة معه إلى الجبل، فتطلب منه التخلص من زوجاته السابقات لتنفرد به. يجمع أنغو في شخصيتها بين الجمال والعنف، كما جمع من قبل بين جمال الأزهار والرهبة. وحين يعودان إلى الجبل ويمران تحت الأشجار المتفتحة، يعود إليه خوفه القديم، فيرى المرأة فجأة في هيئة مخيفة ويخنقها، فتتحول بعد موتها إلى بتلات متساقطة. يختفي خوفه، فهو الآن لم يعد يخشى الوحدة، لأنه أصبح هو ذاتها. تكشف القصة جانبًا من حس البورايها في نظرتها إلى الصور المألوفة: الجمال هنا يقترن بالخوف والموت، والمرأة الجميلة بالعنف، فلا شيء في هذا العالم يبقى على معناه المعتاد. رحلة البحث عن الهوية المفقودة من الأسماء الأخرى المرتبطة بالبورايها الروائي جون إيشيكاوا، الذي نشر عام 1946 قصته (أسطورة الذهب)، التي تبدأ أحداثها أواخر ديسمبر 1945. يجلس الراوي في مطعم مؤقت وسط مدينة مدمرة، يستعيد ذاكرته إلى الأشهر السابقة: منزله في طوكيو احترق في إحدى الغارات، وتضررت ساعته فظلت تعمل بصورة مضطربة، حتى لم يعد يجد معيارًا ثابتًا يضبط عليه وقته، فأصبح يحدده بالطقس وحالته الشخصية؛ حتى الزمن نفسه لم يعد منظمًا كما كان. يتنقل الراوي في أنحاء اليابان كحفنة من الرماد تحملها الريح، يحمل معه ثلاث رغبات بسيطة: إصلاح ساعته، والعثور على قبعة مدنية بدل قبعته العسكرية، وامرأة كان متعلقًا بها. يمثل الذهب في العنوان استعارة ساخرة للمثالية التي كانت تتبناها اليابان قبل الحرب، وأصبحت بعدها سرابًا. حين يتوقف عن السعي لتحقيق أمنياته تتحقق له تباعًا، لكنه يجدها أجمل حين كانت أمنية فقط، لأنه تغيّر هو نفسه في أثناء انتظارها. تتضح صلة القصة بالبورايها في تتبعها لمن خرج من الحرب وقد فقد صورته القديمة عن حياته، بينما ما سيأتي بعده لم يستقر بعد. ما الذي يكشفه السقوط؟ ترجمة «البورايها» الشائعة إلى «مدرسة الانحطاط» قد تعطي انطباعًا بأن هذا التيار يحتفي بالفوضى أو السقوط الأخلاقي. غير أن ما تناولناه من أعمال يكشف أمرًا مختلفًا: أن هذا التيار لم يكن مشغولًا بسقوط الإنسان في حد ذاته، وإنما بما يظهر بعد سقوطه، حين تنهار القيم والصور التي كان يستند إليها. فعند دازاي يتجلى ذلك في تفكك الطبقة والأسرة، وعند أنغو في الخوف الكامن خلف صورة الجمال، وعند إيشيكاوا في محاولة الفرد إعادة ترتيب حياته وسط الخراب. ويشبه هذا، في جوهره، ما عرفته تيارات الهزيمة والاغتراب في الأدب العربي الحديث، حين جسّدت حالة التيه وفقدان اليقين تعبيرًا عن إنسان يعيش انفصاله الداخلي في عالم غير مستقر. فما تطرحه هذه الحكايات اليابانية، إذن، يتجاوز مكانها وزمانها. والدرس المشترك بينها جميعًا أن الصورة المثالية حين تنهار لا تُستبدل بصورة مثالية جديدة، وإنما يواجه الإنسان ما تحتها من ضعف ورغبات وتناقضات، فتلك المواجهة وحدها ما يمكن أن يُبنى عليه شيء صادق. المصادر ١. ساكاغوتشي أنغو، نظرية الانحطاط (Darakuron، 1946) — النص الياباني الأصلي (1) ٢. البوشيدو: تقاليد الساموراي الأخلاقية الصارمة، كالشجاعة والصدق والولاء (2) ٣. أوسامو دازاي، شمس غاربة، ترجمة ميسرة عفيفي، دار جامعة حمد بن خليفة للنشر. (3-5) ٤. ساكاغوتشي أنغو، في الغابة تحت أزهار الكرز في أوج تفتحها، ترجمة د. هبة الله أبو بكر، مسار للنشر والتوزيع. (6-7) 5. Jun Ishikawa, The Legend of Gold and Other Stories, trans. William J. Tyler, University of Hawai›i Press,.