بعد سنوات من صدور روايتها (رقصة الموت في فرانكفورت) تعود لنا الكاتبة الشاعرة سميرة السليماني بروايتها الجديدة (مذكرات ريانة) من إصدارات دار مدارك في ستين ومائة صفحة. تتوزع أحداث الرواية بين أزقة جدة وحواريها القديمة، حيث نشأت بطلة الرواية (ريانة) في البيت الكبير الذي ضم الجد والجدة وفروعهما، وتكتمل الأحداث في المملكة المغربية وتحديدا في الرباط، حيث انتقل والدها للعمل في السلك الدبلوماسي، وتزوج بعد أن ماتت أم ريانة، ثم في مراكش حيث انتقل ابن عمها (غسان) وتزوجها، فور تخرجها من جامعة الرباط. فقدت ريانة أمها باكرا، لكنها لم تشعر بذلك لأن حياتها في البيت الكبير خفف عنها ألم الفراق، حيث جدتها التي عوضتها عن دفء حضن الأم، وخالتها – وهي في الوقت نفسه - زوجة عمها التي ربتها وكأنها واحدة من بناتها الأربع، وعوضها ابن عمها (غسان) عن عدم وجود إخوة ذكور لها، أما عمها فقد كان بديلا لوالدها بعد أن اختار الغربة. ولذلك عانت معاناة شديدة حين ماتت جدتها، فهي قد بلغت من السن ما تدرك به حجم المصيبة التي حلت بها، ومقدار ما فقدته من خسائر بمفارقتها. ثم كان فراق الجدة عاملا مساعدا لتذكيرها ببعد أبيها الذي اختار الهجرة. الحدث الأبرز في الرواية الذي سلطت الكاتبة الضوء عليه، فكان محور الرواية؛ هو علاقتها بابن عمها غسان. هو بالنسبة لها الأخ الأكبر الذي يخاف عليها كأخته، ولا يفرق في معاملتها عن معاملته لأخواته. فهو شديد الحرص على سلوكها ودراستها ونجاحها، وهو مصدر ثقافتها بما يجلب لها من كتب وروايات لتقرأها، كما كان مصدر ترفيه لها في طفولتها، فهو الذي يجلب الحلوى والألعاب. ومع ذلك لم تخلُ العلاقة بينهما من مناوشات لا تتجاوز اللسان. وفي الوقت الذي كانت الخالة تفكر في تزويج ابنها غسان من ريانة كان هو لا يخطر في باله الزواج، بله أن يكون من ابنة عمه. ولذلك بذلت أمه محاولاتها لحل السحر لدى (الشيخات) الذي كانت تعتقد أنه لا يوجد سبب غيره يمنع زواج ابنها بابن أختها. لم تشرح لنا المؤلفة كيف تحول ابن عمها من عازف عن الزواج إلى راغب فيه، ومن استبعاده ابنة خالته من قائمة المرشحات لزواجه، إلى الجري وراء رغبته في الزواج منها. أكان بسبب نشأته معها في بيت واحد طوال عمره؟ أم كان بسبب معرفته بتقدم زميلها المغربي (إدريس) لطلب يدها؟ أم كان لتخوفه من إصابة ذريته بمرض وراثي كما حصل بالفعل؟. مولودهما الأول لم يكتب له أن يعيش سوى بضعة أشهر، بسبب مرض وراثي نادر، حسب إفادة الأطباء في مراكش، وهذا ما جعل حياتهما السعيدة يشوبها شيء من الحزن والخوف والقلق. لكن الحب لم يتغير خلال هذه الفترة الكئيبة، وليتجاوزا هذه المحنة كررا تجربة الإنجاب، ورزقا بطفلين متتاليين لم يصبهما شيء مما توقع الأطباء، وكأن الكاتبة تريد أن تقول إن الأطباء ليسوا دائما على حق. في الرواية تفصيلات أخرى كثيرة منها تأخر ريانة في الاندماج في الوسط الجامعي المختلط في الرباط، لكنها بعد التأقلم كادت تثير المشكلات لإدارة الجامعة بسبب نشاطها الاجتماعي والتطوعي الزائدين، كما تعرضت لتجربة صادمة لثقافتها حين طلب زميلها إدريس يدها مباشرة، وتعرض الرواية مخاوف السيدات السعوديات على أبنائهن من الانحراف خارج الوطن، ومن زواج السعودي بأجنبية، لأن الغالب - في رأيهن - أن يكون هدف الزوجة غير السعودية مال الزوج؛ لا سيما حين يرزق بذرية منها. في حين وجدنا ريانة الفتاة التي عرفت أباها في الوطن وخارجه تفرح حين رأت أخاها الصغير من أمه المغربية، وتحب المغرب بلدا وشعبا وطعاما وعادات. الرواية تسير منذ بدايتها بلسان المتكلم وهي البطلة ريانة. وتعرض الأحداث مسلسلة زمنيا، إلا من بعض التلميحات لأحداث مستقبلية تكسر حدة التسلسل. وحيث إنها اختارت لها مسمى مذكرات، فقد جعلت فصولها على شكل ورقات بلغت سبع عشرة ورقة. أسلوب سرد الرواية ماتع، ولغتها فصحى ميسرة، ما عدا الحوارات، فباللهجة العامية، لكنها ليست موغلة في عاميتها. ولم تخلُ الرواية في بعض فقراتها من صور جميلة، وتعبيرات لطيفة أقتبس منها قولها: «كثيرون يظنون أن الحب يطمئن المرأة. لا يعرفون أن الحب هو أكثر ما يجعلها تخاف.. فالفرح كائن أناني جدا يطالبنا دائما بالثمن». «لكن الفرح أحيانا زائر قصير، يأتي ليعلمنا قيمة الأشياء قبل أن نغادر». «أبتسم لنفسي، كم أنا ناجحة في موضوع الوداع هذا، كم أنا مبللة بالقهر والهزيمة ولا أتكلم، كم كان موجعا أن أفقد شجرة المواساة الكبيرة، كم كان خطأ أن أعتاد عليها. لكن الحزن عبث، سأعتاد، سأعتاد كل شيء، لأننا بكل قلة الحيلة لا بد ألا نقطع الأمل. إن كنت سأعيش ليوم واحد بعد رحيل جدتي فإنني لا بد أن أعيشه بأمل كبير. الحياة ليست ظلاما دائما، سيتفتح شيء في الغد، حتى وإن كانت الأيام دائما أباريق من وصب». «مسارات لابد أن نمر بها، ومهام لا بد أن ننجزها، وأمور كثيرة تبدو خانقةً ومع هذا لا يمكن التفريط بها أبدا. إنها ملح الحياة، وبهجة الحياة. كذا هو الدفء العائلي، روتين الأسرة المعتاد، قوانينها الصارمة، المنبه الذي تضبطه للاستيقاظ من النوم، الوقت الذي يجب أن لا يضيع في النوم لأن هناك الأهم لتفعله في هذه الحياة». «أولوياتي تغيّرت التزاماتي الاجتماعية قلت، وثقتي بالله تزداد وتكبر.. هل الشمس هي التي تلقنني درسا كل يوم؟ أم هما الصغيران من يعطياني دروسا في البهجة...». «لم يخبرني والداي بكل شيء في البداية. كنت أظن أن العائلة تُبنى من تشابه الملامح وتطابق الملامس الأولى للدم، لكن البيوت التي تشيد بالحب تعرف كيف تنبت أبناءها من ضلوع الحياة، لا من ضلع الجسد. أنا آدم... الطفل الذي لم يولد من رحم أمي، بل ولد من خوفها أن يخلو البيت من ضحكة، ومن حاجة أبي ليد صغيرة تشدّه إلى الدنيا حين كاد يتركها من التعب. كانا يقولان لي إنني جئت كـهدية، لكنني كنت أرى في عينيهما حقيقة أعمق لقد جئت كـ نجاة».