الجذور..

من شاشة الطفولة إلى صفحات الرواية.

كنت حينها في السادسة الابتدائية، وقبل أكثر من أربعين عاماً، كان التلفزيون السعودي في ذلك الحين، وبقناته الوحيدة وقبل عهد القنوات الفضائية، يبث مسلسلاً بعنوان (الجذور). كانت مقدمة المسلسل تخيفني بمشاهد خطف (اصطياد) الأفارقة، ونقلهم إلى سفن خصّصت لنقلهم إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية. لم أكن أكمل مشاهدة المسلسل لحسن حظي؛ إذ يتسلل النعاس إلى رأسي الصغير فأستسلم للنوم دون عناء. كان ذلك المسلسل تجسيداً لرواية (الجذور: ملحمة عائلة أمريكية) لمؤلفها الروائي والصحفي الأمريكي أليكس هالي (1921-1992م)، وهو من أحفاد بطل هذه الرواية المبنية على أحداث تاريخية حقيقية. تبدأ فصول هذه الملحمة الاجتماعية باستهلال يصف طرق عيش سكان قرية في غامبيا غرب القارة السمراء، وعادات سكانها وتقاليدهم التي تتسم بالروح الإسلامية إلى جانب الثقافة المحلية، حتى تبدأ قصة بطل الرواية باختطاف الشاب اليافع (كونتا عمر كنتي) وشحنه مع مواطنيه المختطفين في السفن إلى العالم الجديد. ولك أن تتخيل الطرق والوسائل التي كان ينتهجها أولئك المتاجرون بالبشر (برتغاليون وإنجليز وهولنديون) على متن تلك السفن، في تكديس المختطفين في عنابر وبطون السفن كما البهائم، فمنهم من يموت مرضاً أو جوعاً أو كمداً فيرمى في البحر طعاماً للحيتان. الرواية أيقظت الوعي الأمريكي العام بقضية الأمريكيين من أصول أفريقية، بينما وصل عدد المتابعين للمسلسل المستوحى من الرواية إلى مئة وثلاثين مليون مشاهد، وهو رقم مهول في حقبة السبعينيات من القرن الماضي (1977م). وكنت في عام 2015م في إحدى المكتبات التجارية، فوقع نظري على الرواية بنسختها الإنجليزية، فأمسكت بها وبمشاعر مختلطة من ذكريات تلك السنين في مرحلتي الابتدائية التي أيقظها عثوري على هذه الرواية، وشغفي بفن الرواية عموماً، والمبني على أحداث حقيقية أو ما يسمى بالرواية التاريخية خصوصاً. على أنه ليس هناك في الغالب رواية خيالية بحتة، فغالب الروائيين يستقون فصول رواياتهم وأحداثها وشخصياتها من واقعهم الشخصي أو الاجتماعي. أليكس أو ألكسندر هالي ألّف قبل هذه الرواية أول كتبه (سيرة حياة مالكوم إكس) عام 1965م، مما يدل على اهتمام هالي بتاريخ الأمريكيين السمر وهو منهم، والخلفية التاريخية لمعاناتهم واضطهادهم حتى بعد قرار الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن التاريخي بإلغاء الرق، الذي اندلعت على إثره الحرب الأهلية الأمريكية، ثم دفع الرئيس لنكولن حياته ثمناً لذلك القرار باغتياله عام 1865م بعيد نهاية الحرب. رواية (الجذور) ملحمة في التاريخ الاجتماعي والإنساني للأمريكيين من أصل أفريقي، تكشف بشكل درامي آسر أبعاد معاناة الكثيرين منهم حتى اليوم، والسر الكامن وراء هذا الاغتراب النفسي على الرغم من جنسيتهم الأمريكية، وتمنح الرواية قراءة لما بين السطور لأحداث شهدتها المدن الأمريكية، وما تزال تشهدها، من مواجهات بين الشرطة وبينهم (حادثة «لا أستطيع التنفس» الشهيرة قبل أربع سنوات)، وحال بعض أحيائهم العشوائية والخلفية بما تعكسه من وضع اجتماعي سيئ ومعاناة معيشية قاسية. وإن تخلل تاريخهم عنف مضاد للبيض من خلال منظمات انتهجت الأسلوب نفسه لمنظمات البيض العنصرية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. الأدب الروائي الإنساني هو ما يترك أثراً ويحدث حراكاً اجتماعياً وثقافياً يمتد لأجيال وأجيال كقوة ناعمة وقيمة حضارية.