محمد زايد الألمعي في « أنتم ووحدي» ..

نشيد للأرض وأشجان للأسلاف.

غنَّى لها الطيرُ أمْ غَنَّى بها الوَتَرُ حَسْناءُ في قلبها الأعيادُ تَنتَظرُ يجيءُ عُشَّاقُها في عُرْسها زُمَرَا لمْ يَنْسَ أبها الهوى والشِّعرُ والمطرُ أبْـها هي العيدُ طُولَ الدهرِ زينَتُها رَيْحانَةٌ في جبالٍ ،صَمتُها خَفَرُ. ‏ قد يتبادر إلى أذهاننا أنَّ محمد زايد الألمعي شاعرٌ حداثي وحسب،بمعنى أنه امتطى صهوة التحديث استسهالا ،كما يظن بعضنا، والحقيقة أنَّ الألمعي شاعرٌ شمولي باقتدار وشاعر متفنن باحترافية،فهو يكتب القصيدة العمودية بإبداع،ويجترح النص الحديث بتفرد باهر،وخَبُر الشعر بأشكاله المتعددة بموهبةوعلم وذكاء بعيدا عن التصنُّع،ونائيا بإنتاجه الشعري عن التقليدية بأي صورة كانت،سواء بالسير على خطى الأقدمين أو بالتبعية للقامات الحديثة . ومع ذلك فهو يفاجئنا بالنمط المحافظ على السلفية الشعرية إطارا ظاهريا،ولكن إن أمعنا النظر في النص ذي الملامح السلفية فإننا نجده أخرج النص بثوبه الألمعي الخاص وبردائه المتفرد في انتهاك سافر للتركيب الشعري للقصيدة،ونجده يصدمنا بلغته المتميزة التي لن نجدها إلا في نصه الخاص،وبذلك ينزاح النص الألمعي من الشكلية النظمية المعتادة إلى أسلوبية لغوية تجديدية ؛ لأنَّ محمد زايد الألمعي يكتب بطريقته المثلى من حيث الأسلوب والتركيب . (آيةُ الحبِّ أنَّ لنا صُفَّة من صعاليك هذا الزمان / نقاسمهم وجع الكلمات / ونركض بين ملامحهم كلَّ آنْ / ولنا بينهم أصفياءُ إذا عشقوا آمنوا / وإذا آمنوا اجتمعوا) . المتقصِّي لشعر محمد زايد الألمعي يكتشف أنَّ الغالب من شعره ذاتي ملتصقٌ بواقعه المعيش وملتحم تماما مع بيئته المحلية،خاصة في قسم البواكير،والشاعر متواصلٌ في التزاماته الاجتماعية مع منشئه ومنبعه في «رُجَال ألمع» . وللبيئة الريفية حضور طاغٍ في شعره وفكره،وهذا ملمحٌ ظاهر ومكسبٌ عزيز ، ولا ضيرَ ولا غضاضة في ذلك،ولكن نجم عن ذلك نوعٌ من الانطوائية الشعرية والقصور الشعري على حدود المكانية الخاصة من ناحية،ومن ناحية أخرى كرَّس هذا الالتصاق المحكم بالبيئة المحلية من تَجذُّر الحب لها والولع بها والإخلاص معها،ومن التوسُّع في طلب إضافات من الوفاء لبلده،الأمر الذي نتج عنه المغالاة في التودد لبلده وأهله،وهي أحمالٌ ينوء بها أنقى العشاق ولا يستطيعها أعلام المحبين،حتى صارت الحالة أقرب إلى المقولة الشهيرة»ومن الحب ما قتل « . أزعم ذلك لأني لم أعهد شاعرا يمتلك رصيدا وافرا من الصدق مع النفس ومع الأهل ومع البلد ومع الوطن مثل الشاعر الكبير محمد زايد الألمعي،وقلما نجدُ نظيرا له في وفائه لذاته ولرؤاه الخاصة بنفس القدر في وفائه لأصدقائه ولأهله وحتى للمخالفين له وحتى للمناوئين له، هذا الولاء لبلده الممتزج بين الهموم الفكرية العالية والأحلام المستقبلية والهموم العامة للمجموع ،كل هذا الاشتباك، كان جليا للعيان ولم يكن خافيا،ولا مستترا،وليس معنى كلامي أنَّ شعره كان محدودا أومفتقرا للتنوع،إنما القصدية هنا أنَّ الألمعي ارتبط ارتباطا وثيقا بالبيئة المحلية في «رجال ألمع « في البدايات خاصة وكان صوته معبِّرا عنها بوضوح وولاء،وهي بيئة حافلة بتراثها وثقافتها،وتستحق منا جميعا حسن الإصغاء وجميل التفاعل،والشاعر عادة أكثرنا تفاعلا مع بيئته سواء المكانية أوالاجتماعية،ولكن الشاعر بعامة لديه مزيد من الحساسية الخاصة والفارقة عنا،وللشاعر رؤاه الفكرية المتقدمة،وللشاعر أحلامه المستقلة والمتطلعة دوما إلى الأرقى،ومن هنا قد تنشأ التعارضات بين رؤى الشاعر،وهو الذي يرى ما لا نرى،وبين رؤى المجموع،ومن هنا تنبعث الفوارق بين الرؤى الفكرية للشاعر الحالم بالأفضل وبين الرؤى الجمعية القاصرة الخالية من الأحلام والتطلعات،فالشاعر لم يلغ ذاته فقط،إنما تحصّن من الذوبان في الرؤى العمومية لواقعه في مرحلة وعي فارقة . وحياة محمد زايد الألمعي ومسيرته الشعرية تفضي ابتداء إلى رضى وتسليم بالحياة البريئة والنقية التي كانت عليها البيئة المحلية بكل طقوسها الاجتماعية وبكل أساليب عيشها،وهنا تحديدا كانت الرؤى الفردية تتطابق مع رؤى المجموع الكلي،حين كان المجموع في مكانية أنيسة وفي رغد عيش ميسور وفي حياة متواضعة والمراعي مراتع للغناء والدروب مسارح متخمة بالنشيد والمساكن عامرة بالحب والمنازل مأوى للأفئدة المؤمنة بسكينتها،والأودية مقامات للترنم بخضرتها،ولا تخلو من ألحان طيورها الندية،وحينما كانت النسوة يجلبن المياه على ظهورهن من الغيول المتناثرة،ويحملن القِرَب والجرار المعبأة بماء الحياة؛كان الجميع يتآلف في سهولة لُقيا،وفي ترحاب يجتمعون قرب أدنى شجرة من سدر،ويستظلون بأكبر شجرة معمرة،هذه الحياة كانت تُمارس بالغناء في جدها وهزلها وتُقام الحياة بالتغني باللحن المباح،غناءٌ في العمل،غناءٌ في الحرث،غناءٌ للأرض،غناءٌ في الأفراح ،غناءٌ في الأعراس،غناءٌ في الأسواق،غناءٌ في الأشواق،غناءٌ في المآتم والأحزان على عادات العرب منذ الأزل . ولكن تلك المباهج أضحت أساليب تثير تساؤلات وأمست عادات لا يجدر التمسك بها ولا يجب استحسانها بل المطلوب مقاومتها بأفعال الجديد الغالب،وصار من الطبيعي المناداة بتقليصها والحد من حضورها وأحيانا إلغائها مادام الأجداد والأسلاف قد رحلوا فلترحل معهم فعاليتهم،وكأنَّها تراءت لهم أنها من المعايب النواقص بعد أن كان الشاعر متخما بأحلامه المستقبلية ومؤمنا بما أوحى إليه جده وسلفه (في المدرسة /كانوا يقولون لنا : إنَّ الخريف أصفر وجافٌّ / وكان جدي يسمِّي اخضرارالأرض ونضج موسم الذرة خريفا / ومن يومها وأنا لا أصدِّق المدارس )ومن هنا بدأت المفارقات،وشرعت تطلُّ برأسها التناقضات، وأخذت روح الطفل تتأذى من قلقها وتشقى بنزقها . . . ( روحي طفلٌ قلقٌ / أحملُه كذنوبي / في طيش/ يمشي بي / ويشي بي لمشيبي) بعد الحلم الكبير بالتغيير للأنقى والتطوير نحو الأفضل والسعي للأسمى ؛ فإذا بالحلم قد بات جاثوما جاثيا والأماني صارت هباء والتطلعات أمست كابوسا ثقيلا،واحتشدت البيئة الوادعة بالخيبات،وأصبح التفاعل انعزالا في زمان أحدب يهشُّ بعصاه على الموتى ( يُمرّغُ أحلامك / في أبديته الرّثة / لتنسَ أسلافا / يطلون بأغانيهم / من صندوق غيمة ضالة / قذفها جبلٌ مفزوع) كل هذه التناقضات مع الأغيار في مجتمعه الأدنى يحمل أذى ذاتيا غائرا ،وله تأثيره في النفس بصورة أليمة وحادة؛ولذلك لا نستعجب من إلحاح فكرة الانفصال عن المجموع المغاير والانعزال عن المجتمع،ومن هنا يتأتى الإحساس بالغربة الموضوعية،وليست الغربة المكانية،نلحظها منذ زمن مبكر وأكاد أجزمُ قبل أن يخرج من قريته ومدينته «رجال ألمع «وقبل الوصول إلى مدينة أبها والسكن فيها،ولكن الغربة على كل حال مريرة،سواء الغربة الموضوعية أو الغربة المكانية التي مارسها الشاعر محمد بن زايد الألمعي بعدرحيله خارج الوطن،ولكن الغربة الموضوعية في مجتمعه كانت الأنكى والأشدَّ تأثيرا ؛ لأنها كانت موجعة بحجم الرفض الذي لاقته رؤاه الخاصة في تطوير مجتمعه وتغييره للأفضل(لا شيء يثقلني / سوى حقلي البعيد / وغيمتي المتدانية / لا شيء ينأى بي / سوى قلقي / وذاتي الذاوية / لا شيء إلا أنني وحدي / وروحي نائية !!) ومع كل التناقضات السلبية تظل روح محمد زايد الألمعي من أنقى الأرواح وتبقى نفسه من أزكى النفوس في حفاظها على تقاليد الأسلاف وفي الوفاء بوصايا الأجداد،ومن السجايا التي ترسخت في فكر الشاعر الصدقُ فيما يعتقده ويؤمن به . (هكذا عند فاصلة في مهب الطفولة كان / وها هو يمضي إلى حافة العمر محتملا وزر أسلافه / ودماء الرجال الذين يموتون دوما نهار الأحدْ / وما كان إلا فتى حلما / لم يصلْ منذ خمسين عاما / ولم يتئدْ / يالهذا العجوز الولدْ !!) . في الوقت الذي كان فيه الشاعر ،حسب رؤيته لوظيفة الشعر التقدمية، يسعى إلى المحافظة على تراث الآباء والأجداد في التمسّك بالأرض والاهتمام بحرثها والعناية بزراعتها ؛ كان الأحفاد يعيشون في عوالم أخرى مغايرة وناتئة لا يرضاها الأباء ويأباها الأجداد الذين تربوا على الحكمة وحب الأرض والتغني بروحها وريحانها،وقد عانوا أحيانا من نوائب الدهر ونوازل الزمن وخبروا صروف الحياة،ورأوا أنَّ النجاح هو في الود مع الأرض ومصاحبتها لتعطي بلا حدود بعيدا عن احتقارها والتقليل من قيمتها والإزراء بهباتها،والتحذير من إهمال زراعتها ومن مغبة هجران مراعيها وترك مواشيها هملا،والتحذير من الاعتماد على رغد العيش والانبهار بكل جديد على حساب الجذور والأسلاف . لقد ترك الأحفاد الأرض والمراعي وهجروا السنابل وأشجار السدر بعدما كانت حياة وغناء، غدت تلك الحياة المكتنزة بالأرواح الحية أعشاشا للطيور الجارحة وأوكارا للعناكب تعشعش فيها،وأصبحت تلك الغابات الغنية مساكن للنمل يستعمرها ويحيلها أطلالا دارسة وأضحت الأودية خرابا،وأمست المزارع والمراعي خالية لم تمسسها يد الأحفاد بعد كلل محاريث الآباء . لقد تنبه الشاعر إلى موضوع في غاية الأهمية وهو تفريغ أودية الجنوب السعودي من أهله وساكنيه،وحذر الشاعر من مغبة هذا العامل بغض النظر عن أسباب الهجرة سواء لأسباب وظيفية أو لأسباب تحسين ظروف المعيشة أولأسباب زيادة دخل الفرد أو حتى لأسباب شخصية،وهو هنا ينظر برهبة وارتياب من العوامل المساعدة في انتشار الهجرة والخروج عن طريق قدوم الراحلين ومجيء الغائبين إلى منازلهم فقط إما لإقامة الأعراس وتكوين أسر جديدة خارج البلد ، وإما لقبر الأجداد في أوديتهم أولدفن الآباء في قراهم،وبذلك تتلاشى القرى،وتخلو الأودية وتجف المراعي،ويهلك الحرث .( منذ عقودٍ لا نعود إلى قرانا المنسيّة / إلا لندشِّنَ أعراس أبنائنا / أو مآتمَ الراحلين من أهلنا / كأنَّ القرية أصبحتْ مَحضنا لنُطفِ السلالة / وجَبَّانة للأسلاف / وكأنّا نعودُ لنكتبَ الفقدان مرّة / ونمحوه مرّة ) .