رجاء البوعلي في روايتها « أيقظني الديك» ..

الطفولة بوصفها ذاكرة لا تنسى .

الطبيعة التي أحرقها المفسدون وخلفوها فتاتا هشيماً، هكذا تصف الروائية رجاء البوعلي الواقع الذي تتحرك فيه روايتها «أيقظني الديك»، التي تُحمّلها ثلاثة أبعاد تتداخل: (البعد الاجتماعي، والبعد النفسي، وبعد الاختصاص الأكاديمي) لتمهد النص بمرحلة طفولة الشخصيات التي سترمي بظلالها حتى شبابهم ومرحلة ما بعد الشباب بقليل، وهي زمن النص، إذ تلقي من خلال السرد الروائي والنصوص الشعرية حدان نقيضان يتحركان في موقع النص: الموقع الرملي (الصحراوي) القريب من البحر، الحد الأول الُحمة المجتمعية ومعرفة الجميع ببعضهم البعض. ونرى هذا من خلال أعين الأطفال البريئة، الحد الثاني خبث ومفسدة أخلاق فئة من الكبار، وصمت فئة حولها كي لا يختل توازن الجماعة، أو كي لا تحدث صدامات لا طائل منها. فمثل هذه الاعتداءات تحدث بين الحين والآخر، وهذه الاعتداءات الجسدية يفترض احتسابها مشاكل هامشية تحدث في كل المجتمعات، مما يتسبب بأضرار جسيمة على الصغار الذين يطالهم ضرر جسدي ونفسي يبقى عالقًا معهم لسنوات، ويشكل مراحل شبابهم وما بعدها ونمط علاقاتهم بالآخرين. البعد الثالث نراه من خلال بطلة الرواية الرئيسية، ميار، التي تحلم بأن تفتح مكتب استشارات حقوقي (قانوني)، تعمل من خلاله على قضايا إنسانية للدفاع عن الأطفال والنساء المضطهدين والمعنفين والمعتدى عليهم والمتنمر عليهم والمجبرين على الزواج (زواج القاصرات) داخل البلاد؛ حيث ترى أنه يمكنها أن تكون صوتهم حيث لا صوت لهم، رغم مواجهتها لمعضلة الاختصاص. وتناقش بوضوح هذه القضية التي يمكننا أن نلقي بها على اختصاصات عديدة غير حاضرة في جامعاتنا، لكن الخبرة التي تحملها من خلال الأعمال (التطوعية)، وشهاداتها التدريبية الجانبية، ومشاركتها في عدد من المؤتمرات، تجعلها تؤمن أن بإمكانها العمل دون (الشهادة)، وأن المشكلة... كل المشكلة أن أخاها لم يدعمها في الأمر. وقامت الروائية بعرض المعضلة بشكل خلاف اجتماعي: (قضية قبول ورفض)، أو (انفتاح وانغلاق)، أو نفاق اجتماعي، فمن جانب الأخ المنفتح، الذي تكتشف لاحقًا علاقته الغرامية بإحدى صديقاتها، لديه مشكلة، أن تعمل أخته على تأسيس والعمل في المكتب الاستشاري القانوني، رغم صمته أمام سفرها ورحلاتها ومشاركاتها في العديد من المؤتمرات خارج البلاد.. لوحدها! فكانت هذه إحدى تناقضات شخصيته. ومن اللافت أن ميار لم تستطع أن تعالج مشكلتها من خلال مشاركة مختص أو مختصة، رغم شبكة علاقاتها المفترضة في المجال وأعمالها التطوعية، حين سألها سالم (الأخ)، ردًّا على سؤالها عن استخراجه للرخصة، هل حاولت مشاركة مختص؟ وإجابتها بأنها جادة ولا تلعب.. لكنها لم تستطع إلى ذلك سبيلا، ولم تحاول إخراج رخصتها شخصيًا! ولم تفكر بدراسة تخصص قريب من المجال، وبقيت تلقي اللوم على الرخص والمتطلبات، وأخيها.. رغم قولها: «الأحلام لها طرائق على الأرض»، لكنها انتظرت أن تطرق بابها بطريقة ما... تتشابك مصائر أبطال الرواية، التي يمكننا أن نحيطهم بإطار أصدقاء الحي أو المدرسة (ذكوراً وإناثًا) وتظهر اختلافات الأطفال ونشأتهم عليها حين يشبون، بين المحافظين والأقل محافظة وغير المحافظين. ونعني بالمحافظة (الحفاظ على الأعراف، أو السائد من اللباس وطريقة الحديث وطريقة التعامل مع الآخرين)، وكانت هذه الرواية مساحة جاهزة لمناقشة معضلة (المحافظة من عدمها)، ففي نهاية النص يستطيع القارئ أن يرى التشابهات والتقاطعات الكثيرة بين شخصيات الرواية: كيف تتشابه النفس البشرية؟ كيف يتشابه أفراد المجتمع الواحد، كيف تكون مساحة هذا التشابه واسعة بين أبناء المدينة الواحدة.. وحين نضيق هذه الدائرة إلى حي واحد؟ ولعل هذا الإفصاح عن التشابه يقلل حدة صراع المحافظين وغير المحافظين الذين يقفون على اختلافهم ويهمشون (تشابههم وتطابقهم الإنساني والاجتماعي والديني والبيئي) ومما يثير الانتباه أن ميار، التي يفترض أن تعرّف عن نفسها بالشخصية المتعلمة والمتحررة والمنفتحة أمام الآخر المنغلق والتقليدي والمحافظ، تقول حين سافرت إلى روما: «يخلعون قمصانهم لأن الطقس حار، وما لنا إلا الصبر... يا إلهي». وهنا إشارة إلى طريقة لباسها المحتشمة والطويلة، أي أن الشخصية المنفتحة صُورت مُحتشمة وهذه دقة نفسية تُحسب للكاتبة، لأنها نسبة كبيرة غالبا ما تُهمش في التصوير السردي، لكنها في المقابل على علاقة برجل وهذه الحيثية، رغم حضورها الواقعي بدرجة ما، تلغي نسبة كبيرة لا تنطبق عليهم، فتكون صورة نمطية مخزونة في الذاكرة (عن المرأة المنفتحة)، هل العلاقات الغرامية علامة تحرر؟ وهنا تبرز المفارقة: لماذا ارتبط انفتاح ميار بعلاقتها برجل؟ فالمرأة المتعلمة «والمنفتحة» قد تكون أصعب في الدخول في علاقة، لأن اشتراطاتها أكثر تعقيدًا، وخياراتها أكثر صرامة، فكيف انزلقت، المتعلمة التي سافرت واشتبكت في قضايا أخلاقية عديدة؟ وإن كانت الوحدة هي التي دفعتها إلى ذلك، فإن هذا يعارض قولها «بأنها ليست وحيدة، وأن حلمها معها»، وهنا تعود للتناقض بين الصورة التي تقدمها عن ذاتها، وبين اختياراتها حين تواجه حاجتها العاطفية والإنسانية. تدخل الروائية البوعلي بطلتها ميار في صدام نفسي مع ذاتها، وهذا الصدام يحمل معه محورين: محور علاقتها بجلال، ولعله أقرب لعشيق بمرتبة صديق مع الاستفادة من خدماته لإتمام أعمالها المعلقة، أو لمساعدتها على الوصول لبعض مراميها، رغم فشله في ذلك، ثم زواجها المفاجئ من جاسر، ضحية الاعتداء الجسدي طفلاً، المغترب شاباً، المبتعد هربًا من الماضي والمجتمع والذاكرة، ولعلّ دافعها في الإنقاذ والمساعدة وحملها معاناة الآخرين ورتق ماضي من عاصرتهم بجانب من عرفتهم، ومن حلمت أن تدافع عنهم، وقع في شخصية جاسر، لتنقذه من خلال الزواج به، ليتجاوز ماضيه الذي التصق به وكوّن انحرافه السلوكي والجسدي أخيراً. وهنا تبدو ميار وكأنها تحمل مشروع الإنقاذ معها أينما ذهبت، فهي لا تكتفي بأن تجعل الدفاع عن الآخرين مشروعاً مهنياً تحلم به، بل يمتد هذا المشروع إلى خياراتها الشخصية وعلاقاتها، ليكون الحد الفاصل بين التعاطف مع الضحية والرغبة في إنقاذها أقل وضوحًا، خاصة حين يتحول جاسر من شخص يحمل آثار طفولة مؤلمة إلى زوج اختارته، ولعل هذا التداخل بين المهني والإنساني والعاطفي يفتح سؤالاً آخر: هل يستطيع الإنسان أن يساعد الآخر من دون أن يجعل خلاصه مسؤولية شخصية يحملها على عاتقه؟ وهل يمكن أن تتحول الرغبة المستمرة في الإنقاذ إلى عبء على المنقذ؟ هذا النص المؤلم والواقعي بإمكانات مآلات أبطاله وأحداث حيواتهم، يترك لنا سؤالًا مهماً: ماذا يمكننا أن نفعل لنجعل هذا المجتمع أكثر أمانًا للأطفال؟ متى علينا أن نصمت؟ ومتى علينا أن نتحدث وأن نواجه مشاكلنا؟ أي المشاكل يمكن تجاهلها، وأي المشاكل يعد تجاهلها جُرمًا في حق الإنسانية والمجتمع والدين؟ وكيف يمكننا معالجة غياب بعض التخصصات؟ وهل يمكن اعتبار الشهادات الجانبية والمؤتمرات بديلاً عن الاختصاص؟ وكيف يتحرر إنسان من هوسه في الإنقاذ؟ وكيف يغالب غربته ووحدته في هذا العالم؟ قالت ناريمان: « لست وحدي، معي حلمي، الكيان الوحيد الذي لم يتغير لونه ولا مذاقه رغم تعاقب الظروف علينا»، لكنها نسيت أو تناست أن الأحلام تتغير كما يتغير البشر، وأن طبيعة الأشياء الحركة لا السكون، وأن الحركة والتغيير سنة من سنن هذا الكون.. وأن الثبات وعدم التحرك موتٌ مُحقَّق.