«سنعشق الريح لو لديها القدرة على اقتلاع ما بداخلنا». الريح رمزٌ من رموز التغيير وخلق المتحوّل، أما المكان فعلامة الثبات؛ لذا توجّه محمد جدّاد إلى الثابت وانْسَاب إلى المتحول «الهامش»، من خلال عنوان مجموعته الثانية (شارع السلام) التي صدرت عام 2026م، والتي تحتوي على ثماني قصص تمتد على فضاء ورقي بلغ 105 صفحات، وقد جاءت المجموعة الثانية بعد قرابة تسعة أعوام من إصداره الأول المعنون بـ(الحوجري)، الذي ارتبط بالأسطورة بشكل بارز، وهو مغايرٌ لما طرحه في مجموعته الثانية في تناوله «الهامش» الذي يختفي خلف شارع السلام، الشارع الذي يقسم مدينة صلالة إلى قسمين، وارتبط بذاكرة السوق الناشئ مع العهد الجديد والحارات القديمة. فالمكان هنا يلعب دور ثنائية الثابت وتمثله الحارات القديمة، والمتحوّل ويمثله السوق الجديد وما زامن ذلك المتحول من هامش اقترن بالمهاجرين، وهامش محلي من صلب المكان. ما معنى قولنا الهامش؟ كان القدماء يطلقون مسمى الهامش على كل كتابة خارج النص، فالنص ثابت، والهامش هو المتحوّل الذي يشرح فائدةً توضح المتن، أو يرد عليه؛ إذن الهامش لا يُنظر إليه إلا لحاجة أو استزادة، أي -كما يقال- من نافلة القول أو الكتابة. أما «الإنسان الهامشي» فقد ظهر عند عالم الاجتماع روبرت بارك سنة 1928م، حيث ظل طويلاً مقتصراً على علم الاقتصاد (أدب الهامش وقضاياه، جامعة ابن خلدون، 2021م)، ومن ثم انساب إلى علم الاجتماع لدراسة حياة المنسيين والذين يعيشون في طُرّة الحياة وعلى حافتها؛ هم المدقعون فقراً من متسولين ولصوص صغار ومتشردين وبائعين متجولين وصغار الموظفين، وبعدها أخذ مكانةً في الآداب العالمية، خاصةً الفضاء السردي، وقد عُرّف أدب الهامش بأنه الأدب الذي يمنح صوتاً للهامش الاجتماعي والثقافي، ويعبّر عن تجارب المهمشين بوصفها جزءاً أصيلاً من الوعي الإنساني، في مواجهة هيمنة المركز وخطابه. هامش الشخصيات لقد تدرّج محمد جدّاد في شخصيات (شارع السلام)، إذ بدأ بالمهاجرين (شاه أمين/ ديوان)، مع أن أسباب الهجرة تختلف بواعثها بين شاه وديوان؛ إذ الأول هرب من الموت ليجد لنفسه مكاناً في وطن الخفاء الذي لم يقبل به، بخلاف ديوان الذي جاء بطريقة غير شرعية هرباً من الجوع والفقر، ليفضفض للغرباء: «نحن الغرباء نحب كشف جراحنا لغريب آخر»، فالمهاجر الذي اختار الابتعاد عن مجتمعه الأصلي، أو الذي تم إبعاده دون أن يكون قد اندمج فعلياً وبعمق في مجتمعه الجديد، يصبح أكثر عزلة، ويجد نفسه في مواجهة ثقافتين، وهنا سيكون الإمحاء، أو الرجوع إلى المربع الأول الذي هرب منه؛ إذ إن عدم الاندماج يُحدث اغتراباً ذاتياً كما حدث لشاه أمين فوجد ميتاً في قارب صيد، أو الخيار الثاني وهو العودة إلى النقطة التي هرب منها. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل الهامشية عقاب أم خيار؟ وهل كانت نهاية ابني البخيل في السجن خياراً مفضلاً لهما بالقياس إلى ما يكابدانه في بيتهما؟ «زرعوا بنا الغضب على هذا الكون ومن فيه، وسقيا قلوبنا بالرعب والخوف، كانا ينتزعان قلوبنا ويُفرغانها من العواطف ثم يُعيدانها» (ص 37). فالهامش هنا خيار ونتيجته عقاب، فما لقياه (سعيد وأخوه) كان نتيجةً حتمية، ولا أظن المؤسسة التي رأت كل الأعمال التي قام بها الأخوان -دون النظر إلى العواقب التي ستنتج عنها- تخرج عن نطاق تحمّل المسؤولية. والأمر يكاد ينسحب على الأطفال الذين أتوا بهم من خلف البحار (غريب/ سعدية) ليكونوا ضمن شريحة معينة فتخدم الأسياد أحياءً أو أمواتاً في صورة ضريح، لترحل بهم الذاكرة إلى الأيام التي حدث فيها الاختطاف، والآثار التي بقيت في أجسادهم، وما حدث من الفرقة بينهما، ومع أن الذاكرة لم تسعفهم بالتفاصيل المكانية، إلا أن القدر جمعهم في محيط الولي الميت «جنيد»، وجمع همومهم أيضاً. لقد كشف جدّاد الستار عن مجتمع يعيش ثنائية (العلو/ القاع)؛ الفخر بالمكارم والهبوط في تهميش المساكين في الخفاء؛ ليخرج من يمتهن ما يعدونه جريمةً في شرف القبيلة دون النظر في الأسباب؛ طاهر الشاب الذي انتقل من حفّار للقبور إلى ملثم يمسك بأطراف سيارة البلدية، حاملاً السخط لكل ظالم، بل وينفّذ فيه العدالة بطريقته. وأكثر ما تناولته مجموعة «شارع السلام» من المهمشين جنسُ النساء؛ سواء أكانت المرأة من البيئة المحلية، أم من فئة العاملات اللواتي يرزحن تحت ظلم سيدات المجتمع الجديد (خديجة/ ميريمبا -العاملة-/ سلطانة)، فدخول المرأة عالم الهامش ناتج عن ظلم ذلك الكائن الذي يقال له (الذكر)، ومن أخذن دورهم في البيوت من النساء اللواتي تسلّطن على العاملات في صورة المحقّق الذكي. هامش المكان سيظل المكان ذا الأبعاد الثلاثة هو المحسوس في هذا الكون ويكون الزمن متمحوراً حوله؛ فاختيار «شارع السلام» الواجهة المزدانة بالمحلات التجارية وخلفيته التي لا يلقي لها الكثير من المارة بالاً، بقدر ما هي عملية ديناميكية لتغيّر الزمن؛ فالخفاء الذي يحيط بذلك المكان كفيل بأن يبتلع أجناس البشر وأحوالهم، والكاتب كأنه تجوّل في تلك التابوهات المكانية فأمسك بيده أثراً من تلك الأرواح التي أتت بكل همومها؛ لم يكن يعلم الناس أحوال شاه أمين حين يظل ساهماً يحدّق في الفراغ لا يثيره ما حوله، ولا الخرقة البالية التي كانت كالتعويذة في جيب ديوان، ولا قبضة طاهر على المقبض وهو ملثّم، والأغاني التي هي حديث الأرواح، أو سلطانة ذات الحجاب؛ فالحارات القديمة طلسم يحتاج إلى عارف يفك رموزه، فهي على شدة غموضها، وصعوبة الولوج في منعطفاتها، إلا أنها منجم من القصص للأنساق الثقافية المختلفة التي تختزلها تفاصيل المكان. هامش القضايا لا شك أن القضايا التي تناولتها المجموعة ذات فضاءات وأطياف عدة؛ سواء من المهاجرين، أم ممن اختلط دمهم بتراب الوطن؛ فقد امتدت النصوص الثماني لتكشف قصص الاغتراب والنزوح الهوياتي (شاه أمين/ ديوان/ ميريمبا/ غريب) كما يرى الناقد سامي نصر، وقضية البخل التي تدمر كل ما يقف أمامها فيكون السجن أحبّ إليّ: «أبلغني بوفاة والدي، ظن أنني سأبكي، أو أحزن؛ فوجئ عندما رآني أبتسم، وأرفض الخروج لدفنه»... ولعل تلك الندوب التي تُركت على أجسادهم لتكون علامةً على الانكسار، أو الاغتراب، انسلت إلى أعماقهم فترُجمت في النظرات والأفعال تجاه المجتمع: «وفي الحقيقة كان يحمل كل منا جرحاً مخبأً بجيب صغير بأطراف الشنطة»، فتميمة أسقطت اسمها بكل ما يحمل من عذابات وندوب إلى سلطانة لتكون سلطانةً على نفسها بالرغم من كل الظروف. «نصبح إخوةً كلما تجرّدنا من حدودنا الوهمية، نقترب من أنفسنا أكثر كلما نفضنا تراكماتنا التي تشوه أرواحنا!»؛ لعل هذه العبارة التي أتت في آخر صفحات المجموعة هي التي أوضحت الأسلوب الفني الذي اعتمدَه محمد جدّاد في قصصه؛ لغة بسيطة وواقعية تصور الحياة اليومية للمهمشين كما هي، تعتمد تقنية الوصف الدقيق لما يحيط بشخصياته المهمشة وكأننا أمام شاشة كبرى تنقل لنا أدق تفاصيل المشهد، وبلغة حوارية متفاوتة لا تعتمد الحوارات المطوّلة أو المقتضبة، وإنما حوار يكشف عن معاناة الشخصيات ويفسّر واقعها المر، كما يكشف المنولوج الداخلي عن الصراعات النفسية والاغتراب الذي يعيشه المهمش: «غيمة الحياة يا سلطانة لا تمطر سعادةً دائماً، وطائر البخت لا يغرد على طائر أملس كل يوم» (ص 101). ختاماً، يُقال إنّ العمل الأدبي العظيم هو الذي يعيد تشكيل رؤى القارئ نحو ما يهدف إليه الكاتب، وهو عين ما صنعه محمد جدّاد في مجموعته «شارع السلام»؛ فقد صوّر الكثير من المشاهد التي تمر بنا دون أن ننتبه إلى تفاصيلها، وأطلعنا على الهامش الذي يتوارى خلف مكان يزدهي بألوانه البراقة، فقصص «شارع السلام» تعيد خريطة وعينا لمدينة صلالة من جديد، لتجتاز بنا إلى تلك الشخصيات التي سنطالعها بشعور مختلف عما كنا نشعر به في السابق، وهنا تميّز محمد جدّاد في زرع مفهوم المكان والهامش لدى القارئ والمبدع على حد سواء، وأبحر بنا تجاه زاوية ظلت حبيسة وهم الرخاء.