(فيلم The Immaculate Room حين تصبح الغرفة البيضاء مرآة ).
ماذا لو أُغلقت عليك غرفة بيضاء، خالية من كل شيء تقريبًا، وأُغلقت معها أبواب العالم؟ لا هاتف، لا أصدقاء، لا عمل، لا ضجيج، ولا فرص للهرب من الشخص الوحيد الذي يشاركك المكان، هل ستكتشف حينها أنك قادر على احتمال الآخر أم أنك غير قادر على احتمال نفسك؟ هذا السؤال يضعه فيلم The Immaculate Room أمامنا، من خلال تجربة غريبة يقوم بها طبيب نفسي ضمن سلسلة بحوث، يحاول من خلالها اكتشاف عوالم الإنسان الداخلية، ويبدأ بوضع مجموعة من البشر تحت عدسة المجهر كالفئران تمامًا، والمقابل مغرٍ جدًا وهو الحصول على خمسة ملايين دولار بانتهاء التجربة والتي تقتضي أن يقضي الزوجان مدة لا تقل عن خمسين يومًا داخل غرفة بيضاء، لا شيء فيها إطلاقًا سوى ساعة إلكترونية وميكروفون للتواصل، يدخل «مايك» و«كيت»، الزوجان اللذان يقرران البقاء خمسين يومًا في الغرفة المعزولة، وتبدو المسألة في البداية اختبارًا للتحمل، لكن الغرفة سرعان ما تتحول إلى مختبر نفسي قاسٍ كلما انخفضت المثيرات الخارجية، ارتفع صوت الداخل. الغرفة البيضاء ليست مكانًا للأحداث فقط، بل هي استعارة ذكية للفراغ، حين تُنتزع من الإنسان أشياؤه التي تمنحه شعورًا زائفًا بالانشغال، لا يبقى أمامه سوى ذاته! وهنا يبدأ الاختبار الحقيقي ماذا تفعل حين لا تستطيع الهرب من أفكارك؟ وماذا يحدث للحب حين لا يعود هناك شيء يشتت الطرفين عن بعضهما؟ مايك وكيت لا يكتشفان بعضهما داخل الغرفة بقدر ما يكتشف كل منهما نفسه على حقيقتها، فالعلاقة التي تبدو مستقرة في العالم الخارجي تتعرض للاهتزاز حين تُحرم من شروطها المعتادة، فيظهر الاحتياج، والغيرة، والشك، والرغبة في السيطرة، وتظهر كذلك أسئلة ربما كان من الأسهل مناقشتها خارج هذه الغرفة، ومع تقدم التجربة تصبح الغرفة أشبه بمرآة لا ترحم لا تستطيع أن تكذب عليها طويلًا لأنها لا تمنحك شيئًا تنشغل به عن الحقيقة. وربما لهذا لا أرى الفيلم فيلمًا عن العزلة بقدر ما أراه فيلمًا عن الوهم الذي نعيشه حين نظن أننا نعرف أنفسنا والآخرين، نحن نعرف الأشخاص في ظروف معينة، وفي نسخ محددة منهم، لكن ماذا يحدث عندما تتغير الظروف كلها؟، و لا أعتقد أن الغرفة ملونة بالأبيض مصادفة؛ إنه بياض يشبه الصفحة التي لم يُكتب عليها شيء بعد، أو المختبر الذي يريد أن يعزل الإنسان عن كل ما يمنحه هويته لا ألوان، لا روائح، لا مذاق للطعام، بثياب موحدة، حتى الحواس تُسحب من التجربة، فالإنسان لا يُعرَّف بعقله فقط، وإنما بذاكرته الحسية أيضًا رائحة بيت، لون مكان، شكل الملابس، الرائحة، آثاره في المكان وفوضاه، مذاق طعامه، وحين تُنتزع هذه التفاصيل، يُنتزع معها شيء من وهم الهوية، و المال هو القوة التي تجعل التجربة ممكنة، خمسة ملايين دولار تكفي لجعل الإنسان يوافق على خوض أي تجربة مهما كانت خطرة أو غير معتادة، بل والتنازل في سبيلها عن أثمن ما يملك، فتتحول العزلة إلى اختيار، والألم إلى صفقة، كتجربة نرى من خلالها الحدود التي يمكن أن يصل إليها الإنسان حين تصبح معاناته ذات سعر. لكن المفارقة أن التجربة لا تكتفي بمراقبة السلوك؛ إنها تغيّره، و كلما طال البقاء، ظهرت الغيرة والرغبة والخوف والشك والأسرار، وكأنها تصنع نسخة أخرى منه، وشعور بوجود مراقبة دائمة من قبل سلطة غير مرئية؛ ذلك الطرف الذي يملك المال والمعرفة والقواعد، ويستطيع أن يراقب ويختبر دون أن يمنح المشتركين حق معرفة الصورة الكاملة. وهنا يتجاوز الأمر سؤال العزلة إلى سؤال أوسع من يملك الحق في أن يجعل من إنسان آخر موضوعًا لتجربة؟ لهذا لم أخرج من الفيلم بسؤال هل يستطيع الإنسان البقاء خمسين يومًا في غرفة؟ بل بتساؤل آخر وهو كم من الظروف يجب أن يوضع فيها المرء ليرى نفسه من الداخل ويجرب إنسانيته فعلًا؟، والتجربة هنا تكشف الفرق ما بين أثر العزلة حين تكون اختيارية، وبين أثرها حين تكون إجبارية ومقننة، فالفرق ليس في العزلة ذاتها فقط، بل في الشعور بالوكالة هل أنا الذي اخترت أن أكون هنا، أم أنني أُجبرت على أن أكون هنا؟ أما حين يختار الإنسان عزلته، فسيبقى لديه حتمًا شعور ضمني بحرية القرار، وبأن الباب يمكن أن يُفتح متى شاء، حتى لو كان لا يريد الخروج، فمعرفته بأن الخروج ممكن ستمنحه قدرًا من الأمان والسيطرة، ولهذا قد تكون العزلة الاختيارية أحيانًا تجربة تأملية للكاتب، أوالمتأمل، والمسافر المنفرد… ينسحب من العالم لكي يقترب من ذاته، لكن حين تكون مفروضة، فهي شيء مختلف نفسيًا؛ يُحرم الإنسان من الاتصال بالآخرين دون أن يختار ذلك، ولا يعود الأمر مجرد هدوء أو ابتعاد عن العالم، وإنما يتحول إلى فقدان للسيطرة، رغم أن المشتركين اختاروا الدخول إليها مقابل المال، فإن الفيلم يبدأ تدريجيًا في سحب هذا الإحساس بالاختيار كلما طالت المدة، ليصبح الخروج أكثر كلفة نفسيًا وماليًا. الفيلم من إخراج وكتابة موكوندا مايكل ديويل، وبطولة إميل هيرش، وكيت بوسورث، وآشلي غرين، وإم. إيميت والش، وفاز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل في London Independent Film Awards عام 2022، كما رُشحت موسيقاه لجائزة Canadian Screen Music Award. ويبقى سؤال: هل يستطيع الإنسان أن يحتمل العزلة؟ هل يستطيع أن يحتمل نفسه حين تُسلب منه كل الوسائل التي كان يستخدمها للهروب منها؟ فالإنسان لا يكتشف ذاته فقط حين يكون حرًا، وإنما حين تُنتزع منه الأشياء التي كان يختبئ خلفها، وربما كانت الغرفة البيضاء، في النهاية، أقل قسوة مما توحي به؛ لأنها لم تفعل سوى أن أغلقت الأبواب على الإنسان، ثم تركته أمام أكثر الأشياء التي اعتاد الهرب منها؛ نفسه، وأصعب ما في التجربة ليس أن تبقى خمسين يومًا خلف باب مغلق، وإنما أن تخرج منه وقد عرفت نفسك، ثم لا تستطيع بعد ذلك أن تعود إلى الحياة القديمة بالطريقة نفسها!