مكة.. من «حلف الفضول» إلى «حلف الدفاع».
ثمة أماكن لا يمرّ بها التاريخ، بل يصنع فيها التاريخ معانيه الكبرى، ومكة واحدة من تلك الأمكنة التي ظلت عبر القرون شاهدة على تحولات الإنسان في بحثه عن الحق والأمن والعدل والكرامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مستعيدا حلفًا شهده في مكة قبل البعثة: «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت». وما كان هذا الإقرار النبوي لحلف نشأ في الجاهلية إلا إقرارًا للروابط والأسس التي قام عليها؛ فالفضائل لا يغيرها الزمن، والعدل لا تسقط قيمته، والحق يظل حقًا أيًّا كان التاريخ الذي وقف فيه الرجال إلى جواره. كان ذلك حلف الفضول حكاية بدأت من مظلمة رجل، لكنها سطرت في التاريخ لأنها تجاوزت صاحب المظلمة إلى معنى أكبر منه؛ قدم رجل إلى مكة بتجارة، فظلم في حقه، ولم تكن وراءه في مكة عصبية تحميه. وفي زمن كانت القبيلة فيه ظهر الرجل وسنده، كان الغريب إذا ظلم وحيدًا أشبه بمن يقف في العراء. لكن نفرًا من قريش أبوا أن يصبح ضعف الرجل سببًا في ضياع حقه، فاجتمعوا في دار عبد الله بن جدعان، وتعاهدوا ألا يجدوا في مكة مظلومًا إلا وقفوا معه حتى ترد إليه مظلمته. هكذا، ببساطة، لم يكن للحلف جيش، ولا حدود، ولا راية؛ كانت قوته في الكلمة التي التزم بها الرجال. وربما لهذا ظل النبي صلى الله عليه وسلم يتذكر ذلك المجلس بعد سنوات طويلة؛ بعد أن جاء الوحي، وبعد أن أصبح للإسلام دولته ونظامه وقوته. كان يمكن لحلف الفضول أن يصبح خبرًا صغيرًا من أخبار الجاهلية، لكنه لم يمض؛ لأن الإسلام لم يأت خصومة مع مكارم الإنسان، بل جاء ليتممها؛ فما كان عدلًا أقره، وما كان وفاءً عظّمه، وما كان نصرة للمظلوم جعله من صميم أخلاقه. ومن هنا يمكن أن نقرأ معنى الحلف في التصور الإسلامي قراءة تتجاوز اسمه السياسي؛ فليست الأحلاف في ذاتها فضيلة، كما أنها ليست في ذاتها مذمة، إنما قيمتها فيما اجتمعت عليه، وفيمن تحمي، وفي الغاية التي تسخّر لها القوة. وقد أقام الإسلام في ذلك معادلة بالغة الدقة؛ فالعدل يحتاج إلى قوة تحميه، كما أن القوة تحتاج إلى عدل يهذبها، ولهذا جاء الأمر الإلهي واضحًا: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة﴾. لم تكن دعوة إلى حرب، بقدر ما كانت تأسيسًا لقوة تمنع الحرب من أن تكون خيارًا سهلًا في يد المعتدي؛ فالضعف لا يصنع سلامًا، كما أن القوة وحدها لا تصنع عدلًا. وبين ضعف يغري بالعدوان، وقوة قد يغري امتلاكها بالطغيان، أقام الإسلام ميزانه في قوة تعدّ ولا تعتدي، تردع ولا تطغى، وتحمي ولا تستبيح، وليس هذا المعنى بعيدًا عن مكة؛ ففي هذه البقعة دعا إبراهيم - عليه السلام - قبل آلاف السنين: ﴿رب اجعل هذا بلدًا آمنًا﴾. وكأن بناء الأوطان يبدأ من هنا، من الأمن؛ فلا عمران في أرض يخاف أهلها، ولا تجارة في طريق لا يأمن سالكوه، ولا علم ولا حضارة ولا مستقبل يستقر طويلًا في وطن لا يحرس استقراره. ومرت القرون، وظلت مكة هي مكة، لم تمنحها الأيام مكانتها حتى تستطيع الأيام أن تنتزعها منها؛ فقد اختارها الله لبيته، وجعلها قبلة للمسلمين، وحرمًا آمنًا، وجعل أفئدة الناس تهوي إليها من كل فج؛ ولهذا لم تكن مكة في الوجدان الإسلامي مدينة تسكنها الجغرافيا بقدر ما كانت معنى تسكنه الأمة، إليها تتجه الوجوه في الصلاة وإن تباعدت الأوطان، وحول بيتها يطوف الناس وقد تركوا وراءهم اختلاف الألسنة والألوان والمناصب، ووقفوا في لباس واحد، أمام رب واحد. ولعل في هذا شيئًا من سرها؛ فالمكان الذي علّم المسلمين كل يوم أن قبلتهم واحدة، كان طبيعيًا أن يذكّرهم، كلما فرّقتهم السياسة، بأن اجتماعهم ممكن، والمكان الذي جعله الله حرمًا آمنًا، كان جديرًا أن تطلب في رحابه المصالحة، والمكان الذي عرف قبل الإسلام حلفًا لنصرة مظلوم، ثم أقر الإسلام فضيلته، بقي قادرًا عبر العصور على أن يمنح الاجتماع معنى يتجاوز طاولة الاجتماع نفسها. ولهذا ظلت مكة عبر القرون مقصدًا لذوي الهمم، وموضعًا لأهل الرأي والعزم، ومهوى لمن يحملون همّ الأمة؛ يأتيها العلماء والحكام والقادة، وتلتقي فيها الشعوب، لا لأنها تتوسط خريطة العالم، وإنما لأنها تتوسط وجدان المسلم. تبدلت الدول، وتعاقبت العصور، واختلفت الرايات، وبقيت الكعبة في مكانها تشير إلى معنى لا يتبدل: أن لهذه الأمة مركزًا، وأن تفرق أطرافها لا يلغي وحدة قبلتها. وفي العهد السعودي اكتسب هذا المعنى امتدادًا جديدًا؛ فمن مكة خرجت دعوات للاجتماع، وفيها انعقدت المؤتمرات والقمم، وإليها جاءت خصومات تبحث عن مصالحة، وعلى أرضها صيغت مواثيق أرادت أن تطفئ حربًا، أو تجمع كلمة، أو تحمي أمنًا. كانت الأسماء تتغير، والقضايا تتغير، والعالم من حولها يتغير، ومكة لا تتغير في معناها، وكأنها تقول للقادمين إليها في كل عصر: قبل أن تختلفوا على الحدود والمصالح والمواقف، تذكروا أنكم حين تصلون تتجهون إلى مكان واحد. ثم يدور الزمان دورته، وتعود مكة اليوم إلى المشهد من باب آخر؛ ففي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وفي زمن يقود فيه ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله - مشروعًا سعوديًا واسعًا لبناء قوة الدولة وتنويع اقتصادها وتعزيز أدواتها وشراكاتها، يأتي حلف الدفاع ليعيد إلى الواجهة سؤالًا قديمًا عرفته مكة منذ حلف الفضول: كيف تصبح القوة حارسة للحق، لا عبئًا عليه؟ وبينهما معنى يستحق التأمل. هناك، اجتمع رجال حتى لا يبقى مظلوم وحده أمام من هو أقوى منه؛ وهنا، تجتمع دول حتى لا يبقى المعتدى عليه منفردًا أمام الخطر؛ هناك كانت قوة الجماعة تحمي حق الفرد، وهنا تصبح قوة التحالف وسيلة لحماية أمن الدول. تغيرت الصورة... وبقي شيء من المعنى. ولعل هذا ما يجعل التجربة السعودية المعاصرة جديرة بأن تقرأ من عمقها التاريخي، لا من أخبار يومها فقط؛ فالدول لا تبني قوتها العسكرية بعيدًا عن قوتها الاقتصادية، ولا تبني اقتصادها بعيدًا عن أمنها، ولا تصنع حضورها السياسي دون أن يكون خلف ذلك كله إنسان يعرف إلى أين يريد أن يصل! وفي ضوء ذلك، يمكن قراءة مشروع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بوصفه مشروعًا يتجاوز مجموعة من المنجزات والمشروعات التي تحصى بالأرقام، إلى بناء مفهوم أوسع للقوة السعودية الشاملة، يتضمن اقتصادًا قادرًا على المنافسة، وإنسانًا يستثمر في معرفته، وتقنية وصناعة، وقرارًا سياسيًا، وشراكات تحفظ للدولة أمنها ومصالحها ومكانتها. والدولة التي تريد أن تصنع مستقبلها، عليها أن تمتلك أدوات حماية ذلك المستقبل؛ فيصبح الأمن جزءًا من التنمية، وتصبح القوة إحدى ضمانات السلام، ويصبح التحالف، حين تضبطه غاية الدفاع وحماية المصالح، أداة للردع قبل أن يكون أداة للحرب. ومكة هي المكان الأقدر على حمل هذه المفارقة الجميلة؛ فالمدينة التي حرّم فيها القتال علّمت العالم أن السلام لا يعني الضعف، والمدينة التي دعا إبراهيم لها بالأمن تذكّرنا بأن الأمن ليس تفصيلًا في حياة الأمم، بل شرطٌ لما يأتي بعده، والبيت الذي جعله الله مثابةً للناس وأمنًا ظل شاهدًا على أن الاجتماع لا يلغي الاختلاف، وأن اختلاف الشعوب لا يمنعها من أن تتجه إلى قبلة واحدة. ولهذا، وبعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما زالت كلمة النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الحلف القديم قادرة على أن تعبر الزمن: «ولو أدعى به في الإسلام لأجبت»؛ فما خلّد حلف الفضول اسمه، بل خلّدته فضيلته. وما دامت مكة قبلة، ستظل تذكّر العالم بأن الاجتماع على الحق قوة، وأن أعظم القوة تلك التي تجعل الإنسان أكثر أمنًا، لا أكثر خوفًا. حفظ الله خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وأدام على وطننا أمنه وعزه واستقراره، وحفظ بلاد المسلمين، وجمع كلمتهم على الحق والخير والسلام.