في محبة « اليمامة»

أقولها بكل صراحة : أنا أحد المدينين لليمامة التي تتقن الهديل مُذْ كنت تلميذًا في الصف الأول المتوسط ومُذْ كان المشهد الصحفي والثقافي في بلادنا في البدايات المبكرة الإولى.. ولكي أكون منصفًا أقول اليمامة واقرأ هما المجلتان اللتان شكلتا ذاكرتي ووجداني ولغتي ووعيي الأول بينما كنت أتلمس أبجديتي الكتابية الأولى وأنا برعمٌ صغير غض ، أعيش في النأي ، في أقاصي النأي ، وتحديدًا في “ جزيرة فرسان “ حيث تقصيني الزرقة الضاربة بقسوتها عن الحراك الصحفي والثقافي في مدننا الكبيرة. وبما إن الحديث هنا عن اليمامة وهي تغادر الحالة الورقية إلى الحالة الرقمية فإنني سأغتنم فرصتي كاملةً للبوح لها وعنها بما تجود به اللغة وبما تفرضه تقاليد الوفاء والعرفان بالجميل. كانت اليمامة - وقتذاك - بيتًا أنيقًا يكمنُ في الأعالي ، مؤثثًا بأفكارٍ طليعيةٍ متقدمة ، وبلغةٍ مغايرةٍ ، وبعناوين متوهجة ، وبقضايا متجاوزة ، وبزوايا جريئة ، وبكُتّابٍ يحملون على أكتافهم رؤى لا تنحني للسائد والمتفق عليه..يحدث هذا على المستويين الصحفي والثقافي..مما أسهم في تشكيل ذائقتي ووعيي ، كما أسهم في تشكيل وعي الكثيرين من جيلي ومن أجيال سبقت جيلي وأجيال أتت بعدنا. كانت سحابةُ اليمامةِ مثقلةً بمطرٍ نوعي يسقي حقول وعينا الغض ، إذْ كان كلُّ طرحٍ في اليمامة يستهدف إحداث نقلةٍ متفوقة في المجتمع ، وتحديدًا على مستوى التفكير والوعي والثقافة والإبداع ، كنا نلمس ذلك بدءًا من الغلاف وأنا الموقع أدناه و مدارات ساخنة وقضية العدد وصفحات الأدب والحوارات والزوايا الشجاعة التي لم تكن تحمل طرحًا عاديًّا على الإطلاق. كان الدكتور فهد العرابي الحارثي القادم من باريس ، وتحديدًا من السوربون ، يعمل مع كوكبة عظيمة من كبار الصحفيين والمبدعين التقدميين والكتاب البارعين في بلادنا المتجاوزين لما هو عادي في الإعلام والكتابة معًا للدفع بسفينة اليمامة لتبحر بعيدًا عن المكرّس والممل وعن كل ما لا يضيف ولا يثري..فكان لها أن حققت ما يمكن تسميته بالإنجاز المغاير ، وكان لدورها التقدمي تأثير واضح على مستوى الوعي في الوطن كله. وهنا لا يمكنني أتجاوز ملحق “ أصوات “ الصادر عن مجلة اليمامة إبّان رئاسة الدكتور الحارثي الذي كانت مقالاته تديرُ الرؤوسَ لفرط جمالها وفتنةِ حبرها ومضمونها العالي ، تلك الفترة التي دامت أكثر من ١٣ عامًا والتي استقطبت العديد من الأسماء المهمة في الصحافة والأدب بوصفهم مديري تحرير ورؤساء أقسام و كتّابًا وكتّابَ زوايا بارزين ، أذكر منهم شاعرنا المبدع والمشرف على تحرير اليمامة حاليا عبدالله الصيخان ، و القاص المبدع سعد الدوسري ، والصحفي المهم إدريس الدريس ، والشاعر المثقف عبدالكريم العودة صاحب القصيدة الشهيرة “ البكاء بين يدي فاطمة “ ، والكاتب والمصور المميز صالح العزّاز صاحب المقالة الشهيرة “ مَنْ يدفنُ رأسَ النعامة ؟ “ ، والقاص المبدع محمد علوان صاحب المقال الشهير جدًّا “الشيوعية في جازان “ ، والشاعر الجميل سليمان الفليّح صاحب “ أحزان البدو الرُّحَل “، والأبنوسي الطويل كنخلة المثقف عبدالله نور الذي كان بمقدوره العيش أيامًا في مكتبةِ أيِّ صديقٍ يزورُ بيتَهُ وتروقُ له محتوياتُ تلك المكتبة ، والكاتب الساخر المجنون محمد عبدالواحد صاحب زاوية “ مقاطع لا ترقص عليها الثعابين “. باختصارٍ أقول في ذلك الوقت ، كانت “ اليمامةُ “ كلُّها - بجميع صفحاتها تقريبًا - تصوغ توجُّهًا مغايرًا وثقافةً جديدةً و وعيًا متجاوزًا ، وفي هذا السياق كان ملحقُ “ أصوات “ - الذي أنتجته “ اليمامةُ “ ذاتُها - ملحقًا مهمًّا و كان يشرف عليه الشاعر المبدع محمد جبر الحربي ، ومن معطف “ أصوات “ خرج العديد من المبدعات والمبدعين الذين أضحى صوتُهم عاليًا وحبرُهم ساطعًا في الساحة الثقافية لدينا فيما بعد. أخيرًا أقول : حين قاد الركب اليمامي مجددًا صديقنا الشاعر الكبير عبدالله الصيخان - بعد فترة من الهدوء الذي لا يليق باليمامة التي نعرفها - عادت الروح إلى اليمامة ، وعادت إليها مهارة التحليق في الأعالي ، وعاد إليها الاهتمام بالثقافة والإبداع والنقد والتشكيل والحفاوة بكل اسم جديد . أخيرًا أقول أتمنى لليمامة العزيزة وهي تغادر تاريخها الورقي الأجمل من الخطوات والمشاريع الصحفية والثقافية المميزة.