استدامة الثقافة ورأس المال غير الملموس.

في السنوات الأخيرة، أخذ مصطلح الأصول الثقافية يكتسب حضورًا لافتًا في النقاشات المتعلقة بالاقتصاد الإبداعي. فالمجتمعات لا تُعرَّف فقط بما تمتلكه من مبانٍ تاريخية أو مقتنيات فنية أو معالم تراثية، بل أيضًا بما تحمله من قيم، ولغة، وفنون، وتقاليد تشكّل هوية وطنية قابلة للنمو. غير أن الاقتصاد الحديث يسلّط الضوء على نوع آخر من القيمة، أقل ظهورًا وأكثر قدرة على الاستمرار، وهو رأس المال غير الملموس. تتجلّى هذه الفكرة بوضوح في القطاع الثقافي. فالمشروع الثقافي الناجح لا تُقاس قيمته بما يحدث خلال أيام الفعالية فقط، بل بما يبقى بعدها: قصة يمكن إعادة تقديمها، علامة ثقافية تتشكل، محتوى يمتلك حقوقًا فكرية، خبرات تراكمت لدى فريق العمل، معرفة تنتقل إلى مشروع جديد، بيانات عن الجمهور، وشبكة من المبدعين والشركاء أصبحت أكثر نضجًا. هذه كلها أصول غير ملموسة تشكّل رأس مال قابلًا للتطوير وإعادة الاستخدام. في عالم الأعمال، أصبحت الأصول غير الملموسة أحد أهم مصادر القيمة في الشركات الحديثة. فهي لا تقتصر على العلامات التجارية أو براءات الاختراع، بل تمتد إلى المعرفة، والمهارات، والأنظمة التنظيمية، والتصميم، والمحتوى، والبيانات، والقدرات البشرية. المفارقة أن جزءًا كبيرًا من هذه القيمة لا يظهر بصورة كاملة في القوائم المالية كأحد أصول الشركات، رغم تأثيره المباشر على النمو والإنتاجية. وهذا التحدي معروف في أدبيات المحاسبة الحديثة، التي ما زالت تبحث عن أدوات أكثر دقة لقياس الأصول غير الملموسة. من هنا تبرز أهمية الملكية الفكرية في الثقافة. فعندما تتحول قصة محلية أو شخصية تاريخية أو عنصر تراثي إلى محتوى إبداعي أو تجربة تفاعلية أو تصميم أو منتج، فإن الثقافة تبدأ في توليد أصول جديدة قابلة للتطوير والتوسع. ويُعد نموذج مجموعة الأصول الثقافية مثالًا على هذا التوجه في المملكة العربية السعودية، إذ يضع تطوير الملكيات الفكرية والمشاريع الثقافية المبتكرة ضمن محركات عمله، إلى جانب الاستثمار والتدريب والأبحاث، كما يركّز «معمل الأصول» على تصميم الملكيات الفكرية والشركات الثقافية القادرة على النمو. هذا يقود إلى سؤال جوهري: كيف نقيس نجاح الاستثمار الثقافي؟ هل يكفي أن نسأل عن عدد الزوار، أو عدد الفعاليات، أو حجم الإيرادات؟ هذه مؤشرات مهمة، لكنها لا تكشف القصة كاملة. ربما ينبغي أن نسأل أيضًا: كم أصلًا فكريًا تم تطويره؟ كم موهبة سعودية اكتسبت معرفة قابلة للاستمرار؟ كم علامة ثقافية أصبحت قادرة على النمو؟ هل تحولت الخبرة المكتسبة من مشروع واحد إلى قدرة مؤسسية تُفيد مشروعات أخرى؟ وهل أنتج المشروع قيمة تستمر بعد توقف الإنفاق المباشر عليه؟ وهنا يلتقي مفهوم الأصول غير الملموسة مع مفهوم الاستدامة الثقافية، فالاستدامة لا تعني البعد البيئي وحده، بل تشمل الاستدامة الاقتصادية والمعرفية والثقافية. أن يترك المشروع وراءه معرفة وحقوقًا وقدرات ومحتوى وفرصًا تستمر في خلق القيمة. أن تنتقل الخبرة من جيل إلى آخر. وأن يتحول المبدع من مشارك في مشروع مؤقت إلى صاحب خبرة أو ملكية فكرية أو مشروع قابل للنمو. لهذا فإن الاستثمار الحقيقي في الثقافة لا ينبغي أن ينتهي بانتهاء الفعالية، كل مشروع ثقافي يمكن أن يكون نقطة بداية لتكوين أصل جديد، وربما تكون إحدى أهم خطوات المرحلة المقبلة هي الانتقال من التفكير في إنتاج النشاط الثقافي إلى التفكير في تراكم رأس المال الثقافي غير الملموس. فالدول لا تبني اقتصاداتها الإبداعية بما تمتلكه من مواقع ومبانٍ فقط، بل بما تستطيع تحويله من هويتها وقصصها ومعرفتها ومواهبها إلى قيمة متجددة، من دون أن تفقد أصالتها. وعندما يتحقق ذلك، لا تصبح الثقافة قطاعًا يُنفق عليه للحفاظ على الماضي، بل أصلًا يُستثمر فيه لصناعة المستقبل. *باحثة دكتوراه في المحاسبة والتمويل بجامعة لانكستر بالمملكة المتحدة، ومحاضرة في جامعة الملك فيصل .