«اليمامة».. فصل جديد للصحافة.
ثَمّة أشياء لا نعرف أنها أصبحت جزءًا من أعمارنا إلا حين يقترب موعد غيابها. سنونٌ مضت، ثلاثة عقود ونيف، كنت أنتظر خلالها عودة والدي - حفظه الله - من العمل، لأتلقى منه «الرياض» و«اليمامة». كان لهما في البيت موعدٌ متجدد؛ للصحيفة حضورها اليومي، وللمجلة موعدها الأسبوعي. أتلقاهما بشغف، وأقلب صفحاتهما، وأتوقف عند ما يستوقفني من غير أن أعرف أن تلك الأوراق ستبقى في الذاكرة كل هذه السنوات، وأن المجلة التي كنت أقرأها قارئًا ستعود إليّ يومًا من موقع آخر، كاتبًا فيها. لم أكن أعرف، وأنا في سنوات الدراسة الأولى، أنني كنت أقترب من الصحافة قبل أن أعرف اسمها. واليوم، يصدر العدد الورقي الأخير من «اليمامة»، بعد مسيرة امتدت لأكثر من سبعة عقود. وليس من السهل أن يمر هذا العدد بوصفه رقمًا آخر في تسلسل الإصدارات؛ فهو يطوي فصلًا من تاريخ المجلة، ويفتح في الوقت نفسه فصلًا جديدًا. لذلك لا يصبح السؤال عن الورق وحده، بل عن الصحافة حين تتغير وسيلتها: ماذا يبقى منها حين تتغير طريقة حضورها؟ فالصحافة الورقية لم تصل إلى هذه اللحظة فجأة. تبدلت عادات القراءة، وتسارعت دورة الخبر، وتغير اقتصاد النشر، وتقلص الزمن بين وقوع الحدث ووصوله إلى القارئ. لم يعد القارئ ينتظر صباح اليوم التالي ليعرف ما حدث بالأمس؛ الخبر يأتيه الآن، وفي أكثر من صيغة، وعلى أكثر من شاشة. لكن التحول لم يكن في الوسيط وحده ،لقد تغيرت صناعة الصحافة نفسها. فالصحافة الرقمية ليست نسخة إلكترونية من الصحيفة الورقية؛ لكل وسيلة منطقها التحريري، وإيقاعها، وأدواتها، وطريقتها في بناء المادة ومخاطبة القارئ. وما كان مناسبًا للصفحة المطبوعة لا ينتقل بالضرورة إلى الشاشة كما هو. سرعة النشر لا تختصر الصحافة، كما أن تعدد المنصات لا يعفيها من شروطها الأساسية: دقة المعلومة، وسلامة المعالجة، وجودة اللغة، والقدرة على تقديم ما يستحق أن يتوقف عنده القارئ. لهذا فإن انتقال «اليمامة» إلى الفضاء الرقمي لا يعني أن الصحافة غادرت؛ الذي يغادر هو شكل من أشكال حضورها. ومن هنا يصبح السؤال أوسع من: ورق أم شاشة؟ هل تستطيع الصحافة أن تحافظ على علاقتها بالقارئ حين تتغير عاداته؟ فالقارئ لم يعد مرتبطًا بموعد الصدور، ولا بمكان الصحيفة على طاولة الصباح. لكنه لا يزال يبحث عن جوهر الصحافة: مادة موثوقة، ومعالجة جادة، وصوت يعرف ما الذي يستحق أن يُقال، وكيف يُقال. ومن هذه الزاوية، لا تبدو «اليمامة» أمام نهاية، بقدر ما تبدو أمام إعادة تعريف لحضورها. ولعل ما أعلنته «اليمامة» من مساحات جديدة للحوار، ومنها «صالون اليمامة الثقافي»، يقدّم ملمحًا مبكرًا لهذا التحول؛ فالمجلة لا تنتقل من الورق إلى الشاشة فحسب، بل من صيغة التلقي إلى صيغة المشاركة، حيث يصبح القارئ طرفًا في الحوار، والثقافة مساحةً مفتوحة لتعدد الأصوات ووجهات النظر. فالمؤسسة التي راكمت أكثر من سبعة عقود من العمل الصحفي والثقافي لا تدخل الفضاء الرقمي من فراغ. إنها تحمل معها أسماء وتجارب وموادًا وذاكرة مهنية تشكلت عبر أجيال. وهذا هو الفارق بين انتقال منصة، وانتقال مؤسسة. فالمجلة العريقة لا تقاس بعدد صفحاتها وحدها؛ تقاس أيضًا بما تركته في المهنة. الصحفيون والكتاب والمحررون الذين مروا فيها، والموضوعات التي فتحتها، والحوارات التي صنعتها، والأعداد التي حفظت تفاصيل مراحلها، كلها جزء من قيمتها. فالمؤسسة الصحفية لا تنتج المحتوى فقط؛ إنها تنتج خبرة تتراكم وهذه الخبرة هي أهم ما ينبغي أن يعبر من الورق إلى المرحلة المقبلة: طريقة العمل، والمعايير المهنية، والذاكرة التحريرية، ومعرفة القارئ، والقدرة على تحويل المادة الصحفية إلى معرفة قابلة للبقاء. ومن هنا تأتي قيمة الأرشيف. أكثر من سبعة عقود من أعداد «اليمامة» ليست أوراقًا قديمة فحسب؛ إنها سجل لتحولات المجتمع والثقافة والإعلام، ومادة يمكن للأجيال أن تعيد قراءتها من زوايا جديدة. وما كان يحتاج إلى رفوف ومساحات واسعة يمكن اليوم أن يصبح متاحًا للبحث والاسترجاع والربط والتحليل. ويمنح الذكاء الاصطناعي لهذه الذاكرة فرصة غير مسبوقة: أن تتحول المحفوظات من مادة صامتة إلى رصيد معرفي حي، يستطيع الباحث والصحفي والقارئ العودة إليه، وتتبع الأسماء والموضوعات والتحولات عبر الزمن. لكن التقنية لا تمنح الأرشيف قيمته وحدها؛ القيمة في ما نفعله بما حفظناه وهكذا يمكن للانتقال الرقمي أن يكون فرصة لإعادة اكتشاف تاريخ «اليمامة»، لا لمغادرته؛ وأن يتحول ما تراكم خلال عقود إلى مادة للمستقبل، لا مجرد أثر من الماضي. ولهذا سأستقبل العدد الأخير من «اليمامة» بمشاعر متجاورة: ابتسامة لذكرى الورق الذي ألفناه، وامتنانٍ لزمن منحنا هذه الصحافة، وفضولٍ تجاه ما يمكن أن تصنعه المجلة في شكلها الجديد. لا أودّع «اليمامة»؛ أودّع الورق الذي عرفتها من خلاله. أما الحكاية، فلها بقية. * ماجستير في اللغة والإعلام