لماذا لا يقتبس المسرح السعودي نصوصاً مسرحية من المسرح العالمي؟
لا نقصد من هذا التساؤل وجود نقص أو خلال في النص المسرحي السعودي، أو التقليل من المنجز الذي صنعه الكتاب السعوديون خلال عقود الماضية بكل ما فيها. فالنص السعودي أثبت قدرته على تجسيد بيئته وأسئلتها وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، وقدم تجارب تستحق أن تُقرأ بصفتها جزءًا من تاريخ المسرح السعودي وتطوره. لكن السؤال لماذا لا يقتبس المسرح السعودي نصوصاً مسرحية من المسرح العالمي؟ ولماذا لم تظهر مشاريع تدعم إعادة إنتاج تلك النصوص بمنظور سعودي؟ فنحن نعلم أن المسرح ليس فنًا يعيش داخل حدود ثقافة واحدة، فتاريخه قائم على التفاعل والانتقال وإعادة الإنتاج والابتكار، والكثير من الأعمال التي أصبحت خالدة في المسرح العالمي لم تأت من فراغ، وإنما قامت على أساطير وحكايات وقضايا جوهرية تمس الإنسان ونصوص سابقة انتقلت من جيل إلى آخر، ثم أعاد كتابها تشكيلها وفق رؤية كل ثقافة وزمان. وينبغي أن نشير هنا إلى أن كان الكاتب يلجأ إلى النص العالمي بسبب عدم امتلاك فكرة يجسدها ويؤمن بأثرها، فإن هذا الاقتباس يتحول إلى استعانة بنص جاهز، أما إذا اختار نصًا عالميًا لأنه يريد اختبار فكرة أو فلسفة أو بنية درامية داخل سياق سياقه الاجتماعي، فإن العملية تصبح أكثر فائدة وثراءً، فالمسرح السعودي لا يحتاج إلى أن يستبدل صوته وهويته بصوت آخر وهوية لا تمثله، وإنما يحتاج أن يجعل من النص العالمي مادة للحوار وإعادة القراءة والتفكيك وإنتاج المعنى الجديد يتوافق مع هويته. وهذه المسار لا يعد جديداً على المسرح السعودي فقد عرف المسرح السعودي منذ مراحله المبكرة نماذج من الاقتباس والإعداد المسرحي التي تعتمد على المسرح العالمي، مثل مسرحية “الموت الأخير للممثل” للكاتبة رجاء عالم إذا اُستلهمت المسرحية من أسطورة شمشون ودليلة وإعادة توظيف لعناصر نص عالمي بمنظور وتقنيات مسرحية حديثة، ومن أبرز تلك التجارب كذلك مسرحية “طبيب بالمشعاب” للكاتب إبراهيم الحمدان المقتبسة عن مسرحية “طبيب بالإكراه” للكاتب الفرنسي موليير، كذلك مسرحية “جوكستا” للكاتبة ملحة العبد الله المقتبسة من مسرحية “أوديب ملكا” التي جعلت الشخصيات تجسد المعاناة و التعاسة، كذلك اعتمادها على بنية السؤال من أجل تعقيد الأحداث و بناء بنية درامية جديدة، هذه التجارب المتفرقة تكشف أن النص العالمي استطاع في مرحلة مبكرة أن ينتقل إلى البيئة المسرحية السعودية ويعاد تشكيله وفق سياق وقضايا المجتمع السعودي دون أن يهمش النص السعودي. ولنقل نص مسرحي عالمي للمسرح السعودي ينبغي ألا يقتصر ذلك على نقل الأحداث من مدينة أوروبية إلى مدينة سعودية أو إلباس الشخصيات الزي السعودي، هذا نقل شكلي لا أثر له، ولكن النقل الذي يصنع فارقاً مع تراكم التجارب يكمن في تتغير منظومة العلاقات والدوافع والأسئلة التي تحرك الشخصيات، وكيف يبنى المشهد المسرحي بشكل مؤثر. فلو أخذنا مثلاً مسرحية “هاملت” لنتخيل كيف يمكن أن ستتشكل علاقته بالأب، والأم، والسلطة، والأسرة؟ كيف سيتحول مفهوم الانتقام؟ كيف ستتغير علاقة الفرد بالجماعة؟ هل ستبقى دوافع الشخصيات كما هي؟ وهل ستظل النهاية تحمل المعنى ذاته؟ بعد طرح وتحليل هذه النقاط لا يصبح الكاتب ناقل للنص وإنما يصبح شريكًا في إعادة إنتاجه وفق بنية درامية تتشكل داخل المجتمع السعودي. وماذا لو أعيد تجسيد مسرحية “بيت الدمية” للكاتب إبسن من خلال التحولات تشكلت منها صورة المرأة السعودية والمجتمع السعودي؟ هذه التجارب لا تطمح إلى إعادة تقديم الأعمال كما كتبها الكاتب المسرحي العالمي وفق مجتمعه، وإنما البحث عن المعنى الذي يمكن أن تولده عندما تنتقل من ثقافة إلى أخرى والأثر الذي يحدثه تلقي نصوص مختلفة السياقات على الجمهور ومسار المسرح السعودي. لذلك أعتقد أنه حان الوقت حتى نتجاوز النظرة التي تجعل النص المقتبس في درجة أدنى من النص الأصلي، فالأصالة ليست بالضرورة في أن تكون الفكرة قد جسدت للمرة الأولى على خشبة المسرح وإنما في طريقة إعادة إنتاجها لمجتمع جديد يتفاعل معها. لهذا يمكن للكاتب المسرحي السعودي أن يدخل في حوار مسرحي مع شكسبير أو موليير أو إبسن أو تشيخوف أو سوفوكليس أو بيكيت، ليس ليستنسخ تجاربهم فقط، ولكن ليطرح نصاً يختلف معهم أو يوافقهم أفكارهم الوجودية، فيقلب وجهة النظر، ويغير مركز الصراع، ويمنح الشخصية الهامشية المركز.، وكهذا يصبح الاقتباس فعلًا نقديًا وإبداعيًا في آن واحد. *ماجستير في الأدب المسرحي.