مشعل السديري..

الكاتبُ الذي أصبح (وطناً) للقرّاء.

يكتسب بعض الكتّاب مكانتهم من براعة القلم، ويكتسبها آخرون من المحبة التي يتركونها في النفوس. تمضي الأعوام وتتغير الوجوه، فيما تبقى أسماؤهم حاضرة كلما حضر الحديث عن الكلمة الصادقة، والأسلوب النبيل، والإنسان الذي عرف كيف يلامس القلوب برفق، ويزرع الألفة بابتسامة، ويمنح قراءه شعوراً بأنهم يعرفونه منذ زمن. من هذا الطراز كان مشعل السديري، الأستاذ الحبيب، الغالي، والمعلّم الكبير. طبعاً، هنا، ليس من السهل تفسير المكانة التي صنعها عبر عقود طويلة. فالتجارب الصحفية تزخر بالأسماء اللامعة، غير أن القليل منها استطاع أن يقيم تلك العلاقة الحميمة مع القارئ، العلاقة التي تجعل المقال موعداً يومياً، وتجعل غياب الكاتب سؤالاً يتداوله الناس كما يتداولون أخبار صديق قديم. تلك منزلة لا تمنحها المؤسسات، ولا تصنعها الشهرة، وإنما يهبها الصدق وحده. ولد (مشعل) - والألقاب محفوظة تماماً - في أسرة ذات حضور اجتماعي وسياسي ثابت الجذور، وكان اسمه العائلي كفيلاً بأن يفتح أمامه أبواباً كثيرة. غير أن الرجل أدرك منذ وقت مبكر أن الأسماء الموروثة قد تمنح صاحبها فرصة، لكنها لا تمنحه مكانة. المكانة لا يصنعها سوى الجهد، ولا تحرسها سوى الموهبة. لذلك خرج من ظلّ الاسم الكبير إلى فضاء أرحب، حيث لا يبقى في النهاية سوى ما يكتبه الإنسان، وما يتركه في نفوس الآخرين. ولعل أول ما صنع هذا الاختلاف أنه جاء إلى الصحافة من بوابة الفن. قبل أن يعرفه الناس كاتباً، كان رساماً درس الفنون الجميلة في إيطاليا. هناك، في بلاد النهضة، لم يكن يتعلم تقنيات الرسم وحدها، لكنه اكتسب طريقة أخرى في تأمل العالم. الرسام لا يكتفي بالنظر، وإنما يتأنّى حتى يرى ما وراء المشهد. يقرأ الضوء وهو يعانق الجدار، ويتوقف عند الظل كما يتوقف عند اللون، ويعرف أن التفاصيل الصغيرة كثيراً ما تحمل الحقيقة كاملة. هذه العين الفنية والفتيّة في آنٍ معاً،ظلت ترافقه عندما أمسك بالقلم. لذلك بدت كتاباته مشغولة بالصورة بقدر انشغالها بالفكرة. كانت جُمله تتحرك برشاقة، وتلتقط الإنسان قبل الحدث، وتمنح القارئ مساحة واسعة ليرى المشهد بنفسه. حتى في مقالات الرأي، بقي الرسام حاضراً، يخفف من جفاف الفكرة، ويكسوها بلغة سلسة، لا تتصنع البلاغة ولا تتخلى عنها. وكان قارئاً نهماً، غير أن ثقافته لم تتحول إلى عبء على النص. المعرفة عنده كانت جزءاً من تكوينه الداخلي، تظهر في اختيار المفردة، وفي استدعاء بيت شعر أو مثل عربي أو حكاية عابرة، ثم تنصرف بهدوء بعد أن تؤدي معناها. ولذلك جاءت مقالاته قريبة من الجميع، يقرؤها المثقف فيجد فيها عمقاً، ويقرؤها الإنسان البسيط فيشعر أنها كُتبت بلغته. ومع مطلع الثمانينيات، حين كانت الساحة الثقافية السعودية تعيش واحدة من أكثر مراحلها احتداماً، انحاز مشعل السديري إلى خطاب يؤمن بالعقل، ويرى أن المعرفة هي الطريق الأقصر إلى بناء المجتمع. لم يكن ذلك الموقف عابراً، ولا استجابة لموجة ثقافية طارئة، هي قناعة رافقته وهو يكتب في التعليم، والثقافة، والإدارة، وقضايا المجتمع، متطلعاً إلى وطن يفتح نوافذه للعلم دون أن يفقد هويته. ذلك الانحياز لم يمر من دون ثمن. فقد تلقى نقداً قاسياً من أصوات متشددة رأت في كل دعوة إلى الانفتاح خروجاً على المألوف، كما وجد نفسه أحياناً في مواجهة اعتراضات جاءت من بعض أبناء الوسط الاجتماعي الذي ينتمي إليه. كانت المفارقة لافتة، رجل خرج من أسرة اعتبارية، ومع ذلك لم تشفع له مكانته عندما اختار أن يقول ما يؤمن به. غير أنه لم يدخل في خصومات شخصية، ولم يسمح للخلاف أن يبدّل نبرة كتابته. ظل مؤمناً بأن الفكرة الهادئة أطول عمراً من الانفعال، وأن الزمن وحده هو الحكم الأكثر عدلاً بين الآراء. ولهذا اكتسب حضوره طابعاً مختلفاً. لم يكن قارئه ينتظر الإثارة، كان ينتظر ذلك المزيج النادر من الصراحة والرقة، من النقد والابتسامة، من الحكمة الساخرة التي تقول ما تريد من غير أن ترفع صوتها. كان يكتب عن الشأن العام، ثم ينتهي إلى الإنسان. يوجه حديثه إلى المسؤول، لكنه لا ينسى المواطن الذي سيقرأ المقال وهو غارقٌ في همومه اليومية. وكان الوطن حاضراً في هذا كله، لا كشعار يزيّن المقال، وإنما كإحساس يسكن الكتابة نفسها. ذات مرة، حين سُئل إن كانت الوطنية تحتل حيزاً من اهتمامه، جاءت إجابته عفوية وصادقة: «لو أن الوطنية لم تأخذ حيزاً في نفسي لقتلت نفسي، فما قيمة الإنسان بلا وطنية؟». عبارة قصيرة، لكنها تكشف طبيعة الرجل، فقد كان يرى أن الانتماء الحقيقي يظهر في الحرص على المصلحة العامة، وفي الجرأة على النقد حين يكون النقد خدمة للوطن، لا خصومة مع أحد. غير أن الوجه الأكثر إشراقاً في سيرته لا نجده في مقالاته وحدها، وإنما في علاقته بالناس. فالكاتب قد يحقق انتشاراً واسعاً، وقد يحصد الجوائز، وقد يحتل موقعاً متقدماً في المشهد الثقافي، لكن أن يتحول إلى شخص يشعر القراء أنهم يعرفونه، وأن يبادلهم الشعور نفسه، فهذه منزلة لا تتكرر كثيراً. وقد تجلت تلك الحقيقة في أمسية هاتفية خُصصت له قبل نحو ثلاثة عقود. لم تكن المناسبة استثنائية في شكلها، لكنها كانت استثنائية في دلالتها. سبقته الاتصالات إلى الموعد، وتأخر دقائق فسبق إليه القلق. وما إن بدأ الحوار حتى انهمرت الأصوات من أنحاء المملكة، ولم يكن معظمها يحمل سؤالاً عن قضية فكرية أو رأياً في شأن ثقافي، وإنما سؤالاً عن الرجل نفسه: كيف حالك؟ لماذا غبت؟ ومتى تعود إلى الكتابة؟ كانت تلك الليلة أقرب إلى استفتاء عفوي على مكانة كاتب في وجدان الناس. لم يصنع هذه المحبة إعلان، ولم تدفعها حملة دعائية، وإنما صنعتها سنوات طويلة من الصدق، حتى شعر القارئ أن صاحب المقال يجلس إلى جواره، يشاركه أوجاعه، ويبتسم معه، ويخفف عنه قسوة الأيام بكلمة رشيقة أو حكاية خاطفة. ولعل هذا ما يفسر أن كثيرين احتفظوا بمقالاته كما تُحفظ الرسائل الشخصية. لم تكن مجرد أوراق تُقرأ ثم تُنسى، وإنما جزء من ذاكرة جيل كامل، عرف من خلالها أن الصحافة تستطيع أن تكون بيتاً للإنسان، لا مجرد مساحة للأخبار. ولأن الفن لا يغادر أصحابه، ظل الرسام كامناً خلف الكاتب حتى آخر الطريق. كان يرسم بالكلمات كما كان يرسم بالألوان، يختصر الخطوط، ويبتعد عن الزخرفة، ويترك للقارئ أن يكمل اللوحة بخياله. وربما لهذا بقيت نصوصه طازجة، عصية على الشيخوخة، لأن الإنسان الذي كتب عنه قبل أربعين عاماً هو الإنسان نفسه الذي نلتقيه اليوم، بأحلامه، وخيباته، وأسئلته التي لا تنتهي. وحين يُستعاد اسم مشعل السديري الآن، فإن الذاكرة لا تستحضر كاتباً صحافياً ناجحاً فحسب، ولا فناناً تشكيلياً اختار طريقاً آخر، ولا مثقفاً خاض معارك الفكر بهدوء وثبات. تستحضر إنساناً آمن بأن الكلمة يمكن أن تكون أكثر رقة من الوعظ، وأكثر تأثيراً من الصراخ، وأكثر بقاءً من الشهرة نفسها. ولهذا ظل قريباً من الناس، وبقي الناس قريبين منه. وحين يربح الكاتب الإنسان، يكون قد ربح الزمن أيضاً!. (*) كاتب وصحافي سعودي