اللهم اجعل طموحي في خدمة الناس، ولا تجعل الناس في خدمة طموحي. بهذا الدعاء عاش غازي القصيبي حياته. لم يكن الطموح عنده غايةً تستعبد الآخرين، بل أداةً تُسخَّر لخدمتهم. قليلٌ من الرجال من يجعل المتأمل أو الكاتب يتوقف عاجزاً عند عتبة التعريف، يقلّب الأوصاف ويعيدها، لأنّ صاحبه أفسد عليه كل معيار وأربك كل تصنيف. وغازي القصيبي من هذا الصنف النادر الذي لم يكفه في الحياة ميدانٌ واحدٌ، فجعل من كل ميدان تجربةً كاملة بذاتها. يطالعك شاعراً فتحسبه قد استوفى ذاته في القصيدة، فإذا هو يطل عليك من موقع الوزير محكوماً بمنطق الدولة وحسابات المصلحة العامة، ثم تكتشفه روائياً يفضح بجرأة ما تستّرت عليه العادة والتقليد، وناقداً يمتلك من أدوات المعرفة ما يجعل حكمه معتبراً. إنّ أوصافاً من نوع «الوزير» أو «الدكتور» أو «المثقف» أو «الأديب» أو «السفير»، على وقارها، تضيق عن استيعاب هذا الاتساع. ومن العسير على الدارس أن يحيط بهذا الإرث المتشعب: شعرٌ يتصل بالرواية، ورواية تتصل بالنقد، ونقدٌ يتصل بهمّ الإصلاح الإداري والسياسي، حتى يبدو الإنتاج كله نسيجاً واحداً تعذّر الفصل بين خيوطه. وقد جاء هذا العطاء في مرحلة أجدبت فيها الساحة الثقافية العربية من الأصوات القادرة على أن تشبع في آنٍ واحد نهم العقل وظمأ الوجدان، فكان لهذا الإنتاج وقع الغيث في الأرض القاحلة. وما يمنح هذا الإرث ثقله الحقيقي، ويميزه عن سواه، هو غزارة الإنتاج بموضوعية بعيدة عن الترف الفكري، متصلة بواقع الأمة وهمومها، محكومة بنزعة نهضوية تنويرية أصيلة، وولاءٍ صادقٍ لقضايا أمته وإنسانها. يرفض المهادنة ويأبى المساومة، جريءٌ في مجابهة كل ما تكلّس من مفاهيم بالية أضحت عائقاً يحول دون لحاق الإنسان العربي بركب عصره ومقتضيات نهضته .الطفولة المشبعة بالفقد كان مقدمه إلى الحياة في الثاني من مارس عام 1940 في واحة الأحساء، في عام مشبع بالفقد. توفّي جده لأمه قبيل ولادته بقليل، ولحقت به والدته بسبب مرض التيفوئيد بعد تسعة أشهر من مولده، فنشأ في بيئة يصفها هو نفسه بالكآبة، تتأرجح بين صرامة والده وحنان جدته المفرط. كان والده، عبد الرحمن القصيبي، تاجراً كبيراً، وقد اختاره الملك عبد العزيز وكيلاً له في البحرين لما عُرف عنه من حكمة وسرعة بديهة وقدرة على إدارة المصالح في منطقة حساسة تجمع التجار العرب والبريطانيين والهنود. عاش طفولته المبكرة تحت رعاية الأب الصارم والجدة الحنون، في بيئة يصفها لاحقاً بالقطبين المتضادين. وفي حوالي عام 1945، وهو في سن الخامسة تقريباً، انتقلت الأسرة إلى المنامة في البحرين، لتبدأ سنوات التكوين التي ستظل عالقة في ذاكرته ووجدانه. درس المرحلة الابتدائية في المدرسة الشرقية بالمنامة وتخرج منها بتفوق عام 1952، ثم واصل دراسته المتوسطة والثانوية في البحرين وأنهاها بتفوق عام 1958. ويذكر في حديثه عن تلك الفترة في المدرسة أنه جرب السلطة لأول مرة حين كلّف بأن يكون مراقباً على الطلاب، وكانت هذه أول تجربة إدارية حقيقية في حياته، كما روى لاحقاً. من القاهرة إلى لوس أنجلوس: تكوين المثقف التحق بكلية الحقوق في جامعة القاهرة، فنال منها درجة الليسانس عام 1961. وفي مصر، رغم ما غمره من سحر القاهرة وجمال تعددّيتها، وغنى ثقافتها، ورَوحها الحضاريّ الفيّاض، لمس عن قرب أثر البيروقراطية الجامدة: المعاملة البسيطة التي تضيع بين الأختام والتواقيع والملفات، والموظف الذي يقول "اللائحة تمنع" فيقتل الحماس ويبدد الوقت. من تلك التجربة المبكرة تولدت عنده قناعة راسخة بأن البيروقراطية عدو للتنمية والإبداع، فعقد العزم على محاربتها، وهو عزم سيشكل بعض ملامح مسيرته الإدارية كلها لاحقاً. عاد إلى الرياض ورفض عروض عمل حكومية، منها منصب مدير عام الإدارة القانونية في وزارة البترول والثروة المعدنية، كما اعتذر عن عرض والده الدخول معه في التجارة، مصرّاً على إكمال دراسته العليا. سافر إلى لوس أنجلوس عام 1962 ليلتحق بجامعة جنوب كاليفورنيا، وهي جامعة كان يفضل الدراسة في غيرها أصلاً؛ فقد كان يريد دراسة القانون الدولي في جامعة أخرى من جامعات أمريكا، وحصل بالفعل على عدد من القبولات، ولكن مرض أخيه نبيل اضطره إلى الانتقال إلى جواره في لوس أنجلوس، ولم يجد تخصصه المطلوب، فاختار دراسة العلاقات الدولية بديلاً عنه. في عام 1963 فاز برئاسة جمعية الطلاب العرب في الجامعة، فحوّلها من كيان متفرّق إلى شعلة من النشاط، ركّز فيها على الجانب الثقافي وعلى قضية فلسطين. وواجه خلال رئاسته اللوبي الص الصهيوني الذي كان يرسل حملات رسائل منظمة ضد الأنشطة العربية، فتعلم في تلك التجربة المبكرة أساليب الضغط الإعلامي ودرس تحركات خصومه عن قرب. وفي عام 1964 نال الماجستير في العلاقات الدولية وعاد إلى الرياض. بدأ عمله محاضراً وأستاذاً مساعداً في كلية التجارة بجامعة الرياض (الملك سعود لاحقاً) عام 1965، وأصدر ديوان "قطرات من ظمأ"، واختير عضواً في لجنة السلام السعودية-اليمنية. ثم سافر إلى لندن عام 1967 لإعداد الدكتوراه، وتزوج عام 1968 من سيدة ذات أصول ألمانية نشأت في البحرين. وفي عام 1970 نال الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة لندن، وكانت رسالته عن اليمن، وأصدر في العام نفسه ديوان "معركة بلا راية" الذي أثار جدلاً واسعاً سنأتي على ذكره. أول مكتب... المكتبة عاد إلى وطنه ليبدأ مسيرته الأكاديمية أستاذاً مساعداً في كلية العلوم الإدارية بجامعة الملك سعود. لم يكن لديه مكتب في البداية، فقضى ساعات عمله اليومية في المكتبة، وأول مهمة عملية أوكلت إليه أن يلصق صور الطلاب على استمارات الامتحانات، فقام بها عن طيب خاطر دون تذمر. كلّف حينها بتدريس سبع مواد مختلفة في آن واحد، وهو عبء كان كفيلاً بإرهاق أستاذ في بداياته، واحتمله بصبر أضاف إليه تنوعاً معرفياً واسعاً بحكم تنوع واتساع المقررات التي درّسها. وتجاوز حدود التدريس الأكاديمي البحت والبقاء حبيس أسوار الجامعة، وسعى منذ البداية لربط النظرية بالتطبيق، فعمل مستشاراً قانونياً في مكاتب محاماة ووزارات كالدفاع والمالية ومعهد الإدارة العامة، تاركاً في كل موضع بصمة واضحة. ثم اختير مستشاراً قانونياً في اللجنة العليا المكلفة بإنهاء النزاع السياسي في اليمن. هناك رأى القوات المصرية والطائرات والدبابات بعيداً عن الجبهة، وتغيرت نظرته تدريجياً إلى الخطاب الناصري الذي كان يملأ الآفاق آنذاك. وفي إحدى الليالي، كان جالساً مع أعضاء الوفد السعودي في دار سينما بصنعاء، فدوى انفجار ضخم هز المبنى وملأه دخاناً وصراخاً. نجا هو ورفاقه بسلام من هذا الحادث المروع، وعلّق لاحقاً بأسلوبه الساخر المعهود الذي يمزج بين الجد والهزل: "إلى اليوم نجهل هل كان التفجير بسبب وجود الوفد السعودي أم بسبب سوء الأفلام التي تُعرض". حرب "معركة بلا راية" في عام 1971 أصدر ديوانه "معركة بلا راية"، الذي يعد المحطة التأسيسية الأولى في تاريخه الجدلي، وقد أشعل معركة ضارية غير متوقعة حينها. توجّه وفد من المعترضين المتشددين إلى الملك فيصل - رحمه الله - مطالبين بمنع الديوان من التداول وتأديب الشاعر وفصله من الجامعة. أحال الملك الديوان إلى مستشاريه أولاً، ثم شكّل لجنة ضمت وزير العدل ووزير المعارف ووزير الحج والأوقاف لدراسته، وانتهت اللجنة إلى خلوه من أي مساس بالدين أو الأخلاق. خرج القصيبي منتصراً، والمعركة تركت أثراً بالغاً في نفسه. فقد احتوى الديوان على قصائد غزلية وصور وصفت آنذاك بأنها جريئة وحسية، إلى جانب بعض المقاربات ذات النفس الثوري، وهو ما أثار حفيظة المتدينين في بيئة ثقافية واجتماعية شديدة المحافظة والحساسية تجاه هذا النوع من التعبير الأدبي. أدرك غازي منذ تلك اللحظة أن "ما من موقف يمر بلا ثمن"، وأنه سيدفع الثمن مراراً في مسيرته اللاحقة. في العام نفسه عيّن عميداً لكلية التجارة بجامعة الملك سعود وهو في نحو الحادية والثلاثين من عمره. ثم في عام 1973 عيّن مديراً عاماً للمؤسسة العامة للسكك الحديدية. ومن أول يوم نزل إلى الميدان: ركب القطار من الرياض إلى الدمام، جلس بين الركاب، جرب الطعام، زار المحطات بنفسه، واستمع مباشرة إلى ملاحظات الناس، فأحدث تغييرات لفتت الأنظار، وقرّبته من ولاة الأمر، فالتقى الملك خالد بن عبد العزيز والأمير فهد، وبدأت علاقة قوية معهما ظل يذكرها دائماً بامتنان. وزير الصناعة الأصغر سناً.. وميلاد "سابك" في عام 1975 دخل مجلس الوزراء ضمن التشكيل الجديد، وعيّن وزيراً للصناعة والكهرباء، وكان أول وزير لها وأصغر الوزراء سناً في تاريخ المملكة. وجد شركات كهرباء متفرقة، كل واحدة تعمل في محافظة بمعزل عن الأخرى، وانقطاعات متكررة، وقرى مترامية تفتقر إلى النور، وصناعة متعثرة. فرض على نفسه وعلى موظفيه توقيتاً صارماً، ودمج شركات الكهرباء في شبكة موحدة، فبدأت القرى والمدن الصغيرة تضيء. وعلى جبهة الصناعة، فتح الأبواب للمستثمرين، وسهل الإجراءات، وزار المصانع وافتتح خطوط الإنتاج بنفسه. ومن هذه الجهود ولدت الشركة السعودية للصناعات الأساسية "سابك" عام 1976. هو من كتب المسودة الأولى لنظامها بخط يده، وراجعها كلمة كلمة، وسمى الشركة، وتولى رئاسة مجلس إدارتها الأول، وكان يسميها "بنتي المفضلة". أصر على أن تكون شركة لتتجنب القيود الحكومية وتبتعد عن البيروقراطية. هذا التأسيس يعد من أكبر إنجازاته وأهمها في تاريخ الصناعة السعودية. وتجاوز طموحه هذا الحد، فقد كلف بإدارة الدفة التنفيذية لمشروعين وطنيين ضخمين خططت لهما الدولة، وهما بناء مدينتي الجبيل وينبع الصناعيتين. نظافة اليد.. وراتبه لثلاثين عاماً في تلك السنوات وبين زحام المشاريع الكبرى عايش الرجل طفرات مالية ضخمة ومشاريع عملاقة، خرج منها نظيف اليد، نقي السيرة. عايش في مسيرته الوزارية مشاريع الصناعة والكهرباء والصحة، وكانت الأموال تتدفق من حوله من كل جانب، ومع ذلك غابت أي إشاعة تنال من ذمته المالية. كان يوزّع راتبه على صغار الموظفين، ويوقّع بطاقات التهنئة بخط يده، ويتذكر أسماء موظفي مكاتبه وأحوالهم. طهارة اليد هذه جعلت حتى من تصيبهم الغيرة من حضوره يعجزون عن الوقوف أمام هذا السد الأخلاقي المنيع. لقد كان يرى أن الوظيفة العامة تكليف شرعي وأخلاقي قبل أن تكون منصباً إدارياً، وأن المال العام حرمة يُمنع المساس بها، وهذه الفلسفة الإدارية والأخلاقية أكسبته احتراماً شعبياً واسعاً تجاوز حدود المناصب التي تقلدها. ولا يفوتنا أن نذكر أنه صاحب الفكرة الرئيسية والدافع الأقوى لتأسيس جمعية الأطفال المعاقين، التي بدأت في الرياض وانتشرت فروعها في أنحاء المملكة، وترأس مجلس إدارتها. كانت إنسانية غازي تظهر في قصص صغيرة وتفاصيل كبيرة تتوارى عن الإعلان. يعرفها الناس مصادفةً ومنها: وصلته ذات يوم رسالة عن امرأة هجرها زوجها بعد أن ارتبط بأخرى، فقطع عنها النفقة، وأخذ أطفالها الثلاثة، وأحدهم معاقٌ، وحرمها حتى من رؤيتهم. ولم يكتفِ بالمساعدة المالية التي أرسلها على عجل، وبحث عن عنوان الزوج في إحدى الحارات الشعبية بالرياض، وذهب إليه بنفسه مع وسيط يعرفه. وقف الرجل المذهول أمام الوزير الذي جاء إلى بيته المتواضع. تحدث إليه بهدوء وتواضع، حتى تأثر الرجل ووافق على أن يرى الأبناء أمهم. وفي وزارة الصناعة أيضاً ترك يوماً اجتماعاً رسمياً وهرع إلى مستشفى الشميسي. كان أحد موظفيه يرقد هناك مصاباً بفشل كلوي، ويرفض الغسيل الكلوي خوفاً. دخل غرفته، جلس بجانبه، أمسك بيده، ودعا له، ثم قال له بهدوء: «الله أمر بالعلاج، والأطباء أدرى». ظل يقنعه حتى وافق. وبعد أن تبرع قريب بكلية، سعى القصيبي لزراعتها في أقرب فرصة، واستمر يرسل لأسرته مصروفاً شهرياً بعد أن عجز الرجل عن العمل. ومرة أخرى لاحظ موظفاً آخر قد خبا نوره فجأة. استدعاه إلى مكتبه. غاب كلام الرجل، وأجابت دموعه. عرف أن زوجته مريضة مرضاً عضالاً وينعدم المال للعلاج. طمأنه، وسعى له بموافقة سامية للعلاج في الخارج، وأعطاه إعانة مالية، وتكفل بمصاريف أبنائه طوال فترة العلاج. شفيت الزوجة، وعاد الموظف إلى عمله. هناك مواقف كثيرة وتفاصيل غزيرة عن هذا الجانب في حياة أبي يارا ولكن هذه القصص مما كشفه الناس ودرج بينهم. وزير الصحة.. والقصيدة في بداية الثمانينيات، وفي طائرة خاصة، التفت إليه ولي العهد الأمير فهد وقال له إن وزارة الصحة هي القطاع الوحيد الذي تخلف عن مواكبة التنمية رغم رصد الاعتمادات الضخمة واختيار أكفأ الرجال، وإنه قرر توليها بنفسه. فقال غازي: "إذا وصلت الأمور إلى هذه المرحلة فأنا رهن إشارتك". وبعد تولي الملك فهد الحكم صدر الأمر بتعيينه وزيراً للصحة. كوّن لجنة فنية من كبار الأطباء، ووقع اتفاقيات مع مكاتب استشارية عالمية، وجعل كل قرار يمر عبر المقارنة بتجارب الدول المتقدمة. ثم نزل إلى الميدان في زيارات مفاجئة للمستشفيات والمراكز الصحية، يستمع إلى الموظفين والمرضى ويتابع ليل نهار. ابتدع برنامج "هدية المولود"، حيث تهدى لأهالي كل طفل يولد في مستشفيات الوزارة بطاقة تهنئة موقعة باسمه وصورة للمولود وقاموس للأسماء العربية. وطرح فكرة لجان وجمعيات أصدقاء المرضى، وعزز ثقافة التبرع بالدم. كما أمر بتعليق آيات قرآنية في المستشفيات وغرف المرضى، ومن أبرزها آية ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾، لزرع الطمأنينة في نفوس المرضى وإضفاء لمسة روحانية. وتوزع بطاقات موقعة باسمه على كل مريض يدخل مستشفى في المملكة، تحمل دعاء الشفاء والآية نفسها، لتكون يداً حانية تمتد مع أيدي الكوادر الطبية. زار يوماً مستشفى الولادة والأطفال في المدينة المنورة. وجد الغرف ضيقة، والأروقة مليئة بالأسرّة، والأمهات يبكين من قلة النظافة والخدمات. وفي موقف مشهود غلبته العبرة وذرف الدموع، فدخل غرفة قريبة وأغلق الباب على نفسه. ثم خرج ليصدر أوامره: نقل المرضى فوراً إلى مبنى تابع لوزارة الأوقاف بجوار البقيع، ومتابعة النقل يومياً من الرياض حتى اكتمل. حمل صور الأطفال وعرضها على الملك فهد، فصدر الأمر بإنشاء مستشفى جديد. كان يزور المستشفيات فجأة. في إحدى المرات دخل دورة مياه المدير فوجدها نظيفة تماماً، ثم دخل دورة مياه مريض فوجدها مزرية. عاد إلى المدير وقال له بهدوء: «كيف تكون دورة المياه الخاصة بك بهذه النظافة ودورات المياه العامة بهذا السوء؟». ونقله في اليوم نفسه. وما حققه كان دون طموحه الذي يرفض أنصاف الحلول، فطالب بإجراءات إصلاحية أكبر وأعمق، واصطدم ببعض العقبات الإدارية والبيروقراطية المعتادة. نصحه الملك بالصبر والتأني، غير أن غازي، الذي كانت تربطه بالملك علاقة شخصية قوية مبنية على الثقة المتبادلة والمصارحة، ضاق به الحال. كتب قصيدة "رسالة المتنبي الأخيرة إلى سيف الدولة" (1984) ونشرها في صحيفة الجزيرة، واصفاً إياها بـ"عتاب محب". كانت القصيدة انتقاداً ضمنياً لاذعاً ومباشراً موجهاً لمن يحولون دون تنفيذ إصلاحاته، متخذاً من علاقة المتنبي بسيف الدولة قناعاً شعرياً ذكياً للتعبير عن خيبته وإحباطه، ومما جاء فيها: "بيني وبينك ألف واشٍ ينعب — فعلام أسهب في الغناء وأطنب". كان نشرها خروجاً عن القواعد التي تمنع إعلان الخلافات علناً. وصلت القصيدة إلى الملك فهد، فعاتبه رغم محبته وثقته به، وصدر الأمر بإعفائه من وزارة الصحة عام 1984. وبعد أسبوعين عرف من كلام الملك أنه سيعيّن سفيراً. سفيراً في البحرين.. جسر الحب وعاصفة الخليج انتقل سفيراً للمملكة في البحرين، وقضى هناك ثماني سنوات، من 1984 إلى 1992. شهد افتتاح جسر الملك فهد الذي يربط بين موطنه والبحرين التي نشأ فيها وتلقى تعليمه الأولي بين جنباتها. كان هذا الجسر بالنسبة له أكثر من مجرد مشروع هندسي ضخم؛ كان تجسيداً مادياً لروابط الدم والتاريخ والثقافة التي تجمع بين البلدين الشقيقين. ألقى قصيدة خاصة ومؤثرة أمام الملك فهد بن عبد العزيز وأمير البحرين الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، عبّر فيها عن عمق هذه العلاقة الاستثنائية: "دربٌ من العشق لا دربٌ من الحجر — هذا الذي طار بالواحات للجزر...". ولكن السفير المثقف الحالم انزوى عنه رونق السكينة، واستبدّ بقلبه الغيظ. عندما غزت القوات العراقية الكويت في أغسطس 1990، تحول غازي القصيبي من سفير دبلوماسي حذر إلى محارب شرس. سخّر كل طاقاته الفكرية والأدبية للدفاع عن الحق والعدل، فكتب المقالات التحليلية والقصائد الحماسية، ووقف بصلابة في وجه كل من حاول تبرير الغزو أو إيجاد الأعذار له. وتجاوز الكتابة، وخرج إلى المنابر الإعلامية من صحف وقنوات أجنبية وعربية، يشرح أبعاد القضية ويفضح زيف الادعاءات. وعندما تمادى الإعلام العراقي في تطاوله ووصف المملكة بـ"دار نجد والحجاز" في محاولة بائسة للتقليل من شأنها وتفتيت وحدتها، انبرى القصيبي للرد بقصيدته الشهيرة التي ألهبت حماس الجماهير: "أجل نحن الحجاز ونحن نجد — هنا مجد لنا وهناك مجد". وفي تلك الفترة أصدر كتابيه "في عين العاصفة" (1991) و"أزمة الخليج: محاولة للفهم" (1991)، اللذين أثارا جدلاً واسعاً لانتقاده الصريح للمواقف العربية المتخاذلة. بعد تحرير الكويت، كرّمته الدولة بأعلى أوسمتها؛ فقد منح وسام الكويت ذا الوشاح من الطبقة الممتازة عام 1992 تقديراً لمواقفه أثناء الغزو، وقيل إن أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح كسر البروتوكول وتقدم عدة أمتار لاستقباله شخصياً عند منحه الوسام، تعبيراً عن حجم الامتنان الكويتي لمواقفه. في تلك الحقبة أيضاً كتب أوبريت "أرض الرسالات والبطولات" (1413هـ/1993) الذي لحّنه محمد عبده وغناه هو وطلال مداح ضمن فعاليات مهرجان الجنادرية. سفيراً في لندن.. صالون الأدباء ومعارك القلم وكّله الملك فهد بسفارة جديدة، فانتقل إلى لندن، حيث قضى الفترة بين 1992 و2002. هناك صارت داره مركزاً دبلوماسياً وملتقى للأدباء والمثقفين العرب. في عام 1998-1999 رشحت المملكة غازي لرئاسة منظمة اليونسكو، أعلى مؤسسة ثقافية وتعليمية في العالم. وكان ترشحه حدثاً لافتاً، غير أن انقسام الأصوات العربية نتيجة ترشح شخصيات عربية أخرى في جولات سابقة، إلى جانب الدعم الدولي الكبير الذي حظي به منافسه، أدى في النهاية إلى فوز المرشح الياباني كويتشيرو ماتسورا. تجاوز البطل حزنه، وفعل ما يتقنه دائماً: حوّل الخسارة إلى مادة أدبية عميقة، فكتب عنها في روايته الساخرة "دنسكو" (2000)، التي جعل من مرارة الخسارة الدبلوماسية فيها مادة خاماً لنقد سياسات المنظمات الدولية وأساليب التصويت فيها. بادر إلى نشرها وهو لا يزال سفيراً، رافضاً أن يكون من الكتّاب الذين يخبئون الحقيقة بسبب المنصب. وفي لندن تجلت إنسانية الرجل في صورها الهادئة البعيدة. ذات يوم، وصلته جائزة تقديرية من الكويت بمبلغ ثلاثمائة ألف ريال. رفض الانتظار طويلاً، واتصل فوراً بالدكتور حمد الماجد، مدير المركز الإسلامي في لندن آنذاك، وقال له بصوت هادئ وحاسم: «للتو جئت من الكويت… وأريد أن أتبرع بالمبلغ كله لمكتبة المركز. بس أرجوك يا أبا معتصم احرص ألا يضيع المبلغ في متاهة نفقات المركز الإدارية، أريده للمكتبة والمكتبة فقط، ولك بعدها أن تتصرف في شراء الكتب التي تريد». شكره حمد ودعا له. وبعد أيام قليلة، طلب منه (المدير السابق لمكتب وكالة الأنباء السعودية) أن يستأذن الدكتور غازي في نشر الخبر. فنقل حمد الطلب إلى القصيبي في أحد لقاءاتهما الخاصة. التفت إليه غازي نظرة سريعة كأن العرض فاجأه، ثم قال بنبرة حازمة تمنع النقاش: «يا حمد، يفرح الواحد منا أنه وفّق لمثل هذه الصدقة، ثم تريدني أن أحرق ثوابها بوهج الإعلام؟ انسَ الموضوع». فنُسي الخبر، وبقي الثواب عند من يحفظ أجر المحسنين. أما الجانب الآخر من شخصيته، فيظهر في قصة أبلغ أثراً. كان يعمل معه مستخدم بسيط يدعى «جار الله»، خدمه أربعين عاماً كاملة، من أيام الوزارة الأولى حتى رحيله عنها. جار الله لم يكن موظفاً كبيراً أو مقرباً من الدوائر العليا، وكان رجلاً بسيطاً يؤدي عمله بهدوء وإخلاص. بعد أن ترك غازي الوزارة انقطع الاتصال الرسمي، وحافظ على العهد بلا انقطاع. فوجئ جار الله يوماً ببطاقة دعوة رسمية تصل إليه من معالي السفير الدكتور غازي القصيبي، يدعوه فيها إلى حضور زفاف ابنته «يارا». جاء الرجل البسيط إلى الحفل مرتبكاً، يشعر بثقل الفرق بين مكانته ومكانة الداعي. وتجاوز غازي ذلك واستقبله كأنه يستقبل أميراً أو وزيراً أو ضيفاً رفيع الشأن. أكرمه إكراماً يليق بالصداقة القديمة، وأجلسه في مكان بارز، وتجاوز كل الرتب والمسافات الاجتماعية، كأن أربعين عاماً من الخدمة والوفاء أغلى عنده من كل المناصب والألقاب. هكذا كان غازي القصيبي: يتصدق في الخفاء ويأبى أن يذاع عنه، ويحفظ عهد من خدمه في الصغر بعد أن علا في الكبر. أصدر كتابه "الأسطورة" (1997) عن الأميرة ديانا، الذي أثار تساؤلات حول مدى ملاءمة نشر تفاصيل شخصية من قِبل دبلوماسي لا يزال في منصبه، إذ كشف عن تفاصيل دقيقة من حياتها ومن داخل القصر الملكي البريطاني في وقت كانت فيه العائلة المالكة تحرص بشدة على صون خصوصيتها. وفي عام 1998 أصدر كتابه الشهير "حياة في الإدارة" كشف كواليس العمل الحكومي بصراحة غابت عن أي مسؤول من قبله. أثار الكتاب جدلاً واسعاً في الأوساط الإدارية والسياسية لأنه تضمن انتقادات صريحة لأساليب الإدارة الحكومية والبيروقراطية، وظل ممنوعاً من البيع في المملكة لسنوات. كتب فيه: "إن رغبتي في إتقان ما أقوم به من عمل ابتعدت عن رغبتي في التفوق على أي إنسان آخر. كنت ولا أزال أرى أن أي نجاح يغيب تحققه إلا بفشل الآخرين هو في حقيقته هزيمة ترتدي ثياب النصر". وفي أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أصدر كتاب "أمريكا والسعودية: حملة إعلامية أم مواجهة سياسية؟" (2002)، متناولاً بجرأة غير مألوفة الحملة الإعلامية الأمريكية الشرسة على المملكة، وكشف فيه عن دور اللوبي الصهيوني وأجهزة الاستخبارات الأمريكية في تأجيج تلك الحملة، مع تقديم نقد ذاتي للأطراف المسؤولة في الوقت ذاته. صدر الكتاب بينما كان لا يزال سفيراً، مما جعله وثيقة دبلوماسية استثنائية الجرأة. غير أن الأزمة الدبلوماسية الأكبر في تاريخه اندلعت عام 2002، عندما فجّرت الطالبة الفلسطينية آيات الأخرس نفسها في القدس. كتب غازي قصيدة "الشهداء" (المعروفة إعلامياً بقصيدة عروس العوالي) ونشرها على الصفحة الأولى من صحيفة الحياة اللندنية: "قل لآيات يا عروس العوالي — كل حسن لمقلتيك الفداء". اشتعلت الساحة الدولية، وطالب بعض السياسيين الأمريكيين البارزين بإقالته، ومنهم من أصبح لاحقاً رئيساً لأمريكا وهو "جو بايدن". واجه القصيبي انتقادات حادة من مجلس أمناء الجالية اليهودية في بريطانيا، فرد عليهم برسالة مفتوحة نُشرت على موقع السفارة، طالباً منهم أن يمتلكوا الشجاعة الكافية لإدانة قادة إسرائيل واعتبار ما حدث في جنين جريمة حرب قبل أن يطلبوا منه تغيير موقفه. استنكرت الخارجية البريطانية قصيدته معتبرة إياها تشجيعاً على الإرهاب، ونشرها ضمن ديوان "للشهداء" وأثبت أن موقفه ثابت يرفض التزعزع. الشاعر الذي فاض به النبع الشعريّ في كل حد ارتفع الشعر في ميزانه عن كونه مجرد نشاط ذهني أو إبداعات لغوية، كان له الشعر بمثابة محاولة دؤوبة لجعل الحياة أكثر خفة وقابلية لأن تعاش في عالم تحيطه القسوة والفظاظة. فاجأ الجميع حين أصدر ديوانه "سحيم"، الذي أطلق شاعريته المحافظة نسبياً من وقارها ووضعها في قلب الحداثة الشعرية العربية. أمسك فيه بقصة سحيم، عبد بني الحسحاس الذي عُرف بفحولته وجاذبيته، وأطلقها من إطارها الزمني الضيق إلى فضاء المطلق ورحابته، جاعلاً منه مزيجاً من عنترة العبسي الذي انتقم لسواده، ومن عمر بن أبي ربيعة الذي رفض الاكتفاء بامرأة واحدة. وفي هذا الديوان تتحد الأضداد وتتصارع الخيارات فوق سطح واحد: الخير والشر، الجسد والروح، الحرية والاستعباد. ما يجعل "سحيم" تجربة استثنائية يتجاوز الفكرة وحدها، ويصل إلى ذلك الانسياب الشعري الذي يتدافع كالنهر من أول الحكاية حتى آخرها، مع تداخل في الأصوات والأزمنة والضمائر بقدر ما تتداخل الرؤى والأطياف والمشاعر المتناقضة. كانت رحلته مع الشعر رحلة طويلة، امتدت معه من ربيع الشباب إلى خريف العمر متدرجة من الرومانسية المبكرة في "أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"قطرات من ظمأ"، إلى الغزل العفيف الممزوج بحب المكان في "أنت الرياض" (1980) و"العودة إلى الأماكن القديمة" (1985). واحتوت تجربته على الالتزام القومي، فشملت دواوين أثارت ردود فعل دولية ومحلية، مثل ديوان "ورود على ضفائر سناء" (1987) للإشادة بالفدائية اللبنانية سناء المحيدلي، وديوان "عقد من الحجارة" (1991) الذي وثّق نضال أطفال الانتفاضة، وصولاً إلى ديوان "يا فدى ناظريك" (2001) الذي أبكى فيه القراء برثائه المؤثر للطفل الفلسطيني محمد الدرة. كما خاض غمار المطولات الشعرية التاريخية، فكتب "الأشج" (2001) عن سيرة الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز، مستدعياً النموذج التاريخي للقيادة الرشيدة ومقارباً إياه بواقع الأمة المعاصر بأسلوب رصين يعكس رؤيته الإصلاحية. الروائي الذي كسر التابوهات حين صدرت روايته "شقة الحرية" (1994)، عُدّت فتحاً جديداً في الرواية السعودية والعربية على حد سواء. اقتربت الرواية بجرأة غير مسبوقة من تابوهات محرمة، وسردت قصة مجموعة من الشباب العربي المغتربين للدراسة في القاهرة خلال الخمسينيات والستينيات، مسلطة الضوء على صراعاتهم الفكرية والعاطفية بين التيارات القومية واليسارية والدينية في خضم ثورة يوليو.ثم كان الموعد مع رواية "العصفورية" (1996) لتدل على نضجه الروائي ونبوغه وسعة معلوماته. تدور أحداثها داخل مصحة للأمراض النفسية، حيث يسرد البطل "بشار الغول" أزماته الفكرية والنفسية، مستعرضاً القضايا العربية والسياسية والثقافية المزمنة بأسلوب ساخر وعميق. وبعدها توالت الروايات التي شكلت مكتبة متكاملة من الفكر والأدب: ففي "سبعة" (1998) قدم عملاً فنتازياً ساخراً يدور في جزيرة "ميدوسا" الأسطورية، على مسرح تلتقي فيه نخب الوطن العربي حول امرأة رمزية، كاشفاً بأسلوب لاذع جوانب الفساد الاجتماعي والسياسي والفكري. وفي "أبو شلاخ البرمائي" (2000) اختار بطلاً من الهامش الاجتماعي مبالغاً في إطلاق الأكاذيب والبطولات الوهمية ليكشف من خلاله تناقضات المجتمع العربي، فتحولت إلى مسلسل تلفزيوني واسع الانتشار. وفي "هما" (2001) تجرّأ على تناول علاقة عاطفية بين رجل وامرأة من جيلين مختلفين في إطار حواري مسرحي بارع يجسد الصراع الأزلي بين الجنسين. وتجاوز هذا الحد، وواصل تنويع قوالبه الروائية. ففي "سلمى" (2002) تنقل عبر الزمن ليبرز دور المرأة الفاعل في صنع التاريخ متجاوزاً الصور النمطية. وفي "سعادة السفير" (2003) استثمر خبرته الدبلوماسية ليسلط الضوء على كواليس صنع القرار السياسي وإدارة الأزمات الكبرى. ثم اتجه إلى الوجدان الخالص في "حكاية حب" (2004)، التي تحكي قصة رجل يصارع الموت في المستشفى ويستعرض ذكرياته بأسلوب فلسفي ولغة شفيفة. وفي "رجل جاء وذهب" (2005) انتقد التبعية الفكرية وعقدة الخواجة لدى بعض النخب بأسلوب ساخر، قبل أن يفاجئ قراءه برواية "الجنية" (2006) التي مزجت الواقعية بالخيال الأسطوري عبر قصة حب غير تقليدية بين إنسي وجنية تستعيد روح حكايات ألف ليلة وليلة، وهي رواية فانتازية خيالية تعتمد على قائمة مراجع أكاديمية واسعة.ما يمنح القصيبيّ الروائيّ فرادته ويميزه عن سواه أنه استطاع بمهارة مذهلة أن يقبض على معادلة صعبة: أن يحتفظ بصورته المتفردة كاتباً مثيراً ومسؤولاً مرموقاً في آن واحد. في كتابه "الوزير المرافق"، يتحدث عن جيمي كارتر كأنه يتحدث عن زميله في الدراسة، وأنديرا غاندي كأنها ابنة الجيران، والقذافي كأنه ولد الحارة الشقي. يصف كارتر بأنه "كان حريصاً على إرضاء الجميع مهما كانت مذاهبهم ومشاربهم، وقد انتهى به الأمر بإغضاب الجميع من كل المذاهب والمشارب". وفي الكتاب نفسه، روى صدمته من بساطة أنديرا غاندي، إذ توقع أن يجد امرأة متسلطة مهتمة بالمظاهر، فوجدها متواضعة وهادئة رغم مسؤوليتها عن مئات الملايين، كما روى تجربة طريفة مع عيدي أمين رئيس أوغندا آنذاك. كان أبو سهيل يجيد الكتابة في مواطن الغضب والتأزم والمسكوت عنه، ثم يخرج سالماً معافًى، وهذا ما عجز عنه كثيرون ممن حاولوا الجمع بين السياسة والكتابة فاختاروا المناطق الرمادية التي تبتعد عن إثارة النقع وإسماع الصليل. أما القصيبي فعاش متصالحاً مع نفسه، يعرف الازدواجية بين الكاتب والمسؤول. ولأكثر من خمس سنوات متصلة، كان هو من يكتب سراً صفحة "العجوز" في مجلة سيدتي، يرد فيها على رسائل القراء بسخرية لاذعة وظرافة، وكان السر محفوظاً جيداً طوال تلك الفترة. الفكر والنقد.. من السنة النبوية إلى التنمية في الفكر الديني، أصدر كتاب "ثورة في السنة النبوية" (2003)، الذي أثار جدلاً فقهياً واسعاً بقراءته الإصلاحية الجريئة لأحاديث تتعلق بدور المرأة وتنظيم النسل وتحريم التعذيب. ولم يكن الفكر ميدانه الوحيد، بل كان ناقداً أدبياً من طراز رفيع، فقدم للمكتبة العربية دراسات ومختارات أثرت الذائقة، منها "صوت من الخليج" (1998) و"مع ناجي... ومعها" (1999) الذي مزج فيه النقد بالسرد التخيلي. كما تجلى عشقه للشعر في أنطولوجيات ومختارات فريدة مثل "في خيمة شاعر" بجزأيه، و"أبيات القصيد"، و"الإلمام بغزل الفقهاء" (1996) الذي فكك فيه الصورة النمطية لعلماء الدين، مثبتاً أن التذوق الجمالي يتوافق مع العلم الشرعي. وقبلها بستة أعوام تجاوز ذلك إلى معالجة قضايا التنمية والسياسة في كتب مثل "التنمية وجهاً لوجه" (1989) و"التنمية: الأسئلة الكبرى" (2004)، وإلى ترجمة أعمال فكرية عالمية مثل "المؤمن الصادق" لإريك هوفر، ليثبت أن المثقف الحقيقي يتجاوز حدود التخصص وقيود اللغة. وإذا كان المثقفون العرب، في غالبيتهم، قد استهواهم التغريب والتبرؤ من تاريخهم وتراثهم وهموم مجتمعاتهم، فإن القصيبي في هذا معاند كبير وواعٍ أصيل ابتعد عن التلوث وحافظ على جذوره، نهل من معارف الأقدمين، وساح في عوالم المحدثين، وجاب بلاداً كثيرة، وعرف حياة البادية والحياة في كبريات العواصم العالمية. وهنا يظهر عمق رؤيته للهوية: فالانتماء للعروبة والإسلام عند القصيبي انتماء حواري منفتح، يخلو من العصبية والانغلاق، يرفض رؤية الدين بوصفه نقطة ضيقة يقف عليها المتدين الفرد أو الجماعة الصغيرة احتكاراً لأنفسهم، ويعتبره مجالاً واسعاً رحباً يسع الجميع ممن تقيد بالثوابت والتزم الأسس المجمع عليها بين أهل القبلة. والتجديد الديني المنشود عنده هو التجديد النابع من الدين نفسه، المتمسك بثوابته، المتقبل لأساساته، بعيداً عن التسلل المشبوه الذي يتحدث عن التجديد وهو ينوي التبديد. والتجديد في تصوره يتحقق بالعودة إلى الأصل، ما وراء التقليد المتراكم، نفاذاً إلى النبعين الأصليين المطهرين: القرآن الكريم والسنة المطهرة، رافضاً الركض العشوائي إلى الأمام. وكان يرى أن الفكر المكرس لتنمية العالم الثالث ظل غريباً منذ يومه الأول عن العالم الثالث نفسه، وأن التنمية وقعت منذ نعومة أظفارها ضحية الغزو الثقافي، حتى آمن المخططون بأن أول ما يجب تنميته هو الفكر المستورد، شرقياً كان أم غربياً. وهكذا كانت التنمية تستهدف تغيير هويتهم وبلبلة انتمائهم أكثر من استهدافها تحسين أوضاع المواطنين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وهذه قمة الاغتراب التي احتج عليها القصيبي بوصفه مثقفاً، ثم حين كان مسؤولاً حكومياً وحتى سفيراً. وزير العمل.. التحدي الأخير في عام 2003 عيّن وزيراً للمياه بعد عشر سنوات في لندن، ثم وزيراً للعمل عام 2005 بعد فصل الوزارة. وقف أمام التحدي الأكبر: توظيف الشباب السعودي ومحاربة البطالة. صرح بأن مهمته واضحة: توظيف الشاب السعودي. واجه صعوبات ومقاومة وانتقادات متراكمة، فوقف الاستقدام في مهن كثيرة، وسعودة وظائف كان يشغلها وافدون، وحث على توظيف المرأة، وعلى إصلاح المناهج لتواكب سوق العمل. كان يواجه قطاع الأعمال الذي صادقه في مرحلة الصناعة، وأصبح خصمه في مرحلة العمل. اشتهر بكلمته الحازمة: "المملكة ترفض أن تكون وكالة توظيف". حول البطالة إلى قضية رأي عام وأولوية وطنية، ورغم أن هذه الفترة كانت من أصعب فتراته الإدارية وأقلها سعادة كما صرح مراراً، واجهها بشجاعة المصلح الذي يعاف البحث عن الشعبية الرخيصة. أدرك مبكراً أن الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة يمثل قنبلة موقوتة تهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمملكة، فخاض معركة "السعودة" بضراوة، متحملاً الانتقادات اللاذعة من أصحاب المصالح الضيقة، وكان يرد على منتقديه بالأرقام والإحصائيات، مؤكداً أن مستقبل الوطن مرهون بسواعد أبنائه. وفي خضم هذه المعركة، تذكر أن يقدم النموذج العملي بنفسه، حين ظهر في أحد الأيام وهو يعمل نادلاً في مطعم للوجبات السريعة في مدينة جدة، في رسالة عملية قوية تهدف إلى كسر ثقافة العيب وتشجيع الشباب السعودي على الانخراط في مختلف المهن والأعمال. وقد بقيت هذه الصورة، صورة الوزير في زي نادل، من أكثر المشاهد التي غابت عن جرأة المسؤولين في المجاهرة بمثلها، قدّمها غازي فخوراً بلا تردد. الرحيل من حياة حافلة، وعمل لا ينقضي أثره في عام 2009، اكتشف الأطباء أن السرطان قد اجتاح جسده في مرحلته الرابعة، وقالوا إن أمامه أشهراً قليلة. واجه المرض بثبات معهود وتفاؤل محمود، رافضاً الاستسلام لليأس أو الركون إلى العزلة. ترك باب الكتابة مفتوحاً على مصراعيه وكأنه يستعجل إتمام ما في نفسه قبل أن يسدل الستار. رثى نفسه في ديوان "حديقة الغروب" بكلمات تقطر حزناً وحكمة، مودعاً فيها الحياة والأحبة، ومسترجعاً شريط ذكرياته الطويل المليء بالمعارك والانتصارات والانكسارات. وتجاوز كونه ديوان رثاء بالمعنى المألوف، ليصبح احتفاءً أخيراً بالحياة من رجل يعرف أن الوقت يوشك على النفاد، ومع ذلك يأبى أن يودّع بصمت أو دموع. وفي "الزهايمر"، أقصوصته الأخيرة والتي خانه قلبه قبل أيام من صدورها، لاعب القصيبي الموضوعات الكبرى: الموت، والحب، والنسيان، والشيخوخة، متأملاً في هشاشة الذاكرة وقسوة الزمن الذي يمحو ما بنيناه كلمة كلمة وذكرى ذكرى. كانت الأقصوصة وصية أدبية بامتياز: رجل يعرف أن ذاكرته ستمحى يوماً ما، فيختار أن يكتب عن المحو بنفسه، وكأنه يقول إن الكلمة المكتوبة هي الشيء الوحيد الذي يعصى على الزهايمر. في الخامس عشر من أغسطس 2010م، الموافق للخامس من رمضان 1431هـ، أعلن الديوان الملكي السعودي خبر رحيله في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض، بعد صراع مع مرض السرطان، عن عمر ناهز السبعين عاماً. حين نقل الخبر صباحاً، كان كثيرون يعجزون عن التصديق، إذ كان من أولئك الذين يبدو وجودهم في الحياة مهماً ومفروغاً منه. إرث يعصى على النسيان رحل وبقي إرثه العظيم شاهداً على عبقريته: الأستاذ الذي غرس بذور المعرفة، والوزير الذي أسس لنهضة صناعية وإدارية، والدبلوماسي الذي دافع عن قضايا أمته بشراسة، والشاعر الذي غنى للحب والوطن، والروائي الذي كسر التابوهات، والمفكر الذي أبدع في ميادين يصعب الإبداع في واحد منها. إن سيرة غازي القصيبي وإن كانت قصة حياة فرد، فهي أيضاً جزء لا يتجزأ من تاريخ وطن بأكمله، وسجل حافل بالتحولات والتحديات والإنجازات التي شكلت ملامح المملكة العربية السعودية الحديثة. فالقصيبي نموذج للمثقف الموسوعي متعدد الاهتمامات والمعارف، يجمع بين المعرفة البرهانية كدارس أكاديمي، وبين خبرة المجرّب الذي شغل مسؤوليات عديدة، ويتصل بذائقة معرفية رفيعة استتباعاً لشعريته وسرديته ومعايشته الأفقية لمعاني الوجود. ومثل غازي يستحيل أن يغيب في غياهب النسيان، غازي لا يزال بيننا، محفوراً في قلوبنا، حياً بكلماته، خالداً بأفعاله. وأنا أنهي كتابة هذا المقال تذكرت هذه الأبيات: ويا بلاداً نذرت العمر.. زهرته لعزّها!... دمت!... إني حان إبحاري تركت بين رمال البيد أغنيتي وعند شاطئك المسحور.. أسماري إن ساءلوك فقولي: لم أبع قلمي ولم أدنّس بسوق الزيف أفكاري وإن مضيت.. فقولي: لم يكن بطلاً وكان طفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري ونحن اليوم، إذ نقرأ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ معلقةً في أروقة المستشفيات تزرع الطمأنينة في نفوس المرضى، وإذ نرى عمال الوطن وسواعد أبنائه تدير عجلة الصناعة في "سابك" والجبيل وينبع، وإذ نرقب أبراج الضغط العالي تضيء القرى والمدن الصغيرة بشبكة موحدة، وإذ نعبر جسر المحبة الذي يربط ضفتي الخليج، وإذ ندافع عن قضية فلسطين وقضايا العروبة بأقلامنا ومواقفنا، ونرى رعاية المعاقين، نتذكر غازي. نتذكر ذلك الأكاديمي النشيط، والوزير الذي وزع راتبه لثلاثين عاماً على عمل الخير، والسفير الذي جعل من داره ملتقىً للفكر والأدب، والمثقف الذي واجه العواصف السياسية والحملات الإعلامية بصلابة لا تلين. نتذكره شاعراً رقيقاً وروائياً كسر حواجز الصمت، ومصلحاً خاض معركة "السعودة" ووقف نادلاً ليكسر ثقافة العيب. نتذكر أمّةً من الإنجازات تجسدت في رجل واحد، رجلٍ غاب بجسده، وترك في كل زاوية من زوايا الوطن أثراً ينطق باسمه، شاهداً على مسيرةٍ خُطّت بالعمل الدؤوب والولاء الصادق.