يمثل فيلم “قشموع” أحدث تجارب الكوميديا السعودية التي تسعى لاجتياح شباك التذاكر، لكنه يطرح سؤالاً جوهرياً حول جدوى الاعتماد على القوالب الجاهزة في صناعة السينما. الفيلم الذي يدور حول شاب من حارة شعبية يجد نفسه مضطراً للعمل سائقاً لدى عائلة غنية في حي راقٍ، يكرس لنموذج سردي استهلكته الأفلام العربية لعقود، دون أن يضيف إليه أي أبعاد جديدة تثري التجربة السينمائية. المشكلة الأساسية في “قشموع” تكمن في جوهره: الفكرة والقصة. النص السينمائي يبدو وكأنه مجموعة من المشاهد الكوميدية المتفرقة التي تجمعت دون نسيج درامي متماسك. الاعتماد على ثنائية “الحي الشعبي الفقير” مقابل “الحي الراقي الثري” هو صيغة بالية أعادت إنتاجها الأفلام العربية مراراً، من أفلام عادل إمام في التسعينيات إلى أعمال مصرية لاحقة. لكن المفارقة أن الفيلم لم يستثمر هذه الثنائية لطرح أي نقد اجتماعي أو رؤية جديدة، فقط اكتفى باستغلالها كخلفية لمواقف كوميدية مكررة، تفتقد للمفاجأة أو الذكاء. الحبكة تتصاعد بشكل غير مدروس، حيث تنتقل الشخصيات بين الأحداث دون دوافع مقنعة، وكأن السيناريو يركض خلف الضحكة الرخيصة على حساب أي منطق درامي. وغياب الصراع الحقيقي وتسطيح الشخصيات يجعلان الفيلم أقرب إلى سلسلة من الاسكتشات التلفزيونية منه إلى عمل سينمائي متكامل، وهذا ما أفقده قدرته على خلق أي تعاطف أو اهتمام بمصير أبطاله. في الجانب التمثيلي يمكن القول إن طاقم الممثلين يبذلون جهداً واضحاً، لكنهم أسرى نص لا يمنحهم مساحة للإبداع. محمد الراشد، الذي يقوم بالدور الرئيسي، يظهر بحضور كوميدي طبيعي وقدرة على الإلقاء، لكنه يظل محصوراً في أداء نمطي للشاب “المغرور طيب القلب” الذي لا يتعلم من أخطائه. بيومي فؤاد يقدم ما هو متوقع منه باعتباره وجهاً كوميدياً معروفاً، لكن دوره يفتقر للعمق ويبدو مستنسخاً من أدواره السابقة. الملاحظ أن الممثلين السعوديين في الفيلم يملكون إمكانيات واعدة، ولكن الإخراج والنص لم يستغلا هذه الإمكانيات بالشكل الأمثل. كان يمكن لهؤلاء الممثلين، مع توجيه مناسب ونص أكثر ثراءً، أن يقدموا عملاً أكثر نضجاً يحترم ذكاء المشاهد ويعكس تحولات المجتمع السعودي بواقعية بدلاً من تقديم صورة كاريكاتورية مبالغ فيها. من الناحية الإخراجية يقدم معتز التوني عملاً مقبولاً من الناحية التقنية. الإيقاع البصري جيد، ولقطات الرياض بين حاراتها القديمة وأحيائها الحديثة توحي بمحاولة للإمساك بالتحول العمراني للمدينة. لكن الإخراج هنا يظل تابعاً للنص، فلا يمكنه صنع معجزات من مادة هزيلة. التوني ينجح في تنظيم المشاهد وإدارة الممثلين بشكل مهني، لكنه لم يستطع التغلب على ضعف البنية السردية التي كان يحتاجها الفيلم ليصبح أكثر من مجرد عمل ترفيهي عابر. يبقى “قشموع 2025” نموذجاً لأفلام تُنتج لتُستهلك سريعاً، دون أن تترك أثراً أو تضيف جديداً للسينما السعودية الناشئة. المشكلة ليست في الكوميديا بحد ذاتها، فهناك نماذج كوميدية عالمية وعربية استطاعت الجمع بين الضحك والعمق. لكن الفيلم اختار الطريق الأسهل، معتمداً على قالب نمطي ونص هش، مما ضيع فرصة حقيقية لاستثمار طاقم تمثيلي يمتلك أدوات واعدة، وإخراج يبحث عن مادة تستحق تقديمه. الأمل أن تكون تجربة “قشموع” درساً لصناع السينما السعودية بأن النجاح الحقيقي يبدأ من النص الجيد، مهما تألقت بقية العناصر.