في سِيرةِ الشَّيْخِ د. عبدِ الكَريمِ الخُضَيْرِ ..
المعلم الذي أمضى عشرين عاماً برفقة “القرطبي“ .
معالي شيخِنا د. عبدِ الكَريمِ الخُضَيْرِ -حَفِظَهُ اللهُ وعافاهُ- رَجُلٌ من بَقِيَّةِ أَهلِ العِلْمِ الأَثْباتِ، ذو قَدَمٍ راسِخةٍ في التَّأْصيلِ، وبَصيرةٍ نافِذةٍ في دِرايةِ المـُتونِ والأَسانيدِ، قدِ استَوعَبَ فُنونَ العِلْمِ اسْتيعابًا، وأَحاطَ بِمَآخِذِها إِحاطةَ مَنْ أَفْنى عُمُرَهُ في تَفْتِيشِ الكُتُبِ، ومُدارَسةِ المـُتونِ، ومُساءَلةِ السُّطورِ. إيقاظُ العَزائِمِ وبِناءُ الهِمَمِ عَلى أَنَّ أَعظَمَ أَثَرِهِ في نُفوسِ الطَّلَبةِ، هو ذلكَ القَدحُ الذي أَورى بهِ شَرارَ العَزيمةِ في صُدورِ الشَّبابِ؛ في الدَّوراتِ والدُّروسِ العِلميَّةِ، إذْ حَبَّبَ إليهِمُ المـُكوثَ بَيْنَ مُتونِ العِلْمِ وشَرْحِ المـُطَوَّلاتِ، وكَسَرَ في نُفوسِهِم رَهْبةَ القِراءةِ في المـُجَلَّداتِ الضِّخامِ، حَتّى غَدا الطّالِبُ يَجِدُ في حُضورِ مَشَقَّةِ الدَّرسِ ولُغوبِ البَحثِ لَذَّةً، وفي طولِ المـُلازَمةِ غَنيمةً، فَكانَ عِلمُهُ حادِيًا يَسوقُهُمْ إلى الطَّلَبِ، والاِهتِداءُ بجادَّةِ أَهْلِ العِلْمِ بُرهانًا على أَنَّ العِلمَ لا يُعطيكَ بَعضَهُ حَتّى تُعطِيَهُ كُلَّكَ. مَدْرَسةُ الصَّبْرِ والجَلَدِ في التَّدْريسِ وانظُر إلى مَذهَبِهِ الرّاسِخِ في التَّدريسِ؛ فَلَم يَكُن مِمَّن يَعبُرُ الدُّروسَ عُبورًا خاطِفًا، بَل كانَ يَمكُثُ في شُروحِهِ سَنَواتٍ طِوالًا، وتَأَمَّل صَنيعَهُ البَديعَ في شَرحِ (كِتابِ بَدءِ الوَحيِ) من صَحيحِ الإمامِ البُخارِيِّ؛ وهو كِتابٌ لَمْ يَتَجاوَزِ السَّبعةَ أَحاديثَ، بَيْدَ أَنَّ الشَّيخَ قدْ أَحيا فيهِ سُنَّةَ الصَّبْر والجَلَدِ، فَمكَثَ مَعَنا في شَرحِهِ زُهاءَ خَمسِ سَنَواتٍ، واسْتَغرَقَ في استِجلاءِ حَقائقهِ مِئةَ مَجلِسٍ بتَمامِها! بَل سَلْ عن تَعليقِهِ الماتعِ على (تَفسيرِ القُرطُبِيِّ) الذي استَوْعبَ من العُمُرِ عِشرينَ سَنةً! إلى غَيرِ ذلكَ من المـُتونِ والكُتُبِ الكِبارِ التي تَصَدّى لِشَرحِها، فَكانَت تلكَ المـَجالِسُ مَوْرِدًا لِلْعُلَماءِ، ومَشرَعًا لِلْطَّلَبةِ، يُرسِلُ فيها من دُرَرِ الفَوائِدِ ما يَعِزُّ نَظيرُهُ، ويَجتَني من غُرَرِ الفَرائِدِ ما بَعُدَ مَنالُهُ. المـَنـْهَجُ العِلْميُّ والأَدَبُ الجَمُّ ولَمْ يَكُن يَكتَفي بسَردِ القَولِ، بَل كانَ يَغوصُ في الشُّروحِ المـَصادِرِ، يُحاكِمُ مَضامينَها بميزانِ النَّقدِ، ويُقَلِّبُ وُجوهَها فِقْهًا وحَديثًا، ويُصاوِلُ بَراهينَها عَقْلًا ونَقْلًا، في نَسَقٍ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّخْريجِ الدَّقيقِ والمـُقارَنةِ البَصيرَةِ. كُلُّ ذلكَ في أَدَبٍ جَمٍّ، ورِعايةٍ لِحُرْمةِ الأَئِمَّةِ، ومَعْرِفةٍ لأَقْدارِهِمْ، لا يَنْدُّ عنهُ نابٌ من القَوْلِ، ولا تَجَنٍّ من الحُكْمِ؛ بَلْ هو يَزِنُ الرِّجالَ بميزانِ الشَّريعةِ، ويَحْفَظُ لِلْمُتَقَدِّمينَ فَضْلَهُمْ، ولِلْمُتَأَخِّرينَ حَقَّهُمْ. خِزانةُ الكُتُبِ وبَصيرَتُها وقدِ امتازَ -حَفِظَهُ اللهُ- إلى جانبِ ذلكَ بعِنايةٍ فائِقةٍ بجَمْعِ نَوادِرِ طَبَعاتِ الكُتُبِ وأُمَّهاتِها، وصارَ خَبيرًا فَريَدًا في سَبْرِ أَغْوارِها، والتَّمْييزِ بدِقَّةٍ بَيْنَ جَيِّدِها ورَديئِها، ومُحَقَّقِها ومَطْبوعِها، وعارِفًا بأنواعِ النُّسَخِ وخَصائِصِها، حَتّى أَضحَتْ مَكتَبَتُهُ خِزانةً فَريَدةً تَحْكي شَغَفَ المـُحَقِّقِ، وخِبْرةَ العارفِ الخَبيرِ، ومَرْجِعًا يَستَنيرُ بهِ كُلُّ باحِثٍ عن الكُتُبِ النّافِعةِ والمـَصادِرِ الأَصْلِيَّةِ.