رحلة بين اللقطة والحكاية.
أما قبل: هناك لحظةٌ لا يلتفت إليها كثيرٌ من الناس. ليست حين تبدأ الحكاية... بل حين ينسى المتلقي أنه يشاهدها. في تلك اللحظة، يتوقف عن مراقبة الشخصيات من الخارج، ويبدأ – من حيث لا يشعر – بالعيش بينها. يفرح لفرحها، ويضيق باختياراتها، ويغضب منها، وربما سامحها، ثم يغادرها آخر الأمر وهو يحمل شيئًا منها معه. ذلك ليس سحر السينما وحدها. إنه سحر الحكاية. فالإنسان، منذ أن عرف اللغة، لم يتوقف عن رواية القصص. تبدلت الوسائل، من الحكواتي إلى المخطوطة، ومن الرواية إلى خشبة المسرح، ومن الشاشة البيضاء إلى المنصات الرقمية، لكن الحكاية بقيت تؤدي وظيفتها الأولى: أن تساعد الإنسان على أن يفهم نفسه. ولعل هذا ما يجعلني، كلما شاهدت فيلمًا جيدًا، لا أسأل: هل كان ممتعًا؟ بل أسأل سؤالًا آخر: كيف رُويت هذه الحكاية؟ وأين بدأت فعلًا؟ وأي شخصية كانت تحمل المعنى الحقيقي، وإن بدت في الظل؟ ولماذا بقي هذا المشهد في الذاكرة، بينما تلاشت عشرات المشاهد الأخرى؟ هذه الأسئلة ليست أسئلة ناقد سينمائي، بقدر ما هي أسئلة روائي وقاصٍّ يؤمن أن الحكايات، مهما اختلفت وسائطها، تنتمي إلى العائلة نفسها. ولهذا جاءت هذه الزاوية. لن نقرأ الأفلام بوصفها أعمالًا سينمائية فحسب، ولن ننشغل بتقييمها أو عدد جوائزها أو إيراداتها، بل سنحاول أن نقترب منها من زاوية أخرى؛ زاوية السرد. سنفتش عن الشخصيات قبل الممثلين. وعن الصراع قبل المؤثرات. وعن المسكوت عنه قبل الحوار. وعن الفكرة التي اختارت أن تختبئ داخل الصورة، بدل أن تُقال بصوتٍ مرتفع. قد نتوقف عند فيلم قديم أو حديث، شرقي أو غربي، مشهور أو مغمور، لكن معيار الاختيار سيبقى واحدًا: أن يكون هناك ما يستحق أن يُقرأ، لا أن يُشاهد فقط. ولعل أجمل ما في الفن السابع أنه يشبه الحياة أكثر مما نظن. فنحن لا نتذكر حياتنا مشهدًا بعد مشهد، بل نحكيها لأنفسنا على هيئة قصة. والقصة الجيدة لا تغيّر ما حدث... لكنها كثيرًا ما تغيّر الطريقة التي نفهم بها ما حدث. لهذا ستكون هذه الرحلة... رحلةً بين اللقطة والحكاية. رحلةً نقرأ فيها الشاشة بعين السارد، وننصت إلى ما تقوله الصورة حين تعجز الكلمات عن قوله.