محمد صالح البليهشي..

منصِف الأحياء، والموتى.

كنت أعرف عنه منذ زمن، إذ كانت لإدارة التعليم أهميَّةً أكبر، ورونقًا رفيعًا ربَّما أضفاه عليها مديرها الأديب الأريب النَّادر الأستاذ عبد العزيز الرَّبيع رحمه الله. وحين دلفت إلى مكتبه مرَّةً ليوافق على توجيهي إلى مدرسة طيبة الثَّانوية، كان هناك اسمان حول مكتبه، الأستاذ محسن مبارك والأستاذ محمد صالح البليهشي وكان كلاهما غايةً في حسن التعامل مع النَّاس. لعلِّي قابلت الأستاذ البليهشي حين كانت المسافة بيننا أبعد من المسافة بينه وبين خالي، علاَّمة المدينة وقاضيها ومؤرِّخها ونسَّابتها، الشيخ محمد الحافظ، في داره المطلَّة على وادي العقيق. كان يجمعهما التاريخ والأدب وحبُّ المدينة المنورة. تتابعت الأيام، وكان اسم محمد صالح البليهشي يظهر لي بين حينٍ وحينٍ، إمَّا في مقالةٍ أو خبرٍ أو كتاب، وفيما بعد المقابلات التي تجبرك برضًا على الإصغاء إليها، لما فيها من معلومات تتدفَّق ثرَّة على لسانه، بنبرته الخاصة، وأسلوبه الشيِّق الجاذب. وكان عجيبًا أن تجتمع في هذا القدير هذه التنوُّعات الشتَّى من القدرات والاهتمامات. كان معلَّمًا نابهًا، وإداريًّا موفَّقًا، وأديبًا عذبًا، ومؤرٍّخًا شاملًا. وكان في كلِّ تلك الإنسان المغرق في اللطف، الصَّادق في الأداء، العميق في المعرفة، الشَّامخ في التواضع، المنصف في الرأي. وكان يجمعها الوفاء المخلص لمدينته ووطنه. لعلَّ أبرز أبعاده، اهتمامه بالتاريخ الذي ابتكر لروايته أسلوبًا رائعًا يجمع بين صدق المعلومة وعذب الرواية. ومفتاح ذلك أنَّه كان يكتب بعلمٍ وبحب. تجلَّى ذلك في عشقه الأوَّل “وادي الفرع” الذي يكاد يكون أكثر من أضاف إلى صيته صيتًا، موثِّقًا تاريخه وتراثه ورجاله. وتبدَّى ذلك أكثر في محبوبته المدينة المنورة، التي عشقها أرضًا وتاريخًا، وأسهب في التعريف بجوانب مختلفةٍ من تاريخها. وكان ذلك العشق للتاريخ ممتدًّا إلى الوطن بأبعاده الواسعة فكتب وأسهب. واختصَّ التعليم الذي هو أحد قاماته، بعنايةٍ خاصَّة فكتب عن تاريخه وتاريخ بداياته، وحين كتب “مدرسة طيبة الثَّانوية 50 عامًا”، قدَّم في الكتاب استعراضًّا موثِّقًا لتاريخ التعليم في المملكة العربية السعودية، وفي المدينة المنورة قبل أن يدخل إلى توثيق تاريخ المدرسة. وأجد أن كتابه عن “رسائل الملك عبد العزيز لأهل المدينة المنورة” سبقُ فريدٌ في موضوعه وبحثه. أمَّا علاقته بالأدب فوثيقةٌ تعدَّت كونه أحد الأعضاء المؤسِّسين لنادي المدينة المنورة الأدبي، وعضوًا في مجلس إدارته المؤسِّس، ليكتب قصصًا ومسرحيَّاتٍ وبحوثًا، ويدوِّن سير أدباء كبار. وممَّا يحمد له أنه نذر نفسه في وفاءٍ نادرٍ لتوثيق التراث الأدبي للأستاذ الرَّائد عبد العزيز الربيع، الذي ضيَّع تواضعه بعض نتاجه، والذي ظلمه معاصروه، إلى أن قيَّض الله له الأستاذ البليهشي تلميذًا مخلصًا، عمل بمثابرة على جمع ذلك التراث والحرص على إصداره. التفت الأستاذ البليهشي في السنوات الأخيرة، إلى العناية بتوثيق سيَر بعض رجالات منطقة المدينة المنورة خصوصًا، في براعةٍ في استقراء الوثائق وقراءة الرِّجال عبر “رموز في الذاكرة”. وكان يكتب بإخلاصٍ واقتدارٍ عن شخصيّاتٍ لها دورها وقدْرها، من رجالاتها الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وبأسلوبه السَّهل الممتنع يحيط بموسوعيَّة بجوانب تلك الشخصيَّات في صفحاتٍ محدودة، مكوِّنًا بوفائه الجمِّ نمطًا خاصًّا عصريًّا فريدًا في كتابة سيَرٍ مختصرةٍ محيطة. وكان رصينًا في اختيار من يكتب عنهم دون ممالأة أو تفضيل، وفيًّا لكلِّ من يستحق من أبناء الوطن. ولم يغفل التعامل مع الوسائل العصريَّة فكانت كتاباته على منصة X نقطة انطلاق صفحات التعريف المبهرة. وكان ممَّن تفضل بالكتابة عنهم الوالد الأستاذ عبد الرحمن عثمان، والشيخ محمدَّ الحافظ، وكان حديثه المباشر عنهما حين التقينا مرة أخرى في داره، ما تمنَّيت أنه سُجِّل لما فيه من معلوماتٍ وفيض وفاءٍ صادق. وحين فاجأني بالكتابة عن شخصي المتواضع، وجدتني مكبَّلاً بقيد العيِِّ أمام ما تفضَّل به عليَّ من كلماتٍ قبلتها لأنَّها منه، وسعدت بها علامةً أخرى من علامات خصالٍ اتَّصف بها دون تصنُّعٍ، من أبرزها وفاؤه المنقطع النَّظير، ونقاء قلبه الذي يعفو عن كثير. قلت أنِّي عرفت عنه منذ زمن، إلا أنَّ تشرفي بمعرفته ولقائه مباشرةً لم يكن إلاَّ منذ سنوات قليلة. التقينا صدفةً في المدينة المنورة، وتحدَّثنا، وله الفضل، وكأنَّنا نعرف بعضنا منذ عقود. وكان وكأنّه سكب عليَّ كلَّ ما تضمَّنته السنين الماضيات منه. وابتدأت علاقةُ وثيقة من محبَّةٍ متبادلة وودٍّ لا ينضب. وكان اللقاء الأوَّل به كأشجى ما يكون، وفي داره العامرة، أغدق بكرم ضيافته ورونق حديثه، ورصانة مرحه. وخرجت من عنده محمَّلاً بأطيب الثمر من التمر والورق، ومنه عدد من إصداراته التي يستحقُّ كلُّ منها توقُّفًا. التقينا قليلًا بعد ذلك وتحادَّثنا أكثر، وكان حضوره وابنين من أبنائه معزِّيًا في أخي الفقيد أنس عبد الرحمن عثمان، من أصدق ما تلقَّيت من مواساة بعباراتٍ ليتها دوِّنت ومشاعر في النفس بقيت. تشرَّفت بزيارته في منزله، وكان قد أجرى عمليَّةً في القلب. قلت له وقتها أنَّ ذلك بسبب تراكم الحبِّ الذي امتلأ به. لحظاتٌ لا تُقدَّر بثمنٍ وزمن؛ هشَّ لي وكأنَّه عائدي، ولم يبخل بكلماتٍ ومعلوماتٍ ومشاعر، وافترقنا على أمل اللقاء. بعد ذلك، كانت هناك اتصالات ورسائل يذيِّلها بـ “محبكم”، ويا له من محب، وكان آخرها قبل فترةٍ قريبةٍ معلِّلاً بعذب كلامه عدم ردِّه على اتصالي بمراجعاتٍ له في المستشفى. ووسط برحة الانتظار المتعلِّق بحبال الرَّجاء جاء الخبر الصَّاعق كعادة أخبار الموت وأكثر: “البليهشي في ذمَّة الله”. تغمَّد الله الأستاذ محمد صالح البليهشي بواسع رحمته وجميل رضوانه، وكما جعل مثواه في المدينة المنورة التي أحب، أن يجعله في أعلى الجنَّات كما كان يرجو بواثق إيمانه وحسن ظنِّه. وسيظلُّ الرمز الأبهى في رموز الذَّاكرة، منصف الأحياء، ومنصف الموتى من الأحياء.