لماذا تتقلب النفوس وتضطرب الشخصيات؟.

لا يكاد يقابلك شخص كل يوم إلا ويشتكي من الناس ونفوسهم المتقلبة ، ولا يعلم هؤلاء ان في كل مجتمع قوجد أشخاصا يصعب فهمهم أو التنبؤ بردود أفعالهم. قد يبدو أحدهم هادئا في لحظة، ثم يتحول إلى شخص شديد الغضب أو العدائية في لحظة أخرى. وقد يصر آخر على أنه دائما على صواب، ويرفض الاعتراف بأي خطأ مهما كانت الأدلة واضحة.  هنا يبرز سؤال يتكرر كثيرا:  هل هذه مجرد طباع سيئة، أم أنها مؤشرات على اضطراب نفسي أو عصبي؟ الإجابة ليست بسيطة. لان الطب النفسي يؤكد أن الإنسان نتاج تفاعل معقد بين الوراثة والبيئة والتجارب الحياتية، وأن الاضطرابات النفسية لا تنشأ من سبب واحد، بل من مجموعة عوامل تتداخل حتى تظهر الأعراض. لماذا ينشأ الاضطراب؟ يبدأ الأمر أحيانا باستعداد وراثي، ثم تأتي سنوات الضغوط، والصدمات، أو الحرمان، أو العنف، أو الإهمال، لتدفع هذا الاستعداد إلى الظهور. وفي حالات أخرى قد يكون السبب تغيرات بوظائف الدماغ أو بطريقة تنظيم الانفعالات واتخاذ القرار. لذلك لا يمكن اختزال الاضطراب بضعف الشخصية أو قلة الإيمان أو سوء التربية، كما لا يمكن تفسير كل سلوك مزعج بأنه مرض نفسي. الوراثة... استعداد وليست حكم نهائي تلعب الجينات دورا مهما ببعض الاضطرابات النفسية، لكنها لا تفرض مصير الإنسان. فقد يحمل شخص الاستعداد الوراثي ولا تظهر عليه أي أعراض، بينما يواجه آخر ظروفا حياتية قاسية فتتطور لديه المشكلة. ولهذا ينظر العلماء إلى الوراثة باعتبارها عاملا يزيد الاحتمال، لا سببا حتميا. هل التعليم والثقافة يصنعان فرقا؟ التعليم لا يمنح حصانة ضد المرض النفسي، لكنه قد يمنح صاحبه أدوات أفضل لفهم نفسه وطلب المساعدة. الشخص المثقف قد يدرك أن ما يعتريه ليس أمرا طبيعيا، فيسعى للعلاج مبكرا. في المقابل، قد تؤدي قلة الوعي أو الخوف من الوصمة الاجتماعية إلى تجاهل الأعراض حتى تتفاقم. هل يدرك المصاب أنه يعاني؟ ليس دائما. بعض الأشخاص يعانون ويعرفون أنهم بحاجة إلى المساعدة، بينما يفتقد آخرون إلى ما يسميه الأطباء “الاستبصار”، وهو القدرة على إدراك أن أفكارهم أو سلوكهم مضطرب. في هذه الحالات قد يكون الشخص مقتنعا تماما بأنه على حق، وأن المشكلة تكمن في الجميع ما عدا نفسه، وهو ما يجعل إقناعه بالعلاج مهمة صعبة. بين الجهل والاضطراب... أين الفاصل؟ من الخطأ اعتبار كل شخص عنيد أو سيئ الخلق مريضا نفسيا. فالجهل، وسوء التربية، والمعتقدات الخاطئة، والمصالح الشخصية، قد تفسر كثيرا من السلوكيات دون وجود اضطراب طبي. أما الاضطرابات النفسية فتُشخّص عندما تكون الأنماط السلوكية أو الانفعالية مستمرة، وتسبب خللا واضحا بالعمل أو العلاقات أو الحياة اليومية، ويجري تقييمها من قبل مختصين، لا بالانطباعات. كيف تتعامل مع هذه الشخصيات؟ الخبراء ينصحون بعدم الانجرار إلى صراعات لا تنتهي لإثبات من هو المخطئ. وضع حدود واضحة، والتواصل بهدوء، وتجنب الاستفزاز، كلها وسائل أكثر فاعلية من المواجهة المستمرة. وإذا كانت السلوكيات تسبب ضررا حقيقيا للشخص أو لمن حوله، فقد يكون تشجيعه على استشارة مختص خطوة مفيدة، مع احترام حقه وكرامته. لماذا يفشل بعضهم للاحتفاظ بالأصدقاء؟ العلاقات الإنسانية تقوم على الثقة، والاحترام، والقدرة على الاعتذار، والتعاطف مع الآخرين. وعندما يفتقد الشخص هذه المهارات، أو تسيطر عليه الشكوك، أو الاندفاع، أو التقلبات الشديدة، تصبح المحافظة على الصداقات والعلاقات أكثر صعوبة. لكن من المهم التأكيد أن وجود اضطراب نفسي لا يعني تلقائيا الفشل الاجتماعي؛ فكثير من الأشخاص يعيشون حياة مستقرة بفضل العلاج والدعم المناسبين. لماذا أعدادهم بازدياد؟ قد يكون السبب أن المجتمعات أصبحت أكثر وعيا بالصحة النفسية، وأصبحت وسائل التشخيص أدق، فلم تعد الحالات تمر دون ملاحظة كما في السابق. كما أن ضغوط الحياة الحديثة، والعزلة، والتوتر الاقتصادي، والتعرض المستمر للمعلومات ووسائل التواصل، كلها عوامل قد تزيد العبء النفسي على كثير من الناس. ولماذا يرفض بعضهم العلاج؟ الخوف من الوصمة، أو الاعتقاد بعدم وجود مشكلة، أو ضعف الاستبصار، أو انعدام الثقة بالآخرين، كلها أسباب قد تجعل بعض الأشخاص لا يطلبون المساعدة. وفي بعض الاضطرابات يكون رفض العلاج جزءا من طبيعة الحالة نفسها، لا مجرد قرار واعٍ. أخيرا : لا يجوز تحويل كل سلوك مزعج إلى تشخيص نفسي، كما لا ينبغي تجاهل معاناة من يحتاج فعلا إلى العلاج. وبين الإفراط بالاتهام، والإفراط بالتبرير، يبقى الطريق الأكثر إنصافا هو الاعتماد على الدليل العلمي والتقييم المهني، مع الحفاظ على الاحترام والإنسانية بالتعامل مع الجميع.